ربيع المصطفى ﷺ… شهر النور والهداية
14 أغسطس، 2026
منبر الدعاة

بقلم: أ. مصطفى أحمد مصطفى
هذا ربيعُ المصطفى فتبسَّما
وتضوعتْ في الكونِ منهُ عطورُ
شهرٌ أضاءَ اللهُ فيهِ سماءَنا
وبميلادِ طه تستنيرُ الصدورُ
كلما هلَّ علينا شهرُ ربيع الأول، أتتنا ذكرى ميلاد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي رحل عنا بجسده، وبقي بيننا أثره وسنته وهديه؛ ذلك النبي الذي علَّمنا كل شيء، ولم يترك لنا أمرًا من أمور الخير إلا وعلَّمنا إياه.
نحتفل بذكرى ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأننا لم ننسَ في لحظة من اللحظات أنه قد فارق الحياة، بل هو حاضر بيننا بأحاديثه وأفعاله وأقواله، وبما أمرنا به وما نهانا عنه. هو خير خلق الله، الذي كرَّمه ربه وجعله على خُلُق عظيم، ومدحه في قرآنه.
نحتفل بميلاده وبحلول شهر ربيع الأول؛ لأنه النبي الذي أخرج الله به الأمة من الضلال إلى الهداية، ومن المذلة إلى العزة، ومن فقر النفس إلى غناها بالإسلام وبطاعة الله.
فالنبي صلى الله عليه وسلم أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور، وأعزنا به وبالإسلام، وأرسله الله رحمة للعالمين، كما قال الله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
ولم يكن صلى الله عليه وسلم فظًّا غليظ القلب، بل كان رؤوفًا رحيمًا. ولولا ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى والوحي، لبقي الناس في ضلال، ولكن الله سبحانه وتعالى أعزنا به وهدانا إلى صراطه المستقيم.
ويأتي شخص فيقول: لماذا تحتفلون بميلاد النبي، وهو لم يذكر ذلك ولم يفعله الصحابة؟
وهو في الوقت نفسه يحتفل بميلاد ابنه أو ابنته، أو بمرور عام على أي شيء، أو بذكرى من الذكريات التي تخصه.
فنحن نحتفل بميلاد إنسانية كاملة، وبميلاد خير خلق الله، الذي كان سببًا في هداية البشرية إلى طريق الحق.
ولكن كيف نحتفل بميلاده؟
نحتفل بميلاده بطاعته ومحبته، وفعل ما أمرنا به، والنهي عما نهانا عنه، وقراءة أحاديثه والعمل بها، وفعل سننه، والإكثار من الصلاة عليه، وقراءة القرآن الكريم، وطاعة الله أولًا قبل كل شيء، والتحلي بأخلاقه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قال في حديثه:
«إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
وهكذا يكون الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم: بالالتزام، ومحبة الطاعة والعبادة، وترك المعاصي والذنوب، وترك ارتكاب المحرمات، وترك الحقد على الناس؛ فكل هذه الأمور أسباب تمنعك من أن يكون احتفالك بمولد النبي صلى الله عليه وسلم احتفالًا حقيقيًا قائمًا على المحبة والاقتداء.
ولِمَ لا نحتفل بمولده، وهو أفضل مخلوق عرفته البشرية جمعاء؟ وهذا بشهادة أناس ليسوا بمسلمين.
فهناك بعض الناس يقولون: تحتفلون بمولده، واليوم الذي وُلد فيه هو اليوم الذي مات فيه.
وأنا أقول: من قال إن النبي مات؟ نعم، فارقنا جسدًا، ولكن لم تتركنا سنته وهديه وأثره الطيب، وما زال حاضرًا في قلوب أمته بما تركه لنا من نور الوحي والهدى.
وقد قال فيه ومدحه أشخاص غير مسلمين، وهذه شهادة في عظمة النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن أشهر ما يُستشهد به قول المؤرخ والكاتب الإنجليزي مايكل هارت في كتابه:
The 100: A Ranking of the Most Influential Persons in History
«المائة: ترتيب لأكثر الشخصيات تأثيرًا في التاريخ»
حيث وضع النبي محمد صلى الله عليه وسلم في المرتبة الأولى باعتباره أكثر الشخصيات تأثيرًا في التاريخ.
ومن كلامه بمعناه:
«إن اختياري لمحمد ليكون في رأس قائمة أكثر الأشخاص تأثيرًا في التاريخ قد يفاجئ بعض القراء، لكنه كان الرجل الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحًا عظيمًا على المستويين الديني والدنيوي.»
أما عن المسلمين، فمن أجمل ما قيل في مدح النبي صلى الله عليه وسلم قول حسان بن ثابت رضي الله عنه:
وأحسنُ منك لم ترَ قطُّ عيني
وأجملُ منك لم تلدِ النساءُ
خُلقتَ مبرَّأً من كلِّ عيبٍ
كأنكَ قد خُلقتَ كما تشاءُ
فصلوات الله عليه وسلامه.
وقد قال في ميلاده الشاعر أحمد شوقي:
وُلِدَ الهدى فالكائناتُ ضياءُ
وفمُ الزمانِ تَبَسُّمٌ وثناءُ
الروحُ والملأُ الملائكُ حولَهُ
للدينِ والدنيا به بُشراءُ
والعرشُ يزهو والحظيرةُ تزدهي
والمنتهى والسدرةُ العصماءُ
والوحيُ يقطرُ سلسلًا من سلسلٍ
واللوحُ والقلمُ البديعُ رُواءُ
فاللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
هو الرحمة المهداة، والسراج المنير، والداعي إلى صراط ربه المستقيم، جاء رحمة للعالمين، اصطفاه الله من بين خلقه وفضَّله، وجعل له الشفاعة العظمى، وادَّخر دعوته لأمته يوم القيامة.
وجعلنا من أحبابه وإن لم نره، ويريدون منا أن نتجنب الاحتفال بمولده، ولولاه ما كنا فيما نحن فيه من النور والهدى.
فاللهَ اللهَ في محبة نبيه صلى الله عليه وسلم، والاقتداء به، واتباع سنته، وإحياء أخلاقه في حياتنا، فإن أعظم احتفال بمولده هو أن نكون ممن أحبوه وصدقوا في اتباعه.
فاللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين.
اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه، النور والهدى، والرحمة المهداة، والسراج المنير.