علاج العُقم وعدم الإنجاب
14 أغسطس، 2026
القرآن حياة

بقلم / الدكتور : ابوبكر الجندى
امام بوزارة الاوقاف
الكل يبحث عن الإنجاب والتكاثر؛ فمحبة الذرية فطرة في الإنسان وغيره من المخلوقات، وجاءت الشرائع السماوية تتفق مع هذه الفطرة، وحث الإسلام على التكاثر، ورغب في تكثير سواد الأمة، وجعل حفظ النسل أحد ضروريات الحياة.
كما جعل القرآن الكريم البنين زينة الحياة الدنيا، فقال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}[الكهف: 46]، وجعل الله تعالى العلاقة مع الأبناء قائمةً على الصلة والبر والدعاء للوالدين والإحسان إليهما، واتصال النسب، وإحياء الذكر، والقيام بشؤونهما أحياءً وأمواتًا، وغير ذلك من المنافع العظيمة.
ولكن قد يكون الرجل عقيًما أو المرأة أو كلاهما معًا، كما قال تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}[الشورى: 49، 50]، وذلك لحكمة لا يعلمها إلا الله، وقد يلحق العقيمَ أمثال الجبال من الهَمِّ والحزنِ بسبب عدم الخلفة والإنجاب، ودور هذا الكتاب أن يخفف بعض الشيء عن كل إنسانٍ يعاني من التوتر أو المعاناة النفسية، وذلك ببيان بعض الحِكم في تقدير العقم، والتي منها:
ـ أن ذلك من البلاء الذي قد يُبتلى به المؤمن ليرى الله تعالى بذلك صبر الصابرين؛ فينالوا الأجر والثواب العظيم، كما أن الإنجاب نفسَه ابتلاء وفتنة ليرى الله تعالى الشكرين من الجاحدين، {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}[التغابن: 15]، { فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}[الأعراف: 190].
ـ أن يوقن المؤمن أنه ما مِن أمرٍ قضاه اللهُ وقدَّره إلا لحكمةٍ بالغةٍ، فإذا فَوَّض أمره لله، حصل له من التسليم التام والرضا بذلك ما يهون عليه الأمر.
ـ أنه ربما صرف الله عنه أو عنها الولد لطفًا بهما، ودفع عنهما أعظم الشرَّين لعلم الله السابق أنه لو رزق ولدًا لكان فتنة له وهمّا وغمّا، يتمنى عنده بقاء العُقم، وأن عدم الإنجاب أرحم من إنجاب ولدٍ عاق لا يرحم والديه، كما قصَّ الله تعالى عن غلام الخضر حينما قتله: {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا}[الكهف: 80، 81]، وكم رأينا من قصصٍ موجعةٍ في عقوق الوالدين وشتمهما وضربهما، بل وقتلهما أو ذبحهما عياذًا بالله!
ـ أن هذا الأمر لم يخصه الله به وحده، بل كتبه على طائفة كثيرة ممن قبله، ومنهم الأنبياء والمرسلون الذين ما أنجبوا إلا بعد الشيخوخة، وفي سنٍ يستحيون معه الإنجاب، كما هو الحال مع إبراهيم عليه السلام وزوجه سارة حينما قالت له الملائكة: {لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ}[الذاريات: 28، 29]، وقال زكريا عليه السلام: {رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا}[مريم: 8]، وقد رأيت بنفسي امرأةً عقيمًا أذنت لزوجها بالزواج؛ للخِلفة، فلما تزوج حَملت هذه العقيم قبل الزوجة الثانية، فالذرية هِبات وعطايا تُطلب من رب البرايا بالتوبة والاستغفار {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10)يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا}[نوح: 11، 12].
ـ التأسي بالمصاب الأكبر مِمَّن فقدوا ابنهم أو بنتهم في حياة آبائهم وأمهاتهم، وذاقوا لسعة الفقدان.
ـ صدق اللجوء إلى الله تعالى كما قال تعالى عن زكريا عليه السلام الذي دعا ربه وقال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ}[آل عمران: 38]؛ لأن الذرية غير الطيبة ليست من أهل الإنسان، مع السعي في تحصيل الولد وبذل الأسباب، وأن ذلك لا يُنافي التوكل على الله ولا ينقص الإيمان، كالتداوي بالعقاقير الطبية وغيرها من الأسباب النافعة، دون الأسباب الممنوعة من السحر والدجل.
وأخيرًا ينبغي أن نقف بجوار العقيم ونذكره بالله رب العالمين، لا أن نعيره بعقمه أو نسخر من خلفته البنات فقط، وقد روت كتب الأخبار أن رجلاً سخط من امرأته؛ لأنها مِئناثٌ لا تَلِدُ إلا الإناث، وهجرها وتزوج من أخرى، فأرسلت إليه لزوجها تقول معاتبةً له: مالِ أبي حمزة لا يأتينا، غضبان ألا نلد البنينا، تالله ما ذاك بأيدينا، إنما نحن كالأرض لزارعينا نخرج ما قد يغرس فينا، أو أن يكون كحال غلاظ القلوب الذين إذا {بُشِّرَ اَحَدُهُمْ بالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يتَوَارَى مِنَ الَقْومِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونِ أّمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}[النحل:58 ، 59]، فكيف تكون خِلفة الإناث عيبًا ولم يبق للنبي – صلى الله عليه وسلم – من أولاده إلا الإناث!