الابتلاء… المدرسة التي يتخرج منها أهل اليقين

بقلم الشيخ: حسن حفني الباحث والكاتب في التصوف الإسلامي وقضايا الإنسان

كيف يولد اليقين من رحم الابتلاء؟

ألفية التوحيد في علم التصوف الإسلامي
تحقيق لا إله إلا الله علمًا وقولًا وعملًا وحالًا

من مشروع بِنية الإنسان
قراءات في السير إلى الله… بين القبض والبسط

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾

حين يسمع الإنسان كلمة الابتلاء، يتجه ذهنه غالبًا إلى الألم، وكأن الابتلاء لا يحمل إلا معنى الفقد أو المرض أو ضيق الرزق.

غير أن القرآن يفتح لنا بابًا أوسع من ذلك؛ فهو لا يقدم الابتلاء على أنه نهاية مرحلة، بل بداية مرحلة جديدة في بناء الإنسان.

فالابتلاء في ميزان الوحي ليس غايته أن يكشف للعبد ضعفه، وإنما أن يكشف له موضع قوته الحقيقي.

ولهذا جاءت الآية الكريمة بسؤال يهز القلب قبل العقل:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾.
فالفتنة هنا ليست لإعلام الله بحقيقة عباده، فهو سبحانه يعلم السر وأخفى، ولكن ليظهر للإنسان ما كان خافيًا عن نفسه، فقد يظن أنه بلغ من اليقين مبلغًا عظيمًا، حتى إذا تغيرت الظروف، أو تأخر مطلوبه، أو اشتد عليه الطريق، اكتشف أن قلبه لا يزال يحتاج إلى تربية.

ومن هنا كان الابتلاء مدرسة لا عقوبة، وتربية لا انتقامًا.
إنه يخرج من القلب ما كان مستورًا فيه؛ فيظهر الصبر بعد أن كان دعوى، ويظهر التوكل بعد أن كان شعارًا، ويظهر الإخلاص حين تسقط الأسباب التي كان الإنسان يعتمد عليها. فكما لا يُختبر نقاء الذهب إلا بالنار، لا تظهر حقائق القلوب إلا حين تمتحنها الأقدار.

ولهذا لم يكن اليقين هبة تُعطى دفعة واحدة، وإنما ثمرة تنمو مع الأيام.
يبدأ الإنسان مؤمنًا بعلم، ثم يزداد إيمانًا بتجربة، ثم يبلغ مرتبة يطمئن فيها قلبه بما علمه عن ربه، فيصبح يرى في كل قدر رسالة، وفي كل تأخير حكمة، وفي كل منع بابًا قد يفضي إلى عطاء أعظم.

وتأمل سيرة خليل الله إبراهيم عليه السلام. لقد آمن بربه قبل الابتلاء، ولكن الله رباه بالابتلاء حتى صار إمامًا للموحدين.
هاجر، وأُلقي في النار، وأُمر أن يترك زوجه وولده في وادٍ غير ذي زرع، ثم أُمر بذبح ابنه. لم تكن هذه الابتلاءات لزيادة علم الله بإيمانه، وإنما لبناء مقام اليقين الذي استحق به قول الله تعالى:
﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾.

وهنا ندرك أن اليقين لا يولد خارج الطريق، بل يولد في الطريق.
لا يتكون في ساعات الراحة وحدها، بل في اللحظات التي يقف فيها العبد بين ما يرى بعينه، وما يؤمن به في قلبه، فيختار أن يصدق وعد الله، وإن تأخر تحقق الوعد في نظره.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه المؤمن على نفسه ليس:
لماذا ابتلاني الله؟
بل:
أي معنى من معاني الإيمان يريد الله أن يرسخه في قلبي بهذا الابتلاء؟

إذا استقر في قلب المؤمن أن الابتلاء طريقٌ إلى اليقين، تغيَّرت نظرته إلى الحياة كلها. فلم يعد يقيس الأيام بسهولة العيش أو شدته، وإنما بما أحدثته في قلبه من قربٍ إلى الله. فربَّ يومٍ ضاقت فيه الدنيا، واتسعت فيه الروح، وربَّ يومٍ كثرت فيه النعم، وغفل فيه القلب عن المنعم.

واليقين ليس أن يعرف الإنسان أن الله قادر، فهذه حقيقة يقر بها كثير من الناس، وإنما اليقين أن يطمئن القلب إلى تدبير الله، فلا يضطرب عند تأخر الفرج، ولا يسيء الظن إذا اشتد البلاء، ولا يظن أن رحمة الله غابت عنه إذا أُغلقت في وجهه بعض الأبواب.
ومن هنا قال تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْـًٔا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْـًٔا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

ولذلك كان رسول الله ﷺ إذا نزلت به الشدائد، لم يكن يلتفت إلى الشدة نفسها، وإنما كان قلبه متعلقًا بربه.
وقد لخَّص هذه الحقيقة في قوله:
«عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ».
فالمؤمن لا يبحث عن الخير في صورة الحدث، وإنما في الثمرة التي يخرج بها من الحدث.

وهذا ما أدركه أهل التربية؛ فكانوا يرون أن الابتلاء إذا قرَّب العبد من ربه فهو نعمة في صورة محنة، وأن الرخاء إذا أورث الغفلة فهو محنة في صورة نعمة. وليس المقصود أن يطلب الإنسان البلاء أو يتمنى المشقة، فالإسلام أمرنا أن نسأل الله العافية، ولكن إذا وقع البلاء تلقاه بقلبٍ يعلم أن الله لا يربي عباده إلا بما يصلحهم، ولا يقدر عليهم إلا ما يدخل في دائرة حكمته ورحمته.

إن أخطر ما يسرقه الابتلاء من الإنسان ليس صحته ولا ماله، وإنما ثقته بالله.
فإذا بقيت هذه الثقة حيَّة في القلب، فقد بقي الأصل الذي تُبنى عليه كل منازل الإيمان. أما إذا تسلل اليأس وسوء الظن، فقد خسر الإنسان أعظم ما يملك.

ولهذا فإن اليقين لا يعني أن تختفي الأسئلة من حياتك، بل أن يبقى قلبك مطمئنًا إلى الله وأنت تنتظر الجواب.
ولا يعني أن ترى الطريق كله، بل أن تخطو الخطوة التالية وأنت واثق بمن يقودك.

فكم من ابتلاءٍ ظنه صاحبه نهاية الطريق، ثم اكتشف بعد سنوات أنه كان بداية ميلادٍ جديد، وأن الله كان يصنع له من خلال الألم قلبًا أكثر معرفة، ونفسًا أكثر صدقًا، وروحًا أكثر قربًا.

وهكذا يولد اليقين؛ لا بعيدًا عن الابتلاء، بل من داخله، حين ينتقل القلب من سؤال:
“متى ينتهي هذا البلاء؟”
إلى سؤال أعظم: “ماذا يريد الله أن يبني فيَّ بهذا البلاء؟”.
وعندها يصبح الابتلاء بابًا من أبواب المعرفة بالله، لا مجرد مرحلة ثقيلة يريد الإنسان أن يعبرها بأقل خسارة.