
بقلم الشبخ :حسين السمنودي
ليست كل كلمة تُقال في أغنية مجرد كلمة عابرة، وليست كل عبارة يمكن أن نضعها تحت عنوان «فن» ثم نغلق باب النقاش. فالكلمة مسؤولية، والفنان حين يضع كلمات معينة في فم الجمهور فإنه لا يقدم لحنًا فقط، وإنما يقدم معنى قد يترسخ في عقول الناس، وخصوصًا الشباب الذين يتلقون الأغنية ويتداولون عباراتها دون أن يتوقف كثير منهم أمام خطورتها.
ومن هنا تأتي الوقفة مع العبارة التي يرددها المطرب الشاب عمر كمال: «أنا الشيطان السالك يا ملايكة يا منافقين»؛ وهي عبارة تستحق أن نتوقف عندها بهدوء، لا بهدف التشهير بأحد، ولا بإصدار أحكام على عقائد الناس ونياتهم، وإنما بهدف تفكيك المعنى والتنبيه إلى أن هناك حدودًا لا ينبغي أن يتجاوزها الفن.
لنبدأ من كلمة «أنا». هذه الكلمة في ذاتها لا مشكلة فيها؛ فالإنسان يقول «أنا» كل يوم، لكن خطورتها تأتي مما يُسند إليها بعد ذلك.
ثم تأتي كلمة «الشيطان»، وهنا يبدأ الإشكال الحقيقي. الشيطان في التصور الإسلامي ليس رمزًا عابرًا أو شخصية فنية يمكن التعامل معها بلا ضوابط، وإنما هو عدو للإنسان، ارتبط في القرآن الكريم بالعصيان والإغواء والوسوسة والابتعاد عن طريق الله. ولذلك فإن تقديم الذات في صورة الشيطان، حتى لو كان المقصود مجرد المبالغة الفنية أو التعبير المجازي عن التمرد، يظل تعبيرًا صادمًا دينيًا وأخلاقيًا ويحتاج إلى تفسير واضح، لأن اللفظ يحمل دلالة شديدة الحساسية.
ثم نصل إلى كلمة «السالك»، وهي تزيد الصورة تركيبًا؛ لأن العبارة لا تقول فقط «أنا الشيطان»، بل تضيف وصفًا يوحي بأن المتكلم يسير في هذا الطريق أو يتخذه مسارًا. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام مجرد صورة شعرية عن التمرد والخروج على المألوف، أم أمام تبنٍّ رمزي لشخصية الشيطان؟
ثم تأتي عبارة «يا ملايكة». والملائكة في العقيدة الإسلامية خلق كريم مطيع لله، ومن ثم فإن جمع صورة «الشيطان» في جانب، و«الملائكة» في الجانب الآخر، داخل تركيب غنائي قائم على الاستفزاز، يخلق مفارقة دينية لا يمكن تجاهلها.
أما كلمة «يا منافقين» فهي تفتح بابًا آخر؛ لأن النفاق في المفهوم الديني ليس مجرد شتيمة عابرة، وإنما مفهوم شديد الخطورة في الإسلام، يرتبط بإظهار شيء وإبطان خلافه. وعندما تتحول الملائكة في العبارة إلى مخاطَبين بلفظ «المنافقين»، فإن الصورة كلها تصبح قائمة على صدمة دينية متعمدة أو غير محسوبة، وفي الحالتين فإن السؤال يبقى قائمًا: لماذا يحتاج الفن أصلًا إلى هذه المفردات كي يثبت نفسه؟
وهنا يجب أن نكون منصفين في نقطة مهمة جدًا: لا يصح أن نسارع إلى تكفير عمر كمال أو أي إنسان لمجرد ترديد عبارة تحتمل المجاز أو المبالغة الفنية. الحكم على العقائد والنيات ليس مهمة الجمهور ولا مواقع التواصل، ولا يجوز تحويل النقد الفني والديني إلى محكمة تكفير. فقد تكون العبارة مقصودة على سبيل المجاز أو الاستفزاز الفني، وقد يكون قائلها لا يقصد معناها العقدي أصلًا.
