
بقلم د. تاليا عراوي كاتبة وأخصائية في الأخلاقيات
وعضو المجلس العالمي للأخلاقيات الطبية الإسلامية
وناشطة في مجال حقوق الإنسان
نقف اليوم أمام تحول تقني يعيد تعريف حدود الإمكان؛ إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لمحاكاة الفكر، بل ارتقى ليمارس هندسة وتطوير كيانات فيروسية وظيفية مستندة إلى قواعد بيانات حيوية. وبينما يترقب العالم هذا الإنجاز باعتباره بارقة أمل لاجتثاث الجراثيم الخارقة المقاومة للأدوية، تلوح في الأفق احتمالات مقلقة لنشوء أوبئة قابلة للبرمجة. ولطالما أثبت السجل البشري، للأسف، أن أعظم الاكتشافات غداة ميلادها عرضة لسوء الاستخدام؛ كتسخير الكيمياء لإنتاج الغازات السامة، أو شحن فيزياء الذرة بأوزار الدمار الشامل.
من هنا، تعود إلى الواجهة قصة ‘ فرانكشتاين ‘ الشهيرة للكاتبة ماري شيلي؛ تلك الرواية التي تدور أحداثها حول عَالِم يجمع جثث الموتى ويوصل أجزاءها ببعضها لبث الحياة في كائن ضخم وهجين يفلت في النهاية عن السيطرة، لتتحول الرواية من مجرد خيال أدبي إلى استعارة حية للغطرسة العلمية. وفي هذا السياق، يعبر ذلك السيناريو صفحات القرن التاسع عشر ليقيم في البنية السيليكونية للمختبرات المعاصرة، مطمساً المسافة الفاصلة بين المتخيل والواقع. وكما أقر الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم بأن كل ما يمكننا تصوره يدخل في دائرة الممكنات العقلية؛ فها هو الخيال البشري، الذي طالما استلهم عبر التاريخ مخلوقات تدمج أجزاء كائن بآخر (كوَحش أسطوري برأس أسد وجسد ماعز وذيل تنين)، أو استبق عصره بتخيل النسخ الحيوي والتجميد العميق، يتحول اليوم إلى حقيقة مخبرية ملموسة.
وعلى الرغم من أن هذه التقنية المستحدثة في تصميم الفيروسات عبر الذكاء الاصطناعي تُطرح بوصفها درعاً واقياً في وجه زحف الجراثيم المقاومة للأدوية، إلا أنها تقرع في الوقت ذاته أجراس إنذار وجودية؛ إذ تتكشف عن مأزق أخلاقي وعملي يتمثل في ‘ثنائية الاستخدام’ التي تتماهى فيها المقاصد العلاجية المدنية مع الهواجس العسكرية، ليتربع علم الفيروسات التوليدي في منطقة رمادية تتحالف فيها التقنية المتقدمة مع سطوة الدولة.
تستند مبررات هذا التوجه العلمي إلى تراجع فاعلية المضادات الحيوية التقليدية مع تطور البكتيريا واكتسابها للمقاومة، مما يهدد بعودة الالتهابات والجرعات الطبية الروتينية لتصبح مميتة. وفي محاولة للتعامل مع هذا المأزق، يتجه الباحثون نحو ‘العاثيات’ (أو ما يُعرف بالبكتيريوفاج)، وهي فيروسات طبيعية متخصصة في مهاجمة البكتيريا الضارة وتدميرها دون الإضرار بالإنسان. ونظراً لأن عملية عزل هذه العاثيات الطبيعية واستخدامها تعد بطيئة وتواجه غالباً بتطور بكتيري مضاد يتغلب عليها، فقد لجأ الباحثون في جامعة ستانفورد إلى تقنية متطورة تُعرف بـ ‘نماذج لغة الجينوم’—وهي النظير الجيني المخصص لقراءة لغة الحمض النووي بدلاً من اللغات البشرية، تشبهاً بنماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة مثل شات جي بي تي. ومن خلال التدريب المكثف على البيانات الجينية لملايين الفيروسات والعاثيات، كُلفت نماذج متقدمة مثل ‘إيفو 1′ و’إيفو 2’ بتوليد وتصميم آلاف الجينومات الفيروسية المستحدثة من الصفر، لتسريع وتيرة المواجهة ضد الجراثيم المستعصية.
