هل أباح النبي ﷺ الذهب للرجال؟! الحقيقة التي يجب أن تُقال كاملة

كتبه الداعية الإسلامي : مصطفى شلبي الأزهري
من علماء الأزهر الشريف

هل أباح النبي ﷺ الذهب للرجال؟!
الحقيقة التي يجب أن تُقال كاملة

فليس من الإنصاف أن تُعرض مسألة لبس الذهب للرجال وكأنها مسألة لا نص فيها أو أن يُفهم من وجود بعض الروايات عن بعض الصحابة أن لبس الذهب للرجال مباح على سبيل الزينة بإطلاق.

المسألة تحتاج إلى تحرير دقيق، حتى لا تختلط الروايات بالأحكام، ولا يُفهم فعلٌ وقع في زمنٍ ما على أنه الحكم الشرعي النهائي.

أولاً: أصل تحريم الذهب على الرجال ثابت بأحاديث صحيحة وصريحة.

فقد قال رسول الله ﷺ:

«إن هذين حرامٌ على ذكور أمتي، حِلٌّ لإناثهم»

رواه أبو داود والنسائي، وصححه أهل الحديث. وثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ رأى خاتماً من ذهب في يد رجل فنزعه وطرحه وقال:«يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده».

فهذه نصوص صحيحة واضحة في النهي عن لبس الذهب للرجال ولا يصح تجاوزها أو التقليل من دلالتها عند الحديث عن حكم التختم بالذهب للزينة.

ثانياً: ماذا عن الصحابة الذين عُرف عنهم لبس الذهب؟

وجود روايات تفيد أن بعض الصحابة لبسوا الذهب لا يعني بالضرورة أن ذلك هو الحكم الذي استقر عليه التشريع، فالشرائع والأحكام قد تمر بمراحل وقد يقع الفعل قبل ورود النهي، ثم يأتي النص اللاحق فيبين الحكم النهائي.

ومن أوضح ما يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما:

أن رسول الله ﷺ اتخذ خاتماً من ذهب فكان يلبسه، ثم جلس على المنبر فقال:«إني كنت ألبس هذا الخاتم وأصوغه إلى داخل كفي»

ثم نبذه وقال:«والله لا ألبسه أبداً»

فنبذ الناس خواتيمهم.

وهنا تظهر قاعدة مهمة في فهم النصوص:ليس كل فعلٍ سابق يُعارَض به نصٌّ لاحق وإنما العبرة بما استقر عليه الحكم بعد ورود النهي.

ولذلك فإن مجرد إثبات أن بعض الصحابة لبسوا خواتم من ذهب لا يكفي وحده لإثبات بقاء الإباحة بعد ورود النهي الصريح.

ثالثاً: أما ما يُنسب إلى البراء بن عازب رضي الله عنه من أن النبي ﷺ ألبسه خاتماً من ذهب، فهذه الرواية تحتاج إلى تحقيق في سندها ومتْنها وتاريخها، وحتى على فرض ثبوت رواية في مرحلة سابقة فإنها لا تُعارض حكماً ثبت بعد ذلك واستقر بالنهي.

فالحديث عن الأحكام الشرعية ليس بجمع الروايات فقط وإنما بجمعها ومعرفة درجتها وسياقها وتاريخها والناسخ والمنسوخ منها وما استقر عليه الحكم في النهاية.

رابعاً: نسبة إباحة الذهب اليسير إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله تحتاج كذلك إلى تحرير.

فلا ينبغي أن يقال لعامة المسلمين بإطلاق:«أبو حنيفة كان يبيح الذهب اليسير للرجال» ثم يُفهم من ذلك أن الرجل يستطيع لبس خاتم من الذهب للزينة

والمعتمد في المذهب الحنفي أن الرجل لا يتختم إلا بالفضة، وأن التختم بالذهب ليس مباحاً له لمجرد الزينة.

أما ما ورد في بعض كتب الفقه من صور استثنائية تتعلق بالضرورة أو الحاجة أو الاستعمالات الطبية، فهذه أبواب أخرى لها أحكامها وضوابطها، ولا يصح تحويل الاستثناءات المتعلقة بالحاجة أو الضرورة إلى قاعدة عامة في باب التحلي والزينة.

فالضرورة شيء والزينة شيء آخر.

ولأن نسبة قول إلى إمام من أئمة الإسلام ليست مسألة هينة ولا يجوز اقتطاع عبارة من سياقها ثم بناء حكم عام عليها.

خامساً:

إن واجب العالم والداعية حين يعرض مثل هذه المسائل أن يجمع النصوص ويبين الصحيح من الضعيف والمتقدم من المتأخر والمطلق من المقيد، وأقوال العلماء في سياقها، حتى لا تتحول رواية واحدة إلى حكم عام يتناقله الناس.

وأخطر ما في المسألة أن يسمع المسلم رواية مؤثرة فيظن أنها وحدها تمثل الحكم الشرعي كله.

فالدين لا يؤخذ من مقطع مبتور ولا من عنوان مثير ولا من رواية تُذكر دون تخريج وتحقيق. بل يُؤخذ من النصوص الثابتة وجمع الأدلة بعضها إلى بعض وفهم العلماء لها

قال تعالى:﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾

الخلاصة:

لبس الذهب للرجال للزينة ثبت النهي عنه بأحاديث صحيحة صريحة ولا يصح أن تُجعل رواية عن فعل سابق لبعض الصحابة دليلاً على إباحته بعد ورود النهي.

كما لا يصح نسبة إباحة التختم بالذهب إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله على إطلاقها دون تحقيق وتفصيل.

نحن لا نريد تشديداً بلا دليل، كما أننا لا نريد تساهلاً بلا دليل.

نريد فقط أن يُقال في دين الله ما قاله الدليل وأن تُحفظ مكانة النصوص وأن تُنقل أقوال الأئمة بأمانة وأن نفرق بين الخلاف الفقهي الحقيقي وبين الاستدلال برواية لم تُحرر دلالتها أو زمنها أو صحتها.

فالدين أمانة، ونسبة الحلال والحرام إلى الله ورسوله أمانة أكبر