الإعلامي المرتزق

المقال السادس والعشرون من سلسلة ( ماسونيات ـ جيوش الظل )

للكاتب / محمد نجيب نبهان

كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي

صناعة الرأي لصالح المستعمر:

إذا كان المثقف المأجور يبيع قلمه، والسياسي العميل يبيع قرار وطنه، فإن الإعلامي المرتزق يبيع أخطر ما يملك: وعي الناس. فهو الحارس الذي يقف عند بوابة العقول، يدخل إليها ما يشاء ويمنع عنها ما يشاء، يزين الباطل حتى يبدو حقًا، ويشوه الحق حتى يبدو جريمة. لقد فهمت جيوش الظل الاقتصادية والاستعمارية أن السيطرة على الشعوب لا تتم إلا عبر الإعلام، فجعلت من الإعلاميين مرتزقة بالرأي والصوت والصورة، يحولون الشاشات إلى ساحات حرب ناعمة، تُدار فيها معارك أخطر من معارك المدافع.

الإعلامي المرتزق ليس مجرد شخص يعمل في قناة أو صحيفة، بل هو أداة استراتيجية، يُستخدم لتوجيه الرأي العام وتغيير اتجاهاته وفق ما تقتضيه مصالح القوى التي تموله. قد يبتسم على الشاشة، يتحدث بلغة واثقة، يرفع شعار الحرية أو الموضوعية، لكنه في الحقيقة يتلقى تعليماته من غرف التحكم: ماذا يقول، ماذا يخفي، من يُهاجم، من يُمجّد. إنه موظف عند المستعمر وإن حمل جوازًا محليًا، وإن تحدث بلهجة الناس.

لقد رأينا في العقود الأخيرة كيف تحولت الشاشات إلى ميادين احتلال ذهني. قنوات فضائية مملوكة لرجال أعمال مرتبطين بشركات عالمية، صحف تمولها سفارات، مواقع إلكترونية تُدار من عواصم بعيدة. والنتيجة أن ما يسمعه المواطن كل يوم ليس صوت بلده، بل صدى للمستعمر. تُضخ الأخبار الملفقة، تُعاد صياغة الوقائع، يُخترع أبطال مزيفون، وتُصنع شياطين من خيرة أبناء الأمة. وهكذا يُدار الرأي العام كما يُدار قطيع، يقاد إلى حيث يريد الممول.

إن خطورة الإعلامي المرتزق أنه لا يكتفي بالكذب المباشر، بل يمارس التلاعب الخفي. يختار الخبر الذي يعرضه والخبر الذي يخفيه، يضع العناوين التي تثير الخوف أو الأمل وفق مصلحة مموله، يستخدم الصور والموسيقى والمؤثرات ليبني مشاعر معينة في المشاهد. فالإنسان لا يدرك غالبًا أنه يُخدع، لأنه يرى “حقائق” على الشاشة، لكنها حقائق مصنوعة بعناية. وهكذا تتحول الكاميرا إلى سلاح أشد فتكًا من البندقية: تقتل الحقيقة وتحيي الوهم.

لقد تحولت مهنة الإعلام، التي كان يفترض أن تكون خدمة للناس وكشفًا للفساد، إلى سوق نخاسة تُباع فيه الأصوات. الإعلامي الذي كان ينبغي أن يكون شاهدًا على الحدث، صار شريكًا في صناعته. يُمنح راتبًا ضخمًا، وامتيازات، وشهرة، مقابل أن يتحول إلى بوق يكرر الخطاب المطلوب. وإذا رفض، أُقصي من الساحة، أو شُوهت سمعته، أو حُرم من المنبر. وهكذا بقي على الشاشات من قبلوا أن يكونوا جنودًا في جيوش الظل الإعلامية.

والأدهى أن الإعلامي المرتزق صار يصنع القيم المزيفة. فهو من يجعل النجم التافه قدوة، والمقاوم إرهابيًا، والخائن زعيمًا، والمستعمر شريكًا. هو من يحول الفن المبتذل إلى ثقافة، والسياسي العميل إلى بطل وطني. وهو من يُقنع الناس أن مشكلاتهم ليست في الفقر والفساد والتبعية، بل في “التدين” أو “الهوية”. وهكذا يُعاد توجيه بوصلة الشعوب لتبتعد عن قضاياها الحقيقية، وتنشغل بمعارك هامشية تخدم أعداءها.

إن الإعلامي المرتزق ليس فردًا معزولًا، بل جزء من شبكة عالمية مترابطة. يتلقى خطابه من شركات العلاقات العامة، ومن غرف الأخبار في العواصم الكبرى، ومن أجهزة الاستخبارات التي تعرف أن السيطرة على المعلومة هي السيطرة على الحرب. فالكاميرا اليوم ليست مجرد أداة تصوير، بل مدفع ناعم، يطلق الصور بدل الرصاص، لكنه يصيب القلوب والعقول بدقة أشد.

وهكذا ندرك أن الإعلامي المرتزق هو أخطر حلقة في شراء الذمم. فالمثقف قد يؤثر على نخبة محدودة، والسياسي قد يتحكم في قرارات الدولة، لكن الإعلامي يؤثر على الملايين كل يوم، يُعيد صياغة وعيهم، ويُقرر لهم ماذا يحبون وماذا يكرهون، ومن يثقون به ومن يعادونه. إنه يبيع وعي أمة كاملة في بث مباشر، ويقبض ثمنه بالدولار.

إن تحرير الأمة يبدأ من هنا: من استعادة الإعلام من أيدي المرتزقة. فلا نهضة مع شاشات تُدار من الخارج، ولا وعي مع أصوات مأجورة، ولا سيادة مع أقلام مستأجرة. إن الإعلامي الحر هو جندي الأمة الأول في معركة الوعي، أما الإعلامي المرتزق فهو جندي العدو، وإن كان يتحدث بلغتنا ويجلس بيننا.