مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بين الدليل الشرعي ومظاهر المحبة والتعظيم

بقلم الشيخ : عمر عبداللاه 
خطيب بوزارة الأوقاف

مقدمة
الحمد لله رب العالمين، الذي أرسل إلينا خير خلقه، وخاتم أنبيائه ورسله، سيدنا محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وجعله رحمة للعالمين، ونورًا للسالكين، وهداية للخلق أجمعين.

أما بعد؛ فإن الحديث عن المولد النبوي الشريف ليس حديثًا عن مناسبة تاريخية مجردة، ولا عن يوم من أيام التاريخ الإسلامي فحسب، وإنما هو حديث عن أعظم نعمة امتن الله بها على هذه الأمة؛ نعمة بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، ومن الضلال إلى الهدى.

ومن هنا كان فرح المسلمين بمولد النبي صلى الله عليه وسلم تعبيرًا عن محبته، وشكرًا لله تعالى على نعمة وجوده وبعثته، وتذكيرًا للأجيال بسيرته وشمائله وأخلاقه ورسالته.

وقد وقع خلاف بين العلماء في صورة الاحتفال بالمولد وحكم تخصيصه بهذه المناسبة، فمن العلماء من استحسنه إذا اشتمل على الطاعات والقربات وخلا من المحرمات، ومنهم من منعه باعتبار أنه لم يكن معروفًا بهذه الصورة في القرون الأولى. والمقصود هنا بيان وجه القول بمشروعيته، وأدلته، وضوابطه، مع احترام المخالف وعدم تحويل المسألة إلى سبب للتباغض والتنازع.

أولًا: محبة النبي صلى الله عليه وسلم أصل من أصول الإيمان :
قبل الكلام عن الاحتفال بالمولد، ينبغي أن نتفق على أصل لا خلاف فيه، وهو أن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست أمرًا زائدًا عن الدين، وإنما هي من مقتضيات الإيمان.

قال الله تعالى:
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: 24].

وثبت في الصحيح عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين».

فإذا كانت محبة النبي صلى الله عليه وسلم من الإيمان، فإن إظهار هذه المحبة بالوسائل المشروعة أمر له أصل في الشرع.

والسؤال هنا ليس: هل نحب النبي صلى الله عليه وسلم؟
فالجواب معلوم.

وإنما السؤال: هل يجوز للمسلمين أن يجتمعوا في يوم يتذكرون فيه مولده، ويقرؤون سيرته، ويصلون عليه، وينشدون المدائح المشروعة، ويطعمون الطعام، ويذكرون الله تعالى؟وهنا تأتي الأدلة والقواعد الشرعية.

ثانيًا: القرآن الكريم يأمر بالفرح بفضل الله ورحمته
قال الله سبحانه وتعالى:﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58].

وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن من أعظم فضل الله ورحمته على العالمين بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، وكانت بعثته من أعظم نعم الله على البشر، فإن الفرح بهذه النعمة داخل في أصل مشروعية الفرح بفضل الله ورحمته.

ولا يعني ذلك أن الآية نصت صراحة على الاحتفال بالمولد بصورته المعروفة اليوم؛ وإنما وجه الاستدلال أن الآية قررت مشروعية الفرح بفضل الله ورحمته، وأن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم صور الرحمة الإلهية.

وهذا النوع من الاستدلال هو الذي اعتمد عليه عدد من العلماء في تقرير مشروعية المولد.

وقد ذكرت دار الإفتاء المصرية هذا الوجه من الاستدلال ضمن أدلتها على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي.

ثالثًا: النبي صلى الله عليه وسلم ربط يوم الاثنين بمولده:
ومن أقوى الأدلة التي يستأنس بها في هذه المسألة ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن صوم يوم الاثنين فقال:«ذاك يوم وُلدت فيه، ويوم بُعثت أو أُنزل عليَّ فيه».

وهذا الحديث مهم جدًا في قضية المولد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتجاهل مناسبة مولده، بل ذكرها بنفسه عندما سئل عن صيام يوم الاثنين.

فقد جمع صلى الله عليه وسلم بين الحدث وهو مولده، وبين العبادة وهي الصيام.

ومن هنا قال العلماء الذين استحبوا المولد: إن أصل إظهار الشكر لله تعالى على نعمة مولد النبي صلى الله عليه وسلم له أصل في السنة، وإن كانت صورة الشكر في الحديث هي الصيام، بينما يمكن أن يكون الشكر في صور أخرى من الطاعات المشروعة؛ كقراءة القرآن، والصدقة، وإطعام الطعام، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وتعليم سيرته.

