ليست أعظم كرامة أن تمشي على الماء… بل أن تمشي إلى الله
28 أغسطس، 2026
منهج الصوفية

بقلم : أ . هالة أشرف
من أكثر الأسئلة التي يمكن أن يتوقف عندها بعض الذين يسعون للتطور الروحي هو: لماذا لا يرى جميع البشر الحقيقة؟ ولماذا يستطيع بعض الناس أن ينظروا إلى الحياة فيتجاوزوا ظاهرها إلى معانٍ أعمق، بينما يبقى آخرون أسرى لما تراه العين وما تدركه الحواس فقط؟
والحقيقة أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل الناس متساوين في العلم والإدراك والقدرة على التأمل، كما لم يجعلهم متساوين في الاستعداد النفسي والروحي لتلقي الحق ومعرفة الله حق المعرفة وإدراك حقيقة الكون.
فهناك من يمر بالحياة ولا يرى فيها إلا ما يقع تحت يده، وهناك من ينظر إلى الأشياء نفسها فيرى وراءها دلالات تقوده إلى خالقها.
وليس معنى ذلك أن الحقيقة حُجبت عن الناس، أو أن الله اختص بها فئة دون غيرها، وإنما جعل الوصول إليها طريقًا يحتاج إلى طلب وسعي وتزكية وصبر.
ولهذا قال سبحانه:
﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ [العنكبوت: ٦٩]
فالهداية هنا لم تأتِ في صورة معلومة سهلة في يد الإنسان، وإنما جاءت بعد المجاهدة. ذلك لأن الطريق إلى معرفة الله يحتاج إلى أن يعمل الإنسان على نفسه كما يعمل على عقله.
ولهذا قد يقرأ شخصان الآية نفسها، فيخرج أحدهما منها بمعلومة، بينما يخرج الآخر منها وقد تغير شيء في قلبه. وقد ينظر اثنان إلى السماء نفسها، فيراها أحدهما مجرد مساحة زرقاء، بينما يرى الآخر فيها أثرًا من آثار القدرة والإبداع.
قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق: ٣٧]
ولهذا أيضًا لم يجعل الله العلم مرتبة واحدة، فقال سبحانه :
﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف: ٧٦]
وقال: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ [المجادلة: ١١]
فالبشر درجات في المعرفة، ودرجات في الفهم، ودرجات في البصيرة، وحتى أولئك الذين أدركوا الحقيقة أو ظنوا أنهم وصلوا إلى مرحلة عالية من التطور الروحي؛ يتفاجؤون بعد فترة أو موقف معين أنهم مازالوا في أول الطريق. فكلما ازداد الإنسان علمًا أدرك في الوقت نفسه اتساع ما يجهله.
وكيف لا وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قصة النبي موسى والخضر. لقد آتى الله الخضر علمًا لم يؤته موسى عليه السلام في ذلك الباب، مع أن موسى كان نبيًا من أنبياء الله. وحاشا لله أن نذكر أن أحدهم أفضل من الآخر، فقد جعل الله لكل فرد رسالة في الدنيا ليتمها وليكمل كل منا الآخر بمعرفته وما أتاه الله من فضل.
فهم خاطئ لمفهوم الوصول
لكن هنا ينبغي أن نتوقف عند تصور شائع عن الوصول إلى الحقيقة، وهو مفهوم شائع خصوصًا بين الشباب الذين يسعون للمعرفة الباطنية. هذا التصور هو أن الإنسان كلما اقترب من الحقيقة الإلهية ظهرت عليه أمور خارقة للعادة، فيستطيع أن يعرف الغيب، أو يمشي على الماء، أو تأتيه خوارق تجعله مختلفًا عن سائر البشر.
وقد وقعت الكرامات لأولياء الله، ولا ينكرها من حيث الأصل من يثبتها الكتاب والسنة، لكن يجب الإشارة إلى أن الكرامة ليست هي الغاية، وليست مقياس القرب من الله.
فالإنسان قد يكون أقرب إلى الله وهو لا يملك شيئًا من ذلك، وقد تكون أعظم كرامة له أن يظل ثابتًا على الحق حين لا يراه أحد، وأن يترك معصية يستطيع الوصول إليها ولا يمنعه منها إلا خوف الله. وقد يكون بين الناس من لا يلفت النظر بمظهره ولا يملك شيئًا من مظاهر الشهرة، لكنه عند الله أرفع وأصدق ممن يملأون الدنيا حديثًا عن أنفسهم.
إن المشكلة تبدأ حين يتحول الإنسان من البحث عن الله إلى البحث عن الأشياء الغريبة التي قد تصاحب الطريق.
ففي مقابل الأسئلة الظاهرية، ينبغي تصحيح البوصلة:
• بدل أن نسأل: هل يستطيع أن يمشي على الماء؟ نسأل: هل استطاع أن يمشي في الطريق إلى الله؟
• وبدل أن نسأل: هل يستطيع أن يخبر بما سيحدث غدًا؟ نسأل: هل استطاع أن يعرف عيوب نفسه؟
• وبدل أن نسأل: هل يملك خارقة؟ نسأل: هل تغير قلبه؟
فالإنسان قد ينشغل بالعلامة وينسى صاحب العلامة، وينشغل بالكرامة وينسى رب الكرامة.
