بقلم : أ.د طلعت عبد الله أبو حلوة وكيل كلية الدراسات الإسلامية والعربية جامعة الأزهر
لقد كَرَّمَ الله -عز وجل- الإنسان على غيره بالفصاحة والبيان، وجعل للكلمة في الإسلام أهمية كبرى، ومسئولية عظمى، فهي سلاح ذو حدين، يحسن صاحبه استخدامه فيدخل الجنة، ويرتقي في درجاتها، أو يسيء استخدامه فيدخل النار، ويَهْوِي في دَرَكاتها. والشائعات الرقمية عبارة عن أخبار ومعلومات كاذبة أو مجهولة المصدر، تنتشر بسرعة فائقة عبر منصات ومواقع التواصل الاجتماعي؛ بهدف قلب الحقائق، وتضليل الرأي العام، وإثارة البلبلة والفوضى بين الناس.
وقد حذرنا الله -سبحانه وتعالى- من الشائعات في أكثر من موضع في القرآن الكريم، وتوعد فاعلها بالعقاب الشديد، فقال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾(1)، وقال -جل جلاله-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾(2)، وجاء التحذير أيضًا على لسان النبي -ﷺ- في أكثر من حديث، ومن ذلك قوله محذرًا من التشهير بالناس وفضحهم: «مَن سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ به»(3)، وقوله محذرًا من سوء الظن: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ»(4)، وأرشدنا النبي إلى أهمية الكلمة ومسئوليتها، فقد تخرج من صاحبها في رضا الله دون أن يبالي بأهميتها، فيبلغ بها الدرجات، وقد تخرج منه في سخط الله، ولم يكترث بخطورتها، فيهبط بها دركات، فقال: «إنَّ العَبدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمةِ مِن رِضوانِ اللهِ، لا يُلقي لها بالًا، يَرفَعُه اللهُ بها دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمةِ مِن سَخَطِ اللهِ، لا يُلقي لها بالًا، يَهوِي بها في جَهَنَّمَ»(5).
والشائعات في العصر الحديث لا تختلف في جوهرها عن الشائعات في الماضي، وقد أشار القرآن الكريم إلى بعض الشائعات التي رُمِيَ بها البُرَآء كقوله -عز وجل- عن النبي موسى -عليه السلام-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾(6)، وقوله عن النبي محمد -ﷺ-: عندما تأخر عليه الوحي، وأشاع بعض السفهاء بأن الله -سبحانه وتعالى- وَدَّعَه وقلاه: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾(7)، وقوله عن حادث الإفك الذي رُمِيَتْ به أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها- الطاهرة العفيفة، والحَصان الرَّزان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾(8)، وإنما تختلف في الوسائل والأدوات، ففي عالم الفضاء الإلكتروني والتطور التكنولوجي أفرزت ثقافة العصر وسائل ومنصات للتواصل الاجتماعي والبحث العلمي، لكن قد يميل بها عن الجادّة والطريق القويم بعض الناس الذين فسدت عقولهم، ومرضت نفوسهم، وانتكست فطرهم، ويأبون إلا أن يستخدموا هذه الوسائل في نشر الأباطيل والأكاذيب والأراجيف. فينشرون أخبارًا محرفة، أو تصريحات مكذوبة، أو تأويلات باطلة، أو صورًا مزيفة، أو فيديوهات مفبركة، كل ذلك وغيره بهدف الوصول إلى (الشو الإعلامي)، وبغرض الحصول على ملايين المشاهدات والمشاركات، أو ما يعرف بمصطلح (الترند)؛ لتحقيق أغراض مادية أو سياسية أو اجتماعية أو غيرها، وبقصد إلحاق الأذى والضرر بالوطن والمواطنين، وزعزعة الاستقرار، وإثارة البلبلة، والتأثير على الرأي العام وإرباكه، وتفريق المجتمع وتضليله، وإضعاف نهضته وازدهاره، والتشكيك في الحقائق، وتشويه القرارات، وتقليل الثقة في مؤسسات الدولة ورموزها.
وعلاجًا لهذا الوبال، والمرض العضال، والداء الدَّوِيّ، أوصي بالآتي:
5- المبادرة والإسراع في توضيح الحقائق، وكشف الشبهات، وإزالتها، كما جاء عن النبي -ﷺ- حينما كان معتكفًا، وقام بتوصيل زوجه صفية رضي الله عنها، فرآه رجلان من الأنصار، فأسرعا احترامًا وتوقيرًا للنبي: «علَى رِسلِكما إنَّها صفيَّةُ بنتُ حييٍّ»، قالا: سبحانَ اللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ! قالَ: «إنَّ الشَّيطانَ يجري مِنَ الإنسانِ مجرَى الدَّمِ، فخشيتُ أَنْ يَقذِفَ في قلوبِكما شيئًا»(5)
8-تعاون وتضافر مؤسسات الدولة في تفنيد الشائعات، وكشف زيفها، وبيان عوارها، ومواجهتها، والرد عليها بالحقائق الصحيحة الدقيقة، والأدلة الدامغة القاطعة، والبراهين الساطعة.
9- سَنّ التشريعات والقوانين التي تنظم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، وتتضمن العقوبات الزاجرة والرادعة لمن تسول له نفسه بسوء استخدامها، وإطلاق الشائعات وترويجها.
10- تعزيز ثقة المواطنين ومِصْداقِيَّتهم في مؤسسات الدولة ورموزها.