نونية التنزيه والإثبات.. إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل
25 سبتمبر، 2026
العقيدة والصفات

بقلم : د . مصطفى القليوبى
نُونِيَّةُ التَّنْزِيهِ وَالإِثْبَاتِ
محاكاةٌ لنونية القحطاني في تقرير عقيدة السلف
كلمة قبل النونية:
كنتُ قد أوضحتُ في كلامٍ سابق أنني لا أتعامل مع النونية المنسوبة إلى القحطاني على أنها نصٌّ مقدَّسٌ لا يُناقش، ولا أرى أن مجرد اشتهار نسبتها يكفي في إثبات نسبتها إلى صاحبها، ولا سيما مع ما يحيط بنسبة القصيدة من إشكالاتٍ تاريخية ونقدية تستحق البحث والتحقيق.
كما أوضحتُ أن في النونية نفسها عباراتٍ في التنزيه، ونفي الجسمية، والحد، والمكان، والانتقال، وإثبات قدم كلام الله تعالى، يمكن أن يلتقي بعضها مع أصولٍ قررها متقدمو أهل السنة، وإن اختلفت المدارس في طرائق التعبير والتفصيل.
وها أنا اليوم أحاكي نونية القحطاني بنونيةٍ أخرى، لا لأعارض قصيدةً بقصيدة، ولا لأنتصر لاسمٍ على اسم، وإنما لأضع بين يدي القارئ نونيةً توضّح التصور الذي أعتقده في طريقة متقدمي أهل السنة، وبخاصة ما أراه من أصول المنهج الأشعري المتقدم في باب الصفات.
فنحن نعتقد أن طريقة المتقدمين من أهل السنة في نصوص الصفات تقوم على أصلين متلازمين:
إثباتُ ما ورد به الكتاب والسنة، وتنزيهُ الله تعالى عن مشابهة المخلوقين.
فما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ، نؤمن به ونصدّق به، من غير تكييف ولا تمثيل، ولا نجعل صفات الخالق كصفات المخلوق.
وفي المتشابه من نصوص الصفات، نثبت اللفظ الذي جاء به الشرع، ونفوض المراد التفصيلي والكيفية إلى الله تعالى، مع اعتقادنا الجازم أن الله سبحانه منزَّه عن الجسم والحد والمكان والجهة والانتقال والحلول وسائر خصائص الحوادث.
فالتفويض عندنا ليس إنكارًا للنص، ولا ردًّا له، ولا قولًا بأن ألفاظ الوحي لا معنى لها؛ وإنما هو تفويضٌ للمراد التفصيلي الذي استأثر الله بعلمه، مع اعتقاد التنزيه، والإيمان بالنص كما جاء.
ونحن نرى أن من الخطأ تصوير مذهب الأشاعرة على أنه مذهبٌ واحدٌ في جميع مراحله وتفاصيله؛ فقد تطور النظر الكلامي داخل المدرسة، ووقع اختلاف بين المتقدمين والمتأخرين في طرائق البيان والتأويل والتفويض.
ولهذا جاءت هذه النونية لتعبّر عن المنهج الذي نريد تقريره هنا:
إثباتٌ بلا تشبيه، وتنزيهٌ بلا تعطيل، وإيمانٌ بالنص، وتفويضٌ لما استأثر الله تعالى بعلمه.
وقد قصدتُ أن تكون القصيدة في صورة نونيةٍ عقدية، مستلهمةً من أسلوب النونيات القديمة، محاكاةً لنونية القحطاني في البناء والجرس والقافية، لا أن تكون ادعاءً بأنها من كلامه، ولا أن تُنسب إلى إمامٍ من أئمة أهل السنة.
وإنما هي صياغة شعرية معاصرة لمذهبٍ عقدي نراه جديرًا بالبيان والتحرير، أردتُ بها أن أقول: كما صيغت بعض مسائل الاعتقاد في نونية، فهذه نونيةٌ أخرى تعرض التصور الذي أعتقده، وتضعه في قالبٍ شعريٍّ قريبٍ من القالب الذي عُرفت به النونيات.
فليقرأها القارئ على هذا الأساس، وليتأمل الأصول التي تقررها، بعيدًا عن الخصومة بالأسماء، والتنازع بالألقاب.