والأغرب أن خوارق الأمور ليست كلها دليلًا على الولاية أصلًا. فوجود أمر غير معتاد لا يعني تلقائيًا أن صاحبه من أولياء الله؛ إذ قد تكون بعض الخوارق من السحر أو من أعمال الشياطين، وقد يلتبس الأمر على الإنسان إذا جعل الخارق وحده معيارًا للحقيقة.
خرق العادة الحقيقية
ولهذا لا ينبغي أن يكون هدف السالك إلى الله أن يبحث عن القدرة على خرق العادة، وإنما أن يبحث عن القدرة على خرق عاداته هو:
1. أن يتغلب على شهوته حين تدعوه.
2. أن يكسر غضبه حين يستفزه.
3. أن يقهر كبره حين يشعر أنه أفضل من غيره.
4. أن يتجاوز خوفه حين يكون الحق أثقل من أن يُقال.
فما قيمة أن يمشي الإنسان فوق الماء إذا كان عاجزًا عن السير بعيدًا عن الحرام؟
وما قيمة أن يرى شيئًا لا يراه غيره إذا كان لا يرى عيوب نفسه؟
وما قيمة أن يمتلك قدرة خارقة إذا كان قلبه لم يتطهر من حب الظهور والسلطة والغرور؟
إن الطريق إلى الله ليس مسابقة في الغرائب، لكنه رحلة طويلة من المعرفة والتزكية والعبادة والعمل.
وقد يكون من رحمة الله بالإنسان أن يحرمه بعض الأشياء التي يتمنى امتلاكها، لأنها لو جاءت إليه لأفسدت عليه الطريق. فليس كل ما يثير إعجاب الإنسان خيرًا له، وليس كل ما يبدو خارقًا دليلًا على رفعة صاحبه.
والله سبحانه وتعالى قادر على أن يهب بعض عباده من الكرامات ما يشاء، ولكن الكرامة في النهاية هبة وليست منزلة يسعى الإنسان إليها لذاتها.
غاية المعرفة والبصيرة
أما الغاية الكبرى فهي أن يعرف الإنسان ربه. أن يرى آثار رحمته في النعم، وآثار حكمته في المنع، وآثار قدرته في الكون، وأن يتعلم كيف ينتقل من رؤية الأشياء إلى معرفة من أوجد الأشياء.
وقد أورد عنايت خان وهو أحد الحكماء في كتابه كيمياء السعادة أنه ذات مرة ذهب رجل إلى حكيم صيني وقال له:
«أريد أن أتعلم القوانين الخفية. هل ستعلمني؟»
فقال الحكيم: «لقد جئت لتطلب مني أن أعلمك شيئًا، ولكن لدينا الكثير من المبشرين في الصين الذين يأتون ليعلمونا».
فقال الرجل: «نحن نعرف عن الله، لكنني جئت إليك لأسألك عن القوانين الخفية».
فقال الحكيم: «إذا كنت تعرف عن الله فأنت لا تحتاج إلى معرفة أي شيء آخر. الله هو كل ما يجب معرفته. إذا كنت تعرفه فأنت تعرف كل شيء».
ولهذا ربما كان أعظم ما يمكن أن يصل إليه الإنسان ليس أن يرى ما لا يراه الآخرون، لكن أن يرى بعين البصيرة آثار عظمة الله وجلاله في كل شيء حوله.
فالحقيقة ليست بالضرورة خلف ستار لا يستطيع أحد الوصول إليه، وربما كانت أمام الإنسان طوال الوقت، لكنه كان يحتاج إلى أن يتغير هو حتى يستطيع أن يراها.
ولعل هذا هو معنى البصيرة التي لا تمنحها كثرة المعلومات وحدها؛ فهناك فرق بين أن تعرف عن الله وأن تعرف الله، وبين أن تجمع المعلومات عن الطريق وأن تسير فيه.
خاتمة: العبرة بالوجهة والنهاية
وفي النهاية، ليس المهم كم رأينا من العجائب، ولا كم امتلكنا من القدرات، ولا كم اختلفنا عن الآخرين.
المهم هو: إلى أين قادنا كل ذلك؟
• فإن قادتنا المعرفة إلى التواضع،
• وقادتنا العبادة إلى الرحمة،
• وقادتنا التجربة إلى اليقين،
• وقادتنا الحياة كلها إلى الله، فقد أصبنا من الحقيقة شيئًا..
أما إذا جعلتنا المعرفة نرى أنفسنا فوق الناس، وجعلتنا الخوارق نطلب الشهرة، وجعلتنا الأسرار المزعومة نحتقر من لم يصل إليها، فربما كنا قد انشغلنا بالطريق حتى نسينا وجهته.
فليست أعظم كرامة أن ترى ما لا يراه الناس، وإنما أن ترى الله في كل ما يراه الناس، ثم تمضي في حياتك عبدًا له لا طالبًا لأن يراك الناس مختلفًا عنهم.