لكن في المقابل، عدم تكفير الشخص لا يعني أن نسكت عن العبارة إذا كانت تحمل معنى دينيًا مستفزًا أو لفظًا لا يليق. هناك فرق هائل بين الحكم على الشخص وبين الحكم على خطورة التعبير.
فإذا كان المقصود من عبارة «أنا الشيطان» مجرد صورة شعرية عن الشر أو التمرد، فكان يمكن للفنان أن يختار عشرات الصور الفنية التي لا تضع المقدسات والمفاهيم العقدية في دائرة الاستهلاك الغنائي. وإذا كان المقصود أكثر من ذلك، فالأمر يصبح أخطر بكثير، ولا يجوز الجزم فيه إلا بمعرفة القصد الحقيقي من صاحبه، مع الرجوع إلى أهل العلم المختصين في مسائل العقيدة.
المشكلة الأكبر أن مثل هذه العبارات لا تبقى في الأغنية؛ إنها تنتشر بين الشباب، تتحول إلى مقاطع قصيرة، وتصبح «إفيهات» يرددها البعض دون إدراك لمعانيها. وهنا تتحول مسؤولية الفنان إلى مسؤولية اجتماعية أيضًا.
الفن ليس ممنوعًا من الجرأة، وليس مطلوبًا منه أن يكون خطبًا دينية طوال الوقت، لكن الجرأة شيء، والاستهانة بالمفردات العقدية شيء آخر. تستطيع أن تكون متمردًا دون أن تستدعي الشيطان، وتستطيع أن تنتقد النفاق دون أن تخلط بين الملائكة ومفاهيم النفاق، وتستطيع أن تصنع أغنية قوية دون أن تجعل الصدمة الدينية هي الطريق الأقصر إلى الشهرة.
والأخطر من ذلك أن بعض الجمهور أصبح يتعامل مع كل شيء بمنطق: «دي أغنية وخلاص». لا يا سادة، ليست كل الكلمات «وخلاص». هناك كلمات تبني، وكلمات تهدم، وكلمات تضحك، وكلمات تجرح، وكلمات قد تحمل معاني عقدية خطيرة حتى لو قيلت في سياق فني.
وعمر كمال، كغيره من الفنانين، له حق الإبداع والتعبير، لكن له أيضًا حق أن يُسأل: هل كانت هذه العبارة ضرورية؟ وهل كان يمكن إيصال المعنى نفسه دون الاقتراب من منطقة شديدة الحساسية في عقيدة ملايين المصريين والعرب والمسلمين؟
إن احترام الدين لا يعني قتل الفن، واحترام الفن لا يعني إعفاء الفنان من النقد. بل إن الفنان الحقيقي يجب أن يكون أكبر من أن يحتمي دائمًا بجملة «ده فن»، لأن الفن العظيم لا يحتاج إلى الإساءة للمقدسات كي يثبت قدرته على التأثير.
وفي النهاية، فإن القضية ليست عمر كمال وحده، وليست أغنية واحدة فقط، وإنما قضية أكبر من ذلك: قضية الكلمة حين تتحول من وسيلة للتعبير إلى وسيلة لصناعة الصدمة.
أما التكفير، فله ضوابطه وشروطه وموانعه، وليس لعبة يتداولها الناس على مواقع التواصل. لذلك لا نقول عن عمر كمال إنه كافر بسبب هذه العبارة، ولا نملك أصلًا أن نحكم على قلبه أو نيته. لكننا نقول بوضوح: إن استخدام ألفاظ تتعلق بالشيطان والملائكة والمفاهيم العقدية في سياق غنائي استفزازي أمر يستحق التوقف والمراجعة، وإن كانت العبارة مقصودة على معناها الظاهر أو كان فيها استخفاف متعمد بالدين، فهنا تصبح المسألة بالغة الخطورة، ويجب أن تُعرض على أهل العلم لا على منصات السوشيال ميديا.
الفن يمكن أن يكون جريئًا دون أن يكون مستفزًا للعقيدة، ومختلفًا دون أن يكون متجاوزًا، وصادمًا دون أن يضع المقدسات في مرمى الكلمات.
فالشهرة قد تصنعها جملة واحدة، لكن مسؤولية الكلمة تبقى أطول عمرًا من صاحبها.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف