خُطْبَةُ الجُمُعَةِ : الإِحْسَانُ إِلَى المُحْتَاجِينَ بَيْنَ صِدْقِ العُبُودِيَّةِ وَجَمَالِ السُّلُوكِ
11 أغسطس، 2026
خطب منبرية

خُطْبَةُ الجُمُعَةِ بتاريخ غُرَّةِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ ١٤٤٨ هـ – ١٤ أَغُسْطُسَ ٢٠٢٦ م
الإِحْسَانُ إِلَى المُحْتَاجِينَ بَيْنَ صِدْقِ العُبُودِيَّةِ وَجَمَالِ السُّلُوكِ
بقلم فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني
لتحميل الخطبة يرجى الضغط على الرابط التالي:
عناصر الخطبة:
أولاً: حَقِيقَةُ الإِحْسَانِ وَصِدْقُ العُبُودِيَّةِ فِي صِيَانَةِ كَرَامَةِ الفُقَرَاءِ (قصة سيدنا أبي بكر الصديق وسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنهما في تعاهد عجوز المدينة).
ثانياً: خَطَرُ المَنِّ وَالأَذَى وَالتَّشْهِيرِ بِالمُحْتَاجِينَ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ (قصة سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه في تجهيز جيش العسرة).
ثالثاً: الصَّدَقَةُ المَخْفِيَّةُ وَحِفْظُ مَاءِ الوَجْهِ.. مَشَاهِدُ مِنْ هَدْيِ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَآلِ البَيْتِ الكِرَامِ (قصة سيدنا زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنهما).
رابعاً: “احْرِصْ عِنْدَ تَوْصِيلِ الصَّدَقَةِ عَلَى حُسْنِ إِعْطَائِهَا وَتَقْدِيمِهَا بِمَا لا يَجْرَحُ شُعُورَ أَخِيكَ المَحْتَاجِ” (قصة سيدنا عبد الله بن المبارك مع الفقير) (الخطبة الثانية).
الموضوع
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، شَهَادَةً تُذَكِّرُنَا عِنْدَ السُّؤَالِ حُجَّتَنَا، وَتُيَسِّرُ عَلَى الصِّرَاطِ مُرُورَنَا يَوْمَ الْعَطَشِ الْأَكْبَرِ مِنْ حَوْضِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَشْهَدُ جَمِيعاً بِأَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَعَظِيمَنَا وَمُصْطَفَانَا وَمُعَلِّمَنَا وَقَائِدَنَا وَقُدْوَتَنَا وَمُرْشِدَنَا وَمُخْرِجَنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ، وَرَفَعَ فِي الْعَالَمِينَ ذِكْرَهُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أَمَرَنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلُّمُوا تَسْلِيماً} [الأحزاب: ٥٦]، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدَنَا مُحَمَّدٍ الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ، وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ، نَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَالْهَادِي إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ، وَعَلَى آلِهِ حَقَّ قَدْرِهِ وَمِقْدَارِهِ الْعَظِيمِ. مَوْلَايَ صَلِّ وَسَلِّمْ دَائِماً أَبَداً، عَلَى حَبِيبِكَ خَيْرِ الْخَلْقِ كُلِّهِمِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ…