لقد انكبَّ العديد من المفكرين على دراسة ظاهرة الذكاء الاصطناعي وما يكتنفها من قوى متنامية، محذرين من تبعات التهاون في إخضاع هذه التقنية للضوابط البشرية. ويبرز في هذا السياق الفيلسوف وأستاذ جامعة أكسفورد نيك بوستروم ، مؤلف كتاب الذكاء الفائق: مسارات، مخاطر، استراتيجيات، باعتباره الصوت الأكاديمي الأبرز في هذا المجال. يجادل بوستروم بأنه بمجرد وصول الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة «التحسين الذاتي المتكرر» وتجاوزه للقدرات الإدراكية البشرية، سيصبح من الصعب للغاية، إن لم يكن من المستحيل منطقياً، السيطرة عليه. كما يسلط الضوء على «مشكلة المحاذاة» (Alignment Problem) ومفهوم «التقارب الأداتي»، موضحاً أن أي وكيل ذكي فائق قد يتجاوز القيود البشرية المفروضة عليه سعياً لتحقيق أهدافه المبرمجة.
ولا تقتصر هذه التحذيرات على الآفاق المستقبلية للذكاء الفائق، بل تمتد لتشمل نقداً جذرياً لطبيعة الآلة ذاتها؛ إذ تذكرنا طروحات مثل تلك التي قدمها هوبرت دريفوس في كتابه ما لا تستطيع الحواسيب فعله بوجود فجوة جوهرية بين الذكاء البشري القائم على الحدس والتجسيد، وبين الذكاء الحاسوبي القائم على المعالجة الصورية. إن هذا التباين بين الرؤيتين – بوستروم الذي يخشى من تفوق الآلة، ودريفوس الذي يشكك في جوهرها المعرفي – يضعنا أمام مفارقة وجودية: فبينما يرى البعض في الذكاء الاصطناعي كياناً مستقلاً في طريقه للتمرد، يرى آخرون أن أزمة الإنسان الحقيقية تكمن في وهْمِنا بأن الآلة قادرة على محاكاة عقله، مما يدفعنا إلى المضي قدماً في تقنيات قد لا ندرك أبعادها، مؤكدين بذلك صواب تساؤلاتنا حول ماهية العقلانية في عصر الانتحار التقني.
لقد ملأ الذكاء الاصطناعي الفراغات التطورية التي لم تستكشفها الطبيعة من قبل، ليُخرج آلاف التصاميم النظرية. ومن بين هذه التصاميم، اختار الباحثون ما يقرب من ثلاثمائة لتصنيعها في المختبر. وكانت العملية شاقة وغير فعالة، إذ لم تسفر سوى عن ستة عشر عاثياً قابلاً للحياة. ومع ذلك، عندما دُمجت هذه الفيروسات الستة عشر المصممة بالذكاء الاصطناعي في كوكتيل علاجي، نجحت في القضاء بسرعة وفاعلية على سلالات بكتيريا الإشريكية القولونية (E. coli) التي طورت مقاومة كاملة للعلاجات الطبيعية. ويمثل هذا إنجازاً غير مسبوق في كونه المرة الأولى التي ينجح فيها الذكاء الاصطناعي في تصميم بيولوجيا وظيفية بكامل مقياس الجينومات بدلاً من الاكتفاء بتعديل بروتينات فردية.
وتتضاعف هذه المخاطر الوجودية بشكل غير مسبوق مع التوجه المتسارع نحو إطلاق نماذج الذكاء الاصطناعي ذات الأوزان المفتوحة . (Open-weight models) فبينما تحرص الشركات الكبرى على إبقاء النماذج البيولوجية شديدة الخطورة محصورة خلف جدران رقمية مغلقة ومحمية بحواجز الحماية الحيوية التي تمنع إسقاطاتها التدميرية، فإن إتاحة هذه النم اذج وتوزيعها للعامة بلا قيود تَعني انهيار خط الدفاع التقني الأول. وحين يُمنح أي طرف، دون تدقيق أو رقابة، القدرة على استنساخ وتوليد جينومات فيروسية كاملة باستخدام حواسيب شخصية أو مختبرات منزلية، فإننا لا نواجه فقط خطر الاحتكار السيادي أو الرأسمالي، بل نشهد ديموقراطية للانتحار الشامل؛ إذ تتحول أخطر أسلحة الدمار البيولوجي إلى أدوات متاحة في متناول العابثين، مما يجعل غياب الحوكمة الدولية الصارمة لهذه النماذج جريمةً بحق مستقبل النوع البشري بأسره.