وهنا ينبغي التنبه إلى قاعدة مهمة:
ليس المقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام احتفالًا سنويًا بالمولد بالصورة المعروفة اليوم، وإنما المقصود أن تخصيص يوم مولده بعبادة شكرًا لله له أصل ثابت في السنة.

وقد استندت دار الإفتاء المصرية إلى هذا الحديث في تقرير مشروعية الاحتفال بالمولد.

رابعًا: هل عدم فعل الصحابة للاحتفال بالمولد يمنع مشروعيته؟
هذا هو أهم الاعتراضات التي يوردها المانعون.
فيقال: لو كان الاحتفال بالمولد مشروعًا لفعله النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

والجواب أن هذه المسألة تحتاج إلى التفريق بين أمرين:
الأول: عبادة معينة محددة الكيفية والزمان والعدد، فهذه تحتاج إلى دليل خاص.
والثاني: اجتماع على أعمال مشروعة أصلًا، مثل قراءة القرآن، والذكر، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وإطعام الطعام، وتعليم السيرة، ثم اختيار وقت معين للاجتماع عليها.

فالذين استحبوا المولد لا يقولون إن قراءة القرآن أصبحت عبادة جديدة بسبب المولد، ولا إن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أصبحت مشروعة بسبب المولد، ولا إن إطعام الطعام صار عبادة لم تكن مشروعة من قبل.

بل هذه كلها أعمال مشروعة بأدلة مستقلة، وإنما وقع الاجتماع عليها في مناسبة يتذكر فيها المسلمون مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن هنا يدخل الأمر في باب الوسائل والعادات والاجتماعات على الطاعات، لا في باب اختراع عبادة مستقلة بلا أصل.

خامسًا: حديث «من سن في الإسلام سنة حسنة»
ومن الأحاديث التي يستدل بها بعض العلماء في هذا الباب حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده…»

والمراد بالسنة الحسنة عند العلماء ليس اختراع عبادة لا أصل لها في الشرع، وإنما إحياء طريق مشروع أو فتح باب من أبواب الخير له أصل في الدين.

وعلى هذا يمكن أن يقال: إن الاجتماع على قراءة السيرة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والصدقة وإطعام الطعام ومدحه بالمدائح المنضبطة شرعًا كلها أعمال لها أصول شرعية، فإذا اجتمع المسلمون عليها لتذكير الناس بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيم قدره ومحبة شخصه الكريم، فلا يلزم من عدم اجتماع الصحابة عليها بهذه الصورة أن تكون الصورة اللاحقة محرمة.

سادسًا: قاعدة مهمة: البدعة ليست في كل جديد :
من أكثر أسباب الخلاف في قضية المولد استعمال كلمة «البدعة» دون التفريق بين أنواعها فالجديد في حياة المسلمين ليس كله حرامًا.

وقد قرر العلماء تقسيم المحدثات باعتبارات مختلفة، ومن أشهر من تكلم في ذلك الإمام العز بن عبد السلام، الذي اشتهر عنه تقسيم البدع إلى الأحكام الخمسة بحسب ما تؤول إليه من موافقة قواعد الشرع أو مخالفتها.

وعليه، فليس كل شيء لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم يكون حرامًا بمجرد كونه جديدًا في صورته.

فلم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم جمع القرآن في مصحف واحد، ثم جمعه الصحابة.

ولم تكن الكتب الحديثية بهذا الشكل المعروف في عصر النبوة.

ولم تكن المدارس والمعاهد والجامعات والمنابر الحديثة ومكبرات الصوت وغير ذلك موجودة بهذه الصورة.

والعبرة في كل ذلك ليست بمجرد حداثة الصورة، وإنما بموافقتها أو مخالفتها لأصول الشريعةوهذا هو محل النظر في المولد.

سابعًا: شهادة العلماء الذين صنفوا في المولد
لم تكن مشروعية المولد رأيًا حديثًا ظهر في عصرنا، بل صنف فيه عدد من العلماء المتقدمين والمتأخرين.

ومن أشهر من ألف في ذلك:
الإمام جلال الدين السيوطي، في رسالته «حسن المقصد في عمل المولد».
الحافظ ابن حجر العسقلاني، ونقل عنه استحسان أصل عمل المولد إذا اشتمل على وجوه الخير واجتنب المحرمات.

ابن دحية الأندلسي، الذي صنف كتابًا في المولد.
الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي.

وغيرهم من العلماء الذين تناولوا المسألة بالتأليف والبحث.
وقد ذكرت دار الإفتاء المصرية عددًا من هذه المؤلفات والعلماء في فتواها المتعلقة بالمولد.

وهذا يدل على أن المسألة ليست وليدة العصر الحديث، وإنما هي مسألة فقهية بحثها علماء معتبرون منذ قرون.

ثامنًا: الإمام السيوطي وحسن المقصد في عمل المولد
ومن أشهر الكتب التي تناولت المسألة رسالة الإمام السيوطي «حسن المقصد في عمل المولد».

وفكرة السيوطي الأساسية أن أصل الاجتماع للمولد يمكن أن يكون من الأعمال المستحسنة إذا اشتمل على وجوه الخير، مثل قراءة القرآن، وإطعام الطعام، والصدقة، والمدائح النبوية، وغيرها من القربات.

وهنا تظهر أهمية فهم كلام العلماء في سياقه؛ فالعلماء الذين استحبوا المولد لم يفتحوا الباب لكل ما يسمى احتفالًا بالمولد، وإنما جعلوا الاستحباب مرتبطًا بما يقع فيه من أعمال مشروعة.

فإن اشتمل الاحتفال على محرم، كان ذلك المحرم ممنوعًا، ولا يصح أن ينسب منعه إلى أصل محبة النبي صلى الله عليه وسلم.

تاسعًا: المولد مناسبة لتعليم السيرة النبوية
من أعظم المقاصد التي يمكن أن تتحقق من المولد النبوي أن يتحول من مجرد مناسبة اجتماعية إلى مدرسة سنوية للسيرة النبوية.

فكم من مسلم يعرف اسم النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه لا يعرف تفاصيل حياته؟

وكم من شاب يحفظ أسماء بعض الشخصيات المعاصرة، ولا يعرف شيئًا كافيًا عن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

وكم من طفل يحتاج إلى أن يسمع عن رحمته صلى الله عليه وسلم بالأطفال، وعدله، وتواضعه، وصبره، وعفوه، وشجاعته، وحسن معاملته لأهله وأصحابه وجيرانه؟

إن اجتماع الناس في هذه المناسبة يمكن أن يكون فرصة عظيمة لتصحيح الصورة الذهنية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وربط الأجيال بسيرتهوهذا من أعظم صور الاحتفال التي ينبغي أن نحرص عليها.

عاشرًا: المولد ليس مجرد أناشيد وحلوى
إذا أردنا أن يكون الاحتفال بالمولد ذا قيمة حقيقية، فلا ينبغي أن يتحول إلى مظاهر شكلية فقط.

فليست القضية في الحلوى وحدها، ولا في الزينة وحدها، ولا في الاجتماع الاجتماعي وحده.

إنما المقصود أن يكون يوم المولد فرصة لـ:
قراءة القرآن.
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
دراسة سيرته وشمائله.
إطعام الطعام.
الصدقة على الفقراء.
صلة الأرحام.
تعليم الأطفال محبة النبي صلى الله عليه وسلم.
التوبة من المعاصي.
تجديد العهد باتباع سنته.

وعندما يتحول المولد إلى هذه المعاني، يصبح مناسبة تربوية وإيمانية عظيمة.
وقد أكدت دار الإفتاء المصرية في فتوى حديثة أن الاحتفال بالمولد بصنوف الطاعات، مثل قراءة القرآن ودراسة السيرة والمدائح وإطعام الطعام، من الأمور المندوبة شرعًا إذا خلت من المخالفات.

الحادي عشر: ضوابط الاحتفال بالمولد النبوي
القول بمشروعية المولد لا يعني إباحة كل ما قد يقع في بعض الاحتفالات.
بل ينبغي أن يكون الاحتفال منضبطًا بالشرع.