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْأَبْرَارُ، وَيَا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلِصِينَ، اسْمَعُوا بِوِجْدَانِكُمْ لِنَتَأَمَّلَ سَوِيّاً قَضِيَّةً مَنَهَجِيَّةً إِيمَانِيَّةً تَمَسُّ جَوْهَرَ السُّلُوكِ الإِسْلَامِيِّ وَتَصُونُ الرَّوَابِطَ الاِجْتِمَاعِيَّةَ؛ أَلَا وَهِيَ قَضِيَّةُ “الإِحْسَانِ إِلَى المُحْتَاجِينَ وَأَدَبِ إِعْطَاءِ الصَّدَقَاتِ”. إِنَّ الشَّرِيعَةَ الإِسْلَامِيَّةَ الغَرَّاءَ مَا شَرَعَتِ التَّكَاُفَلَ الاِجْتِمَاعِيَّ وَالزَّكَاةَ وَالصَّدَقَةَ لِتَكُونَ مُجَرَّدَ نَقْلٍ لِلْمَالِ مِنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ، بَلْ جَعَلَتْهَا أَدَاةً لِتَطْهِيرِ القُلُوبِ، وَتَعْمِيقِ المَوَدَّةِ، وَحِفْظِ الكَرَامَةِ الإِنْسَانِيَّةِ. وَإِنَّ مِنَ المَظَاهِرِ الخَاطِئَةِ الَّتِي طَرَأَتْ عَلَى حَيَاةِ بَعْضِ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ؛ اسْتِعْرَاضَ المُسَاعَدَاتِ، وَالتَّشْهِيرَ بِالفُقَرَاءِ المَحْتَاجِينَ، وَتَصْوِيرَهُمْ عَبْرَ الشَّاشَاتِ وَالشَّبَكَاتِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ، أَوْ إِتْبَاعَ العَطَاءِ بِالمَنِّ وَالأَذَى! فَهَيَّا بِنَا اليَوْمَ نَقِفُ مَعَ نُصُوصِ الوَحْيَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَنَسْتَلْهِمُ القِصَصَ العَظِيمَةَ مِنْ سِيرَةِ سَيِّدِنَا المُنْصِفِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَحَابَتِهِ وَآلِ بَيْتِهِ الكِرَامِ، لِنَتَعَلَّمَ كَيْفَ نُحْسِنُ لِلْمُحْتَاجِينَ بِأَدَبٍ وَحُسْنِ خُلُقٍ، وَبِمَا يَصُونُ مَاءَ وُجُوهِهِمْ.
أَوَّلاً: حَقِيقَةُ الإِحْسَانِ وَصِدْقُ العُبُودِيَّةِ فِي صِيَانَةِ كَرَامَةِ الفُقَرَاءِ
إِنَّ الإِحْسَانَ فِي الإِسْلَامِ مَقَامٌ عَظِيمٌ، لا يَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ بَذْلِ المَالِ، بَلْ يَمْتَدُّ لِيَشْمَلَ المَشَاعِرَ وَالنِّيَّاتِ وَالطَّرِيقَةَ الَّتِي يُقَدَّمُ بِهَا هَذَا المَالُ. فَالْمُحْسِنُ الصَّادِقُ يَرَى أَنَّ الفَقِيرَ وَالمُحْتَاجَ يَمُنَّانِ عَلَيْهِ بِقَبُولِ الصَّدَقَةِ، لِأَنَّهُمَا يَسْتَلِمَانِ هَذَا المَالَ لِيَدْفَعَاهُ نِيَابَةً عَنْهُ إِلَى يَدِ الرَّحْمَنِ جَلَّ وَعَلَا!
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الذَّارِيَاتِ: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: ١٩].
فَالْمَالُ الَّذِي يُعْطَى لِلْمُحْتَاجِ هُوَ حَقُّهُ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَالِ الغَنِيِّ، وَلَيْسَ مِنَّةً وَلا تَفَضُّلاً مِنْ أَقْوِيَاءِ المَالِ عَلَى ضُعَفَائِهِ.
• قِصَّةُ سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَسَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (التَّعَاهُدُ الخَفِيُّ): وَلْنَسْتَمِعْ إِلَى هَذِهِ القِصَّةِ المُنِيرَةِ فِي صِدْقِ العُبُودِيَّةِ وَالتَّسَابُقِ فِي الخَفَاءِ؛ يَرْوِي أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَتَعَاهَدُ عَجُوزاً كَبِيرَةً عَمْيَاءَ فِي أَطْرَافِ المَدِينَةِ بِاللَّيْلِ، فَيَسْقِي لَهَا المَاءَ وَيُصْلِحُ مِنْ شَأْنِهَا. فَكَانَ كُلَّمَا أَتَاهَا وَجَدَ غَيْرَهُ قَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهَا فَأَصْلَحَ أَمْرَهَا وَكَنَسَ بَيْتَهَا! فَتَرَبَّصَ سَيِّدُنَا عُمَرُ يَوْماً لِيَعْرِفَ مَنْ هَذَا الَّذِي يَسْبِقُهُ فِي الخَفَاءِ، فَإِذَا هُوَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ سَيِّدُنَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ! فَقَالَ سَيِّدُنَا عُمَرُ بَاكِياً: “أَنْتَ هُوَ لَعَمْرِي! لَقَدْ أَتْعَبْتَ المُرْسَلِينَ مِنْ بَعْدِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ!”.
فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ أَعَظَمُ رَجُلَيْنِ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْدُمَانِ المَسَاكِينَ فِي حَالِ الظَّلَامِ السَّاتِرِ، لِتَسْلَمَ لَهُمَا نِيَّاتُهُمَا وَلَا تَنْكَسِرَ نُفُوسُ الفُقَرَاءِ أَمَامَ الأَعْيُنِ!
ثَانِياً: خَطَرُ المَنِّ وَالأَذَى وَالتَّشْهِيرِ بِالمُحْتَاجِينَ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ شَدَّدَ غَايَةَ التَّشْدِيدِ عَلَى حُرْمَةِ المَنِّ وَالأَذَى، وَجَعَلَ كُلَّ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا تَفَاخُرٌ أَوْ كَلَامٌ يَجْرَحُ مَشَاعِرَ الفَقِيرِ حَبِيطَةً باطِلَةً لا أَجْرَ فِيهَا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: ٢٦٤].
قَالَ الإِمَامُ الحَافِظُ سَيِّدُنَا ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَفْسِيرِهِ: “يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تُبْطَلُ بِمَا يَتْبَعُهَا مِنَ المَنِّ وَالأَذَى، فَلَا يَبْقَى لَهَا ثَوَابٌ؛ كَمَا أَنَّ المَطَرَ الغَزِيرَ إِذَا نَزَلَ عَلَى حَجَرٍ صَلْدٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ جَرَفَهُ حَتَّى لا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ”.
وَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ الَّتِي تَجْبُرُ الخَاطِرَ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا إِيهَانٌ أَوْ تَشْهِيرٌ، فَقَالَ جَلَّ جَلَالُهُ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} [البقرة: ٢٦٣].
وَفِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ؛ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ… – وَذَكَرَ مِنْهُمْ -: وَالْمَنَّانُ الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئاً إِلَّا مَنَّهُ» [أخرجه مسلم].
• قِصَّةُ سَيِّدِنَا عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (الأَدَبُ العَالِي مَعَ عَبَادِ اللَّهِ):
وَلْنَسْتَمِعْ إِلَى هَذِهِ القِصَّةِ المُمَيَّزَةِ فِي حِفْظِ مَاءِ الوَجْهِ وَالبَعْدِ عَنْ المَنِّ؛ لَمَّا حَثَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَيْشِ العُسْرَةِ، جَاءَ سَيِّدُنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَلْفِ دِينَارٍ فِي ثَوْبِهِ فَصَبَّهَا فِي حِجْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَلَمْ يَقُلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا مَالِي أَوْ أَنَا أَكْثَرُكُمْ نَفَقَةً، بَلْ وَضَعَهَا بِحَيَاءٍ وَسَكِينَةٍ! فَجَعَلَ سَيِّدُنَا وَنَبِيُّنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَلِّبُهَا فِي حِجْرِهِ وَيَقُولُ: «مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ اليَوْمِ!» [أخرجه الترمذي وصححه].
هَكَذَا كَانَ الإِنْفَاقُ بَذْلاً خَالِصاً لا تُخَالِطُهُ رُؤْيَةُ النَّفْسِ أَوْ حُبُّ الظُّهُورِ وَالتَّشْهِيرِ.
ثَالِثاً: الصَّدَقَةُ المَخْفِيَّةُ وَحِفْظُ مَاءِ الوَجْهِ.. مَشَاهِدُ مِنْ هَدْيِ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَآلِ البَيْتِ الكِرَامِ
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّ المَنَهَجَ الأَزْهَرِيَّ الوَسَطِيَّ المُنْصِفَ يُعَلِّمُنَا أَنَّ الإِخْفَاءَ فِي الصَّدَقَةِ إِلا لِمَصْلَحَةٍ شَرْعِيَّةٍ رَاجِحَةٍ هُوَ الأَصْلُ العَظِيمُ الَّذِي يَبْنِي الإِخْلَاصَ وَيَحْمِي المَسَاكِينَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة: ٢٧١].