—
نُونِيَّةُ التَّنْزِيهِ وَالإِثْبَاتِ
الحمدُ للهِ العليِّ الشانِ
منزَّهٍ عن وصفِ كلِّ مكانِ
والصلاةُ والسلامُ ما هبَّ الصَّبا
على النبيِّ المصطفى خيرِ الورى
وبعدُ فاعلمْ أنَّ أهلَ السُّنَّةِ
قد حفظوا التوحيدَ من كلِّ فتنةِ
أثبتوا للهِ الذي قد أثبتا
لنفسهِ، لا ما يَشينُهُ الفتى
من غيرِ تكييفٍ ولا تمثيلِ
ولا حلولٍ فيه أو تعطيلِ
نؤمنُ بالنصِّ الذي قد جاءنا
ونكلُ المعنى لربٍّ مولانا
فالاستواءُ ثابتٌ بالنصِّ لنا
والكيفُ عنه ليس يُروى عنّا
نُثبتُ اللفظَ الذي قد وردا
ونتركُ المرادَ حيثُ استأثرا
وكذا النزولُ والمجيءُ واليدُ
والوجهُ والعينُ التي بها وردوا
نمرُّها كما أتتْ في الخبرِ
من غيرِ بحثٍ في خفايا الفكرِ
لا نقولُ الجسمَ ربُّ العالمين
ولا نقولُ فيه حدٌّ أو يمين
ولا شمالٌ، لا مكانٌ يحويهِ
ولا الجهاتُ قطُّ تستقصيهِ
سبحانه عن أن يحيطَ به المدى
أو أن يكونَ فوقه شيءٌ سُدى
هو الأولُ الذي لا ابتداءَ له
والآخرُ الذي ليس له انتهاءُ
لا تحدُّه الجهاتُ أينما تكنْ
ولا يحلُّ في مكانٍ أو سكنْ
من قال ربُّ العرشِ في العرشِ استقرْ
كاستقرارِ الخلقِ فقد ضلَّ واعتكرْ
فالعرشُ مخلوقٌ وربُّ العرشِ
منزَّهٌ عن الحيزِ والفرشِ
لا يحصرُ الأوهامُ ذاتَ ربنا
ولا يحيطُ العقلُ سرَّ شأننا
يعلمُ ما في الكونِ من دقيقِهِ
ولا يخفى عليهِ من عميقِهِ
ليس له شبيهٌ ولا نظيرُ
ولا له في خلقهِ وزيرُ
قال الإلهُ: ليس مثلي شيءُ
فكلُّ ما يخطرُ بالبالِ فشيءُ
فما تصوَّرتَ ببالِكَ من صفاتْ
فالربُّ غيرُ ذاكَ يا أهلَ الثباتْ
ونحنُ في بابِ الصفاتِ نقتفي
نهجَ الهدى، لا نحرفُ ولا نفي
فإنْ أتانا النصُّ قلنا آمنا
بالحقِّ حقًّا، ثم قلنا: ربنا
أنتَ أعلمُ بالمرادِ من الكلامْ
فليس علمُنا كعلمِ ذي المقامْ
لا نعيِّنُ كيفَهُ ولا المعنى
إذ كان ربُّ العرشِ أعلمَ بنا
نثبتُ ما جاءَ، وننفي المثلَا
ونتركُ التفصيلَ حيثُ قد حَصَلَا
فالتفويضُ ليس رفضَ ما قد وردْ
ولا تعطيلَ الصفاتِ أو جحدْ
بل هو إيمانٌ بما قد أخبرا
مع اعتقادِ التنزيهِ فيما أُثرا
فنحنُ لا نقولُ: لفظٌ بلا معنى
ولا نقولُ: معنىً يشابهُ المبنى
بل نقولُ: جاءنا نصُّ الهدى
نؤمنُ به، والعلمُ عندَ من هدى
والربُّ جلَّ عن حلولِ الحادثاتْ
وعن انتقالٍ أو تَحَيُّزٍ وجهاتْ
وعن قيامِ الحادثاتِ بالذاتْ
وعن تغيرٍ أو حلولِ الآفاتْ
وكلامُ ربِّنا صفةٌ لهُ
قديمُهُ، لم يبتدئْ من سواهُ
والقرآنُ كلامُ ربِّ العالمينْ
ليس بمخلوقٍ ولا من المحدثينْ
تكلَّمَ اللهُ به كما شاءَ
وهو القديمُ الواحدُ العليُّ شاءَ
ليس الحروفُ والصوتُ في ذاتِهِ
كالمحدثاتِ القائمةِ بآلاتِهِ
وما تلاه القارئون من حروفْ
فذاك فعلُ الخلقِ عندَنا معروفْ
أما كلامُ اللهِ فهو الصفةُ
القديمةُ التي لها المشيئةُ
ونثبتُ الرؤيةَ يومَ الحشرِ
لربِّنا، من غيرِ كيفٍ أو حصرِ
يراه أهلُ الحقِّ حقًّا جهرةْ
من غيرِ إحاطةٍ به أو جهةْ
فالرؤيةُ الحقُّ بلا مقابلةْ
ولا حلولٍ فيه أو مماصلةْ
والسمعُ والبصرُ والعلمُ والحياةْ
والقدرةُ والإرادةُ والصفاتْ
كلُّ الذي جاءَ به التنزيلُ
نثبتهُ، والكيفُ لا سبيلُ
لا نعبدُ الوهمَ ولا الخيالَا
ولا نجعلُ الباري له مثالَا
فمن شبَّهَ الخالقَ بالمخلوقِ
قد أفسدَ التوحيدَ في التحقيقِ
ومن نفى ما جاءَ في التنزيلِ
قد عارضَ النصَّ بلا تأويلِ
والحقُّ بينَ الجافي والغالي
نهجُ الهدى في السنةِ اعتدالي
إثباتُ حقٍّ مع تنزيهِ الإلهْ
وتفويضُ ما استغلقَ من سرِّ الصفاهْ
هذا سبيلُ القومِ أهلِ المعرفةْ
ممن مضى من سادةِ أهلِ السنةْ
أبو الحسنِ إمامُ أهلِ الملةْ
قد نصرَ التوحيدَ أيَّ نصرةْ
ورامَ دفعَ الشبهِ والبدعِ
وصانَ دينَ اللهِ عن التَّبَعِ
ومذهبُ الأوائلِ الأبرارِ
إمرارُ ما جاءَ من الأخبارِ
مع نفيِ التشبيهِ والتمثيلِ
والحدِّ والتكييفِ والتعطيلِ
فلا تقلْ: إنَّ التفويضَ قد غدا
رفضًا لنصوصِ الهدى، فقد اعتدى
بل هو تسليمٌ لعلمِ من علمْ
بسرِّ ما جاءَ، مع اعتقادِ الحكمْ
يا طالبَ الحقِّ خذْ سبيلَ السلفْ
واحذرْ مزالقَ الخصامِ والتلفْ
لا تجعلِ الخلافَ في ألفاظِنا
سببًا لتكفيرٍ أو انتقاصِنا
فكم إمامٍ قد توحَّدَ مقصدُهْ
واختلفتْ ألفاظُهُ ومورِدُهْ
والدينُ أصلُهُ كتابٌ وسنةْ
والفهمُ ميراثُ الأئمةِ المأمونةْ
فالزمْ طريقَ العلمِ لا طريقَ الهوى
وكنْ مع الدليلِ حيثما استوى
وقلْ: إلهي أنتَ ربُّ العالمينْ
منزَّهٌ عن وصفِ أهلِ المحدثينْ
أثبتْ لنفسكَ ما أثبتَّ لنا
وانفِ التشبيهَ الذي قد شاننا
وآمنَّا بكلِّ ما قد جاءَنا
وفوَّضنا العلمَ في معناها لنا
لا نبتغي كيفًا ولا تمثيلَا
ولا نرى في النصِّ ما يوجبُ محالا
يا ربَّنا فاشهدْ بأنَّا نثبتُ
ما جاءَ، والتشبيهَ عنك ننفي
ونعبدُ الرحمنَ ربًّا واحدا
لا نرتضي في حقِّه من جاحدا
هذا اعتقادُ القومِ إنْ أردتَهُ
فاقرأْ كلامَ الأولينَ تجدْهُ