العقلانية التقنية ومخاطر الارتداد البيولوجي:
ومع هذا التحول، يحمل هذا الانتصار الطبي في طياته ظلالاً مقلقة تعيد طرح المعضلة الكبرى: هل الغاية حقاً تبرر الوسيلة؟ فالطبيعة ذاتها مصنع دائم للميكروبات القاتلة عبر الطفرات العشوائية، وإن كان وصف الامتناع عن التدخل البشري بالاستسلام للقدر يغفل المنظور الإيماني الذي يرى في نوائب الطبيعة خضوعاً لحكمة الخالق التي لا يلغيها التدخل البشري. لكن حتى بغض النظر عن ذلك، فإننا نشهد تحولاً مقلقاً لا يتمثل في كون الذكاء الاصطناعي أصبح واعياً بذاته، بل في ميله المتزايد نحو الاستقلالية التشغيلية واكتسابه قدرة متصاعدة على اتخاذ قرارات تقنية معقدة تتجاوز التوقعات البشرية. هذه الاستقلالية المفتعلة تُسخَّر اليوم لخدمة مصالح رأسمالية ضيقة؛ إذ تستثمر الشركات الكبرى مليارات الدولارات وطاقات بشرية هائلة -حيث يحفر البشر بأيديهم قبورهم- في سباق محموم نحو ابتكارات بيولوجية.
هذا التناقض الصارخ بين الإنفاق الأسطوري على رفاهية التكنولوجيا المعقدة والإهمال المتعمد لمآسي البشرية، يدفع المرء إلى إعادة التفكير بعمق في مقولة أرسطو الشهيرة بأن الإنسان حيوان عاقل. فأي عقلانية هذه التي تدفع الإنسان بخطى ثابتة ومدروسة نحو حتفه وفنائه الذاتي؟ أهي عقلانية تقنية مجردة سلخت الأخلاق عن العلم، أم هو انحراف بآلية التفكير البشرية لتحتفي بأدوات انتحارها؟
وبينما تُهدر المليارات في هذا السباق الذي تُمحى فيه الحدود بين الصانع والمصنوع، تظل أمراض فتاكة كحمى الضنك والإيبولا والكوليرا تحصد أرواح الفقراء. بل تدفع بجياع الأرض في هايتي إلى اقتيات الطين للبقاء.
من هنا، يضعنا هذا المخاض أمام سؤال وجودي مرير: أتعيد البشرية إنتاج التاريخ وعذاباته عن سبق إصرار وترصد؟ ومتى تتوقف عن منح الخوارزميات مفاتيح الحياة والموت، بينما تُترك الأساسيات الإنسانية فريسة للنسيان؟
ولا تتوقف المخاطر عند حد سوء الاستخدام البشري، بل تمتد إلى كارثة بيولوجية لا يمكن التنبؤ بها؛ إذ إن الفيروسات المستحدثة لا تلتزم بحدود المختبر، بل تخضع لقوانين التطور الطبيعي بمجرد إطلاقها. إننا نواجه خطر فقدان السيطرة الكاملة على هذه الكائنات المصممة، حيث يمكن أن تتحور وتتطور بطرق غير متوقعة، مسببة أمراضاً جديدة تتطلب بدورها جولات أخرى من التوليد التقني اللانهائي، مما يوقعنا في “حلقة مفرغة” من الطوارئ البيولوجية التي لا تنتهي. إن هذا الانفلات التطوري ، الذي يجعل من الفيروسات المستحدثة كائنات حية تتفاعل مع البيئة وتتغير استجابةً لها، يحول التكنولوجيا من أداة للحل إلى مصدر دائم لتهديد متجدد يفوق قدرة البشر على الاحتواء.
وإلى جانب هذا الانفلات الطبيعي، تتجاوز هندسة الجينومات حدود الجائحة العرضية لتلتحم بالبنى السياسية والسيادية إذ تفتح هذه التقنية الباب أمام الاحتمال البائس للاستغلال النيكروبوليتيكي. فلسفياً وسياسياً، يتقاطع تطبيق الذكاء الاصطناعي التوليدي مع مفهوم “النيكروبوليتيكا” الذي وضعه المفكر الكاميروني أشيل مبيمبي، وهو استخدام القوة الاجتماعية والسياسية والتكنولوجية لإملاء من يحق له أن يعيش ومن يجب أن يموت. وعندما تُستخدَم الأدوات الحاسوبية لتصميم متغيرات فيروسية تتهرب من المناعة، تكف التكنولوجيا عن كونها مجرد أداة طبية لتصبح أداة للسيطرة السيادية، والإقصاء الانتقائي، والاستنزاف المبرر بقرارات الدولة. وفي أيدي الأنظمة القمعية أو الأجهزة العسكرية، يواجه تصميم مسببات الأمراض المدفوع بالذكاء الاصطناعي خطر توظيفه لا للرعاية الصحية، بل كسلاح صمت يُهندس لإدارة التجمعات أو استهداف الفئات الضعيفة.