ومن أهم الضوابط:
1. ألا يشتمل الاحتفال على محرم
فالمحرم لا يصبح مباحًا لمجرد أن المناسبة هي المولد النبوي.
2. ألا ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يثبت عنه
فمحبة النبي صلى الله عليه وسلم تقتضي الصدق عليه، لا اختلاق الروايات.
3. ألا يتضمن غلوًا ينافي التوحيد
فالنبي صلى الله عليه وسلم عبد الله ورسوله، رفعه الله بالرسالة والنبوة، ولا يجوز أن يُصرف له شيء من خصائص الألوهية.
4. ألا يتحول الاحتفال إلى مجرد عادة فارغة
بل الأولى أن يكون مرتبطًا بالتعلم والذكر والصدقة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
5. ألا يكون سببًا للشقاق بين المسلمين

فالمسألة من مسائل الخلاف الفقهي التي ينبغي أن تعالج بالعلم والأدب، لا بالتكفير والتبديع والتفسيق والتخاصم.

الثاني عشر: بين المحبة والاتباع
ومن المهم أن ندرك أن أعظم احتفال بالنبي صلى الله عليه وسلم ليس ليلة واحدة في العام، وإنما أن يكون المسلم محبًا له متبعًا لسنته طوال العام.
قال الله تعالى:

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].
فالمولد ينبغي أن يكون نقطة انطلاق، لا نهاية المطاف.

إذا خرج المسلم من مجلس المولد وقد ازداد حبًا للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم صلى الفجر، وحفظ لسانه، وأحسن إلى جاره، وبر والديه، وأدى الأمانة، وترك الظلم، وأكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد تحولت المناسبة إلى أثر حقيقي في حياته.

أما أن يحتفل الإنسان بالمولد ثم يعود إلى المعاصي والظلم وسوء الأخلاق، فقد ضاعت الحكمة الكبرى من تذكر السيرة النبوية.

الثالث عشر: هل المولد عيد شرعي؟
وهذه مسألة أخرى ينبغي التفريق فيها.
فالأعياد الشرعية المعروفة في الإسلام لها أحكامها الخاصة، كعيد الفطر وعيد الأضحى.

أما تسمية يوم المولد «عيدًا» بالمعنى اللغوي، باعتباره يومًا يتكرر ويجتمع الناس فيه على الفرح، فهي مسألة اصطلاحية تكلم فيها العلماء.

والأهم من الاسم هو حقيقة العمل الذي يقع في هذا اليوم.

وقد أجازت دار الإفتاء المصرية إطلاق «عيد المولد النبوي» من الناحية الشرعية، واعتبرت مظاهر الفرح والاجتماع وإطعام الطعام والتزاور في هذه المناسبة من الأمور المشروعة عند من يقول بهذا الاتجاه.

لكن من الأفضل في الكتابة العلمية أن نفرق بين العيد الشرعي ذي الأحكام الخاصة وبين المناسبة السنوية التي يجتمع فيها المسلمون على إظهار الفرح بالمولد النبوي.

الرابع عشر: الرد على القول بأن المولد لم يكن موجودًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

هذا الاعتراض يحتاج إلى قدر من التفصيل.
نعم، لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام احتفالًا سنويًا بالمولد بالصورة التي نعرفها اليوم.

وهذا أمر لا ينبغي إنكاره.
كما أن الصحابة رضي الله عنهم لم ينقل عنهم أنهم أقاموا احتفالًا سنويًا بهذه الصورة.

لكن السؤال الفقهي بعد ذلك:
هل كل صورة لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة تكون محرمة؟
الجواب عند كثير من الأصوليين: ليس بالضرورة.

فإن كانت الصورة الجديدة مشتملة على أعمال مشروعة، ولم تتضمن اعتقادًا فاسدًا أو عبادة مخترعة على وجه يخالف الشرع، فإن النظر يكون إلى مضمونها ومقاصدها.

ولهذا قال القائلون بمشروعية المولد: إن الاجتماع لقراءة القرآن والسيرة والذكر والصلاة على النبي وإطعام الطعام لا يخرج عن دائرة الأعمال المشروعة.

أما من رأى أن تخصيص هذا الاجتماع بيوم معين يجعله عبادة مستقلة تحتاج إلى دليل خاص، فقد منع ذلك.

ومن هنا يتبين أن محل الخلاف الحقيقي أصولي وفقهي، وليس خلافًا في محبة النبي صلى الله عليه وسلم.

الخامس عشر: لماذا يحتفل المسلمون بمولد النبي ولا يحتفلون بميلاد سائر الناس؟

لأن النبي صلى الله عليه وسلم ليس كشخص عادي في حياة الأمة.
قال الله تعالى:﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.