• قِصَّةُ سَيِّدِنَا زَيْنِ العَابِدِينَ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (الإِحْسَانُ الخَفِيُّ):
وَلْنَعِشْ بِقُلُوبِنَا مَعَ هَذِهِ القِصَّةِ الخَالِدَةِ لِإِمَامٍ مِنْ آلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ؛ يُرْوَى أَنَّ سَيِّدَنَا زَيْن العَابِدِينَ عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَ يَحْمِلُ جِرَابَ الخُبْزِ عَلَى ظَهْرِهِ بِاللَّيْلِ، فَيَتَطَرَّقُ بِهِ إِلَى بُيُوتِ الفُقَرَاءِ فِي المَدِينَةِ وَيَضَعُهُ عِنْدَ أَبْوَابِهِمْ دُونَ أَنْ يَرَاهُ أَحَدٌ. وَكَانَ أَهْلُ المَدِينَةِ يَعِيشُونَ وَلا يَدْرُونَ مَنْ الَّذِي يَكْفُلُهُمْ! فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَفَقَدُوا ذَلِكَ الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ يَأْتِيهِمْ بِاللَّيْلِ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ يَطْرُقُ أَبْوَابَهُمْ. وَلَمَّا غَسَّلُوهُ وَجَدُوا فِي ظَهْرِهِ مَجَالِفَ – أَيْ أُثُوراً سَوْدَاءَ – مِمَّا كَانَ يَحْمِلُ الجِرَابَ عَلَى ظَهْرِهِ إِلَى بُيُوتِ الأَرَامِلِ وَالمَسَاكِينِ!
فَانْظُرُوا إِلَى هَذَا الجَمَالِ الإِسْلَامِيِّ الأَصِيلِ! يُنْفِقُ المَالَ مَعَ كَتْمِ اسْمِهِ؛ حَتَّى لا يَشْعُرَ المَحْتَاجُ بِالحَرَجِ إِذَا لَقِيَهُ فِي الطَّرِيقِ!
وَفِي الحَثِّ عَلَى صِيَانَةِ الوَجْهِ وَسَتْرِ المَسَاكِينِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
إِذَا جُدْتَ بِالمَالِ فَاجْعَلْهُ خَفِيّاً … وَلا تُتْبِعَنْ نَفَحَاتِ الخَبِي
فَإِنَّ الأَذَى يَمْحَقُ الصَّالِحَاتِ … وَيَكْسِرُ قَلْبَ الفَقِيرِ الأَبِي
وَكُنْ كَسَحَابٍ يَهُمُّ بِصَمْتٍ … فَيُنْبِتُ فِي الأَرْضِ زَهْرَ الرُّبَى
ادْعُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، وَالتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
«احْرِصْ عِنْدَ تَوْصِيلِ الصَّدَقَةِ عَلَى حُسْنِ إِعْطَائِهَا وَتَقْدِيمِهَا بِمَا لا يَجْرَحُ شُعُورَ أَخِيكَ المَحْتَاجِ»
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدَنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْأَبْرَارُ، إِنَّ بَعْضَ مَنْ يُوَفِّقُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْإِنْفَاقِ يُقَصِّرُونَ فِي “فِقْهِ الإِعْطَاءِ”، فَيُقَدِّمُونَ الصَّدَقَةَ بِيَدٍ مُسْتَعْلِيَةٍ، أَوْ بِكَلَامٍ فِيهِ نَبْرَةُ الوَعْظِ الجَارِحِ، أَوْ بِإِطَالَةِ الاِنْتِظَارِ وَإِذْلَالِ السَّائِلِ! وَهَذَا يُخَالِفُ المَنَهَجَ النَّبَوِيَّ الرَّاقِيَ الَّذِي يَدْعُونَا إِلَى أَنْ نَكُونَ أَدَبَاءَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعَ عِبَادِهِ.
• قِصَّةُ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ (الأَدَبُ فِي التَّسْلِيمِ):
وَلْنَسْتَمِعْ إِلَى هَذِهِ القِصَّةِ الَّتِي تُجَسِّدