ردًّا على من يبدّع المولد النبوي: لماذا نفرح بميلاد سيد الخلق ﷺ؟

 


بقلم الدكتور/ محمد الدرف .
 الرد الجلي على من يقول ببدعية الاحتفال بميلاد سيد الخلق

دراسة في دلالات الآيات القرآنية والسنة النبوية على مشروعية الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف

الحمد لله رب العالمين، وأقول ومن الله التوفيق والسداد، بعد حمد الله والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

أولاً: أسرار النداء في القرآن الكريم والخصوصية المحمدية

آيات الله فيها من أسرار القرآن الكريم العجب العجاب، ومن أجمل ما وصفنا به ربنا سبحانه وتعالى هو وصف الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.

والنداء في القرآن الكريم جاء على صنفين رئيسين:

1. النداء العام: وهو الموجه لعامة الناس أو بني آدم أو بني إسرائيل، كقوله تعالى:

﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾

2. النداء الخاص: وهو الموجه لخاصة أمة المؤمنين تكليفاً وتشريفاً، كقوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ﴾

وقد ورد نداء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في القرآن الكريم 89 مرة؛ منها 88 مرة افتُتحت بها الآيات الكريمة، إلا مرة واحدة فقط في القرآن الكريم كاملاً جاء فيها هذا النداء الشريف في منتصف الآية! وهي الآية التي تتحدث عن حبيبنا ونبينا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-:

﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾

ومجيء النداء في منتصف الآية له دلالة تلميحية وتوضيحية عظيمة؛ ليبين الحق سبحانه من خلال ذلك أن المقصود من هذه الآية هو رجل متفرد في ذاته، متفرد في صفاته، متفرد في أخلاقه، متفرد في دعوته رسالة ورسولاً، ولذلك قال ربنا عن حبيبنا في سياق القرآن:

﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾

ولذلك إذا جاء النداء من الله للمؤمنين فلتُعلم أن هناك تكليفاً، ووراء هذا التكليف تشريفاً عظيماً. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولم يقل: «يا أيها المسلمون»؛ لعلمه القديم المحيط أن الذي يعرف قدر حبيبه هم المؤمنون الموحدون. وقال لهم: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ ولم يقل: «صلوا على النبي»؛ لعلمه بأحوال هؤلاء الذين يحملون رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في قلوبهم، ولأن من أضمر على حب النبي يحمل حبيبه في قلبه فلا يحتاج إلى أن يُذكَّر به باسمه الظاهر.

ولله در القائل:

إِذَا ذُكِرَ الحَبِيبُ وَنَحْنُ جَمْعٌ       تَرَى كُلاً لَهُ شَأْنٌ عَرَاهُ

فَمِنَّا مَنْ يَمُوتُ عَلَى وَضُوءٍ      وَمِنَّا مَنْ يَمُوتُ عَلَى هَوَاهُ

وَمِنَّا مَنْ يَذُوبُ كَمِثْلِ شَمْعٍ       إِذَا شَوْقُ المَحَبَّةِ قَدْ سَلَاهُ

فَسَلِّمْ لِلرِّجَالِ وَلَا تُخَاذِلْ         فَقَدْ وَضَحَ السَّبِيلُ لِمَنْ رَآهُ

فَكَمْ مِنْ جَاهِلٍ أَبْدَى اعْتِرَاضاً   فَلَمَّا ذَاقَ مَا ذُقْنَا اشْتَهَاهُ

فنداء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ نداء وجه إلى المؤمنين ليكلفهم ربهم بما صنعه هو وملائكته؛ فطاعة يشاركنا فيها ربنا وتشاركنا فيها ملائكته، ما أحلاها وما أسامها وما أجلاها! فالله يصلي، والملائكة تصلي، ونحن أُمرنا بأن نصلي، فما ذلك إلا لعظيم قدر المُصلَّى عليه صلوات الله وسلامه عليه وعلى آل بيته الأطهار الأشراف.

ثانياً: طهارة النسب والبيت النبوي الشريف

ثم من هو والد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-؟ إنه سيدنا عبد الله. ولو سألنا: ما هو أقرب اسم إلى الله؟ لكان الجواب: «عبد الله». وبما أنه أقرب اسم إلى الله، فإن مُسَمَّاه أيضاً حاز خصوصية ومقاماً شامخاً من الله.