ويحذر النقاد وخبراء الأمن الحيوي، كعالم الأحياء كيفن إيسفلت ومحللي جامعة جونز هوبكنز، من أن الحوكمة المطلوبة لتوجيه هذه التكنولوجيا بأمان غير موجودة على الإطلاق. فإذا أُطلقت نماذج الذكاء الاصطناعي اللاحقة كنظم مفتوحة الأوزان، فإن الحاجز أمام خلق تهديدات جائحة مصممة هندسياً سينهار تماماً. تفرض هذه الواقعية على المجتمع العلمي حسابات مزعجة للغاية؛ فبينما يرى المؤيدون أن وقف البحث يعني الاستسلام للموت بالبكتيريا المقاومة، يرى المعارضون أن المخاطر الكارثية تفوق أي مكسب طبي قصير الأجل، وهو ما يفاقمه القصور الواضح في الأطر التنظيمية التي لا تزال حبيسة التركيز على التخليق المادي، متجاهلة التهديد الوجودي الكامن في التصميم الحاسوبي الذي لا يهدأ.
الرؤية الإسلامية: ضوابط المعرفة ومقاصد الحفظ والإفساد
وأمام هذا المأزق الحضاري المتمثل في انحراف العقلانية التقنية وسقوطها في فخ الهيمنة والاستنزاف، تبرز الحاجة الملحة لتجاوز قصور الأطر الأخلاقية العلمانية المعاصرة نحو أفق أعمق وأشمل. حين نأتي لنقارب هذا المأزق التكنولوجي الراهن من منظور إسلامي تأصيلي وعميق، نجد أن الشريعة الإسلامية لا تنظر إلى المعرفة باعتبارها غاية مطلقة منفصلة عن القيم والأخلاق، بل تقرر بوضوح تام أن العلم بلا ضوابط أخلاقية ومقاصدية يتحول حتماً إلى أداة تدمير ذاتي وبلاء شامل. ويرتكز البناء الأخلاقي والحضاري للإسلام في هذا المجال على أصول محكمة تجعل حماية الحياة البشرية وصيانة النظام الإلهي المتقن الغاية العليا التي ترخص دونها كل الوسائل المستحدثة.
وفي قلب هذا التصور، تتجلى ضوابط مقاصد الشريعة الإسلامية بوصفها الميزان الدقيق والحاكم الذي تُزن به التصرفات الإنسانية والابتكارات العلمية المعاصرة. وتقوم هذه المقاصد الكلية على حفظ الضرورات الخمس التي اتفق العقلاء على رعايتها، وفي طليعتها حفظ النفس الإنسانية، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال والدين. وإن تخليق فيروسات ومميتات مستحدثة من الصفر عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي يمثل تهديداً وجودياً مباشراً ومروِعاً لكل هذه الضرورات مجتمعة؛ فهو لا يهلك الأبدان البشرية فحسب، بل يهدد ببيداء الفناء الجماعي للنوع البشري بأسره، وهو ما يتعارض قطعا وبشكل صارخ مع مقصد الشريعة الأسمى في استبقاء الحياة وصيانتها.
ولا تقف الأصول الإسلامية موقف الرفض المطلق للبحث العلمي أو الاكتشاف الطبي أو التداوي، بل على العكس تماماً، تقرر بوضوح وجوب السعي وراء العلم والاكتشافات الطبية عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: لكل داء دواء، فإذا أصاب دواء الداء برأ بإذن الله. غير أن هذا السعي الخيّر والمطلوب شرعاً ينتقل من دائرة الغاية تبرر الوسيلة التي سقط فيها الفكر التقني المعاصر، لينضبط بقاعدة أصولية كبرى راسخة وهي قاعدة “درء المفاسد مقدم على جلب المنافع”. فحتى لو افترضنا وجود مصلحة جزئية أو غاية طبية نبيلة تتمثل في محاربة البكتيريا المقاومة، فإن هذه المصلحة تتلاشى شرعاً وعقلاً حين تقابلها مفسدة كبرى بحجم فتح صندوق باندورا لأوبئة قابلة للبرمجة والانتشار الرقمي الفوري، حيث تصبح المفسدة الوجودية أرجح وأعظم بكثير من أي نفع محتمل، والقاعدة الفقهية تقضي بأنه إذا تعارضت المفاسد والمصالح قدم دفع المفاسد مطلقاً.
