الحلم عند الغضب والأناة عند القرار.. طريق إلى محبة الله

بقلم: أ.د/ سعد عبد المعطي شعبان
أستاذ التفسير وعلوم القرآن بالجامعة الإسلامية ببروكسل

الحمد لله الذي جعل مكارم الأخلاق رفعة للعباد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تنفع صاحبها يوم التناد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ، بعثه ليتمم صالح الأخلاق، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. إن التشريع الإسلامي لم يأتِ فقط بأحكام العبادات والمعاملات، بل جاء بتزكية النفوس وتهذيب الطباع. ومن أعظم التوجيهات النبوية التي تضع ميزانًا للشخصية المسلمة المتزنة، ما رواه الصحابي الجليل عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّ رسول الله ﷺ قَالَ لِلْأَشَجِّ أَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ». صحيح مسلم (17)،

فهذا الثناء العطر من فم المصطفى ﷺ ليس مجرد مدح عابر، بل هو تأصيل لمنهج سلوكي يحبه الله ورسوله ﷺ.

أولًا: مفهوم الحلم والأناة
الحلم: هو ضبط النفس عند ثوران الغضب، وتأخير العقوبة مع القدرة عليها، وهو سمة تدل عن القوة لا عن الضعف؛ لأن العاجز لا يوصف بالحلم، وإنما يوصف به القادر الذي يملك زمام نفسه.

الأناة: هي التأني في الأمور، وترك العجلة وعدم الاستعجال والتريث قبل اتخاذ القرارات. فالأناة تعني النظر في المواقف ودراسة العواقب بعقل راجح وحكمة.

ثانيًا: الحلم في ضوء القرآن الكريم والسنة المطهرة

لقد مدح الله تعالى عباده المتصفين بالحلم، وجعل كظم الغيظ والعفو عن الناس والرفق بهم واللين معهم والصفح عنهم من أعظم سمات أهل التقوى، قال تعالى في وصف أهل الجنة: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134]. بل إن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يدفع السيئة بالحلم واللين والحسنى، فقال: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34].

وفي السنة المطهرة، بين النبي ﷺ أن الشجاعة الحقيقية ليست في الطيش والبطش بالآخرين، بل في القدرة على كبح جماح النفس وشد لجامها؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ, إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» أخرجه البخاري (6114)، ومسلم (2609).
ثالثًا: مواقف عملية من حلم النبي ﷺ

لقد كان النبي ﷺ التطبيق العملي الأسمى لخلق الحلم، ولم يكن حلمه مجرد شعارات، بل تجلى في أصعب المواقف مع أصحابه ومع أعدائه على حد سواء:

حلمه ﷺ مع أصحابه: دخل أعرابي المسجد فبال في طائفة منه، فثارت ثائرة الصحابة الكرام وزجروه، لكن النبي ﷺ قابل هذا الجهل والخطأ بقمة الحلم والأناة، فقال لأصحابه: «دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» (رواه البخاري). وبفضل هذا الحلم شرح الله صدر الأعرابي للإسلام وفقهه في الدين.

حلمه ﷺ مع أعدائه: في يوم فتح مكة، تمكن النبي ﷺ من صناديد قريش الذين آذوه، وطردوه، وقتلوا أصحابه وأقرب الناس إليه. وجلسوا ينتظرون حكمه وفيهم القدرة الكاملة على الانتقام، فلم يزد على أن قال لهم: «مَا تَظُنُّونَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟» قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، فقال ﷺ بكل حلم وعفو: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ». أخرجه الطبري في (تاريخه)، (12/93). فكان حلمه سببًا في دخول الناس في دين الله أفواجًا.

وفي الأناة والتثبت حماية لدوام العلاقات وصيانة للمجتمعات؛ إن غياب الأناة وسيطرة العجلة هي السبب الرئيس في هدم الأسر، وانهيار المجتمعات، وانتشار الشائعات، وإفساد العلاقات. لذلك جاءت التوجيهات الإلهية صريحةً بضرورة التثبت والتبين وعدم الاستعجال في الحكم على الأخبار، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6].

والعجلة مذمومة في كل شيء إلا فيما كان من أمور الآخرة والمسارعة إلى الطاعات. وقد حذر النبي ﷺ منها، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «التَّأَنِّي مِنَ اللهِ، وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ» رواه البيهقي في (السنن الكبرى) (20270) بإسناد حسن.

إن التخلق بالحلم والأناة يثمر رضا الحق، ومحبة في قلوب الخلق، وراحة في النفس، وطمأنينة القلب، وقبل ذلك كله نيل محبة الله تعالى كما بين الحديث. والواجب على كل مسلم عاقل أن يتريث، ويتفهم، ويجاهد نفسه ليكون حليمًا متأنيًا، مقتديًا بالمصطفى محمد ﷺ الذي كان أعظم الناس خلقًا، وأكثرهم حلمًا، وأرجحهم عقلًا، وأبعدهم عن العجلة والغضب.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا الحلم والأناة، وأن يجعلنا ممن يحبهم الله ورسوله، وﷺ نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.