وميلاده كان مقدمة لبعثة أعظم رسول، وظهور أعظم رسالة، ونزول أعظم كتاب.
فليس الاحتفاء بالمولد احتفاءً بمجرد الولادة البشرية، وإنما هو احتفاء بالنعمة التي ترتبت على ميلاده وبعثته.

ومن هنا قال العلماء إن الفرح بمولده صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يكون فرحًا بالله تعالى وبنعمته وبإرسال رسوله.

السادس عشر: المولد بين التاريخ والعبادة
ومن الإنصاف العلمي أن نقول إن الاحتفال بالمولد بصورته الجماعية المعروفة ليس من العبادات التي نقل لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامها بهذه الصورة.

وإنما القائلون بمشروعيته ينظرون إليه باعتباره اجتماعًا على أعمال مشروعة، وقصدًا صالحًا لإظهار المحبة والشكر والتذكير بالسيرة.

وهذا التفريق مهم جدًا؛ لأنه يزيل كثيرًا من الالتباس.
فلا نقول:
«النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نقيم حفلة المولد بهذه الصورة».
فهذا يحتاج إلى نص ولا يصح إطلاقه.
وإنما نقول:
«إن الاجتماع على الطاعات وإظهار الفرح بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليم سيرته يمكن أن يكون من الأعمال المستحسنة إذا خلا من المحرمات، وقد قال بذلك جماعة من أهل العلم».وهذه صياغة أكثر دقة وأقرب إلى المنهج العلمي.

السابع عشر: موقف دار الإفتاء المصرية
استقرت فتاوى دار الإفتاء المصرية على القول بمشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، واعتباره من مظاهر المحبة والتعظيم والفرح بالنبي صلى الله عليه وسلم.

وفي فتوى منشورة لها، قررت أن الاحتفال بالمولد مشروع بالكتاب والسنة، واستعرضت عددًا من الأدلة وأقوال العلماء والمؤلفات التي تناولت استحبابه.
كما أكدت في فتوى حديثة منشورة سنة 2025 أن الاحتفال بالمولد بصنوف الطاعات والعبادات، كقراءة القرآن ودراسة السيرة والمدح والصلاة على النبي وإطعام الطعام، أمر مندوب شرعًا إذا كان منضبطًا بالشرع.

وهذا يبين أن القول بمشروعية المولد له حضور معتبر في الفقه الإسلامي، وليس مجرد عادة شعبية لا تستند إلى كلام العلماء.

الخاتمة
إن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، عند من قال بمشروعيته، ليس المقصود منه إنشاء عبادة جديدة لم يعرفها المسلمون، وإنما هو اجتماع على معاني شرعية ثابتة: محبة النبي صلى الله عليه وسلم، والصلاة عليه، وقراءة سيرته، وشكر الله تعالى على نعمة بعثته، وإطعام الطعام، والصدقة، وتعليم الناس هديه وأخلاقه.

والذي ينبغي أن يكون محل اتفاق بين المسلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحق منا أعظم المحبة والتوقير، وأن سيرته ينبغي أن تكون حاضرة في حياتنا طوال العام.

فإن اجتمع المسلمون في المولد على القرآن والذكر والسيرة والصلاة على النبي والصدقة وإطعام الطعام، وكان ذلك كله منضبطًا بأحكام الشريعة، فقد اجتمعوا على أبواب متعددة من الخير.

وفي الوقت نفسه، فإن الإنصاف العلمي يقتضي الاعتراف بأن تخصيص المولد باجتماع سنوي بهذه الصورة محل خلاف بين العلماء، وأن من العلماء من منعه، فلا ينبغي أن تتحول المسألة إلى سبب للطعن في نيات المسلمين أو اتهامهم في دينهم.

والأولى أن تكون ذكرى المولد بابًا إلى مزيد من المحبة والاتباع.
فليس أعظم ما نقدمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن نختلف باسمه، وإنما أعظم ما نقدمه له أن نحيا بسنته، ونقتدي بأخلاقه، ونرحم الخلق كما رحمهم، ونصدق كما صدق، ونعدل كما عدل، ونوفي كما وفى.

إن المولد الحقيقي للنبي صلى الله عليه وسلم في قلوبنا هو أن يولد فينا خلق محمدي جديد: صدقًا ورحمة، وأمانةً وعفوًا، وحبًا لله ورسوله، واتباعًا لهديه.
فصلوات الله وسلامه على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، وكل من اتبع هداه إلى يوم الدين.

والله تعالى أعلم.