وعلاوة على ذلك، يتقاطع هذا العبث التكنولوجي المستحدث مع مفهوم “الإفساد في الأرض” و”تغيير خلق الله” الذي حذر منه القرآن الكريم أشد التحذير في قوله تعالى: ” ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً”.
وحين يندفع الباحثون اليوم نحو اقتحام تلك المساحات البيولوجية التي لم تطأها يد الطبيعة قط، فإنهم لا يكتفون بمحاكاة الخلق أو معالجة أمراضه، بل يمارسون استعلاءً استباقياً خطيراً يشرّع الأبواب أمام مخاطر وجودية لم يشهدها التاريخ البشري طوال تاريخه، متجاوزين بذلك دور الإنسان المقرر شرعاً بوصفه مستخلفاً لعمارة الأرض وإصلاحها ورعايتها، لا جباراً مفسداً يعبث بمقومات الحياة والفناء.
ويؤَسس الفقه الإسلامي للأمن الحيوي والأخلاقي المتكامل من خلال القاعدة الكلية الجامعة: «لا ضرر ولا ضرار»، وهي قاعدة أصولية كبرى تندرج في صميم مقاصد الشريعة وتحكم كافة تصرفات الدول والأفراد والعلماء. فإطلاق فيروسات مهندسة رقمياً تتفلت من المناعة البشرية وتتطور ذاتياً يمثل خرقاً صارخاً وفادحاً لهذه القاعدة النبوية الخالدة، ويجعل المطور والدولة الداعمة شريكين حقيقيين في إثم إبادة النسل والحرث، مصداقاً لقوله تعالى: ” من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً “.
إن إطلاق العنان لنماذج الذكاء الاصطناعي المفتوحة الأوزان لتصنيع أسلحة بيولوجية مخصصة بحسب الطلب يعكس غياباً تاماً للوعي المقاصدي والأخلاقي، ويؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن ترك العلم يسبح بلا زمام من القيم والضمير الإنساني والشرعي يقود البشرية حتماً إلى تحقيق السنن الكونية في العقاب الإلهي للمفسدين، تذكراً لقوله عز وجل: ” ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون “.
وبينما نقف على حافة هذا العصر الجديد، يتضح جلياً أن العلم من دون ضمير أو رادع أخلاقي يتحول إلى أداة هدم ذاتي تقود البشرية بخطى ثابتة نحو حتفها. إننا نعيد اليوم تمثيل الصفقة الفاوستية بكل مآسيها؛ ففي مسرحية “الدكتور فاوستوس” لكريستوفر مارلو، لم تقتصر مأساة البطل على بيع روحه في سبيل المعرفة المطلقة، بل تجلت في لحظة إدراكه المتأخرة والمرعبة عندما حل الندم القاتل ولم يجد مفراً من دفع الثمن الفادح. لقد تاجر فاوست بمستقبله مقابل وهم السيطرة المؤقتة، ليفيق على حقيقة أن قوى الدمار التي استدعاها أوسع بكثير من قدرته على احتوائها.
واليوم، تقف العلوم الحديثة على ذات الحافة المظلمة؛ فمن خلال سبر أغوار الصندوق الأسود للذكاء الاصطناعي واستدعاء جينومات فيروسية لم تقصد الطبيعة خلقها قط، يفتح الباب أمام عوالم الخلق التي تقترب من المحظور من دون وعي كافٍ بالعواقب.
فحين تمنحنا التكنولوجيا القدرة على هندسة الحياة وتدميرها بقلم حاسوبي واحد، ونتجرع ندم فاوست بعد فوات الأوان، فبأي ثمن سنقايض بقاءنا؟ إن تجاوز هذا المأزق لا يكمن في تسليم مفاتيح الحوكمة لمنظومات الشمال العالمي التي قد تستغل شعار “الأمن الحيوي” لفرض وصاية تقنية واحتكار معرفي جديد على حساب الجنوب، بل يفرض صياغة عاجلة لحوكمة عالمية عادلة للذكاء الاصطناعي الحيوي تقوم على التشارك، ودرء الاستغلال السيادي، ودمج الضوابط التقنية الصارمة بالمقاصد الأخلاقية والإنسانية الجامعة؛ فهل يتبقى لنا متسع من الوقت لنتدارك ما صنعته أيدينا قبل أن تصبح شياطين المختبر هي من تكتب سطرنا الأخير؟
مجلة روح الاسلام فيض المعارف