فسيدنا عبد الله كان أجمل شباب مكة على الإطلاق، وكان يوسف عصره، وكان هادئاً لطيفاً، وكانت النساء ترغبن بالزواج منه لشرف قبيلته ونسبه، ثم لخصوصيته بأنه سيكون أباً للنبي محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-.

وإن ابنه سيولد في زمن سادت فيه الرذائل والكذب والنفاق؛ حيث ملأ الزنا الساحات، وكان الرجل يتزوج زوجة أبيه، وشاعت عبادة الأصنام حتى بلغت 360 صنماً تُعبد من دون الله.

وفي هذا الجو، قرأت امرأة في التوراة أن النور المحمدي قد سرى من آدم إلى إبراهيم إلى إسماعيل إلى عدنان إلى عبد المطلب إلى سيدنا عبد الله، فتيقنت أن النور المحمدي والنطفة الشريفة الآن في صلب سيدنا عبد الله، فأرادت أن تختص وحدها بنطفة النبي محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- وأن تكون أماً لخير مولود على الأرض، فذهبت إلى والد النبي وعرضت نفسها عليه ليتزوجها فرفض وأبى، فحاولت فأبى، فقالت له واقعني ولو مرة واحدة، فماذا قال لها سيدنا عبد الله؟ قال:

أَمَّا الحَرَامُ فَالـمَمَاتُ دُونَهُ       وَالحِلُّ لَا حِلَّ فَأَسْتَبِيحُهُ

كَيْفَ بِالأَمْرِ الَّذِي تَبْغِينَهُ          يَحْمِي الكَرِيمُ عِرْضَهُ وَدِينَهُ

إذن؛ فالأب شريف، الأب عفيف، الأب موحد، ولذلك قال عنه ربه:

﴿ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ﴾

أما الأم فهي السيدة آمنة.. أَمْنٌ وأَمانٌ وإِيمان. هذه المرأة الصابرة المحتسبة التي تزوجت سيدنا عبد الله الذي تمنته كل النساء ورغبته شريفات القوم، تزوجها سيدنا عبد الله ثلاثة أيام وما التقى بها إلا مرة واحدة لينتج عن ذلك نور الدنيا والآخرة، ثم خرج في تجارة فتلقته الأقدار وتوفاه الله ليتركها وحدها.. ولله در القائل:

تَقَلَّبَ بَيْنَ أَرْحَامٍ كِرَامٍ          فَكَانَ الخَيْرُ سَيِّدَنَا مُحَمَّدْ

وَآـمِنَةٌ رَأَتْ نُوراً مُبِيناً          فَكَانَ النُّورُ سَيِّدَنَا مُحَمَّدْ

وَنَادَاهَا الـمُنَادِي بِنْتَ وَهْبٍ   سَيُولَدُ مِنْكِ سَيِّدُنَا مُحَمَّدْ

فَأَكْثِرْ مِنْ صَلَاتِكَ كُلَّ وَقْتٍ   عَلَى الـمَحْبُوبِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدْ

وسُمِّي «محمد» ليكون محموداً في الأرض وفي السماء، ومحمد مشتق من الحمد، وكتابنا مفتتح بالحمد، وخطبنا وخطبه -صلى الله عليه وسلم- مفتتحة بالحمد، وبيده لواء الحمد يوم القيامة. ومن أسمائه: محمد، وأحمد، والحاشر، والعاقب، والماحي؛ فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: «لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا الْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ».

وكانت اسم القابلة: «الشفاء» أم سيدنا عبد الرحمن بن عوف. والمرضعات ثلاث: أمه آمنة، ثم ثويبة جارية أبي لهب (وما إن استقر لبنها في بطن النبي حتى أعتقها أبو لهب)، ثم حليمة السعدية (حلم وسعادة)، واسم الخادمة: «بركة» (أم أيمن).

وقد قال -صلى الله عليه وسلم- عن نفسه: «أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى أَخِي عِيسَى، وَرُؤْيَا أُمِّي». وعن رؤيا أمه قالت السيدة آمنة: «لَمَّا حَمَلْتُ بِمُحَمَّدٍ رَأَيْتُ أَنَّ نُوراً خَرَجَ مِنْ بَطْنِي أَضَاءَ لِي قُصُورَ كِسْرَى وَالشَّامِ». وحتى عبد المطلب قال: «رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ أَنَّ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ خَرَجَتْ مِنْ ظَهْرِي، طَرَفُهَا فِي السَّمَاءِ وَطَرَفٌ فِي الأَرْضِ، وَطَرَفٌ فِي الـمَشْرِقِ وَطَرَفٌ فِي الـمَغْرِبِ، ثُمَّ تَحَوَّلَتْ إِلَى شَجَرَةٍ يَسْتَظِلُّ النَّاسُ بِهَا»، فكان تأويلها أنه سيولد من ظهره خير مولود على الأرض.

وحتى إنه ولد معصوماً؛ فيوم أن حملته حليمة السعدية وألقمته ثديها الأيمن رفض أن يشرب منه، فلما ألقمته ثديها الأيسر رضع منه، لأن الشق الأيمن كان مخصصاً لأخيه في الرضاعة! والأمثلة على ذلك كثيرة لا يتسع المجال لذكرها الآن.

ثالثاً: هل الاحتفال بميلاد رسول الله بدعة أم سنة مستحبة؟

هل الاحتفال بميلاد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بدعة كما يدعي الجاهلون والمتنطعون على الدعوة؟

الجواب: إن الاحتفال بمولده الشريف سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّة، والأدلة على ذلك ساطعة من الكتاب والسنة:

1. تكريم القرآن لأيام ميلاد الأنبياء:

كَرَّمَ الله الأنبياء وكَرَّمَ أيام ميلادهم في القرآن، ولا سيما ميلاد الحبيب المصطفى. قال تعالى عن سيدنا يحيى بن زكريا:

﴿ وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ﴾

وقال عن سيدنا عيسى عليه السلام:

﴿ وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴾

وقال لسيدنا موسى عليه السلام:

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾

ومن أعظم «أيام الله» هي أيام ميلاد الأنبياء والمرسلين، وعلى رأسها يوم ميلاد سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

2. اتخاذ يوم الخَلق والميلاد عيداً ومناسبة صيام وشكر:

يوم الجمعة أصبح يوم عيد أسبوعي للمسلمين؛ لأنه اليوم الذي خُلق فيه آدم عليه السلام، فكان خلقه سبباً للاحتفاء والتكريم. ولما سُئل رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- عن سبب صيامه يوم الاثنين قال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ»، فجعل يوم ميلاده مناسبة عبادة وشكر لله تعالى.

3. الأمر الإلهي بالفرح بالرحمة المهداة:

قال الله تعالى: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

لو قال ربنا «قل بفضل الله ورحمته» لكانت الآية تخص فضله ورحمته بصفة عامة، ولكنه قال: ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾ ليدل على عظيم الرحمة، وأعظم رحمة أهداها الله للبشرية هي رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- الذي قال له ربنا:

 ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾

4. الاحتفاء بمواضع المولد في رحلة الإسراء والمعراج:

في ليلة الإسراء والمعراج، قال أمين السماء (جبريل) لأمين الأرض والسماوات (محمد): «انزل فصلِّ هاهنا ركعتين في بيت لحم»، فقال له: «لماذا يا أخِي يا جبريل؟»، قال: «هذا مكان ولد فيه أخوك عيسى». ثم قال له: «انزل فصلِّ هاهنا في مدين»، قال: «لماذا؟»، قال: «هذا مكان ورد إليه أخوك موسى». فصلّى المصطفى في هذين المكانين احتفالاً واحتفاءً بمولد عيسى وورود موسى عليهما السلام.

الخاتمة

فالاحتفال بمولد الحبيب -صلى الله عليه وآله وسلم- هو تعبير عن الفرح والتوقير والشكر لله على نعمة الإيجاد والهداية بسيد الأنام . 

وكل عام وحضراتكم جميعاً بخير، والأمة الإسلامية في عز ورفعة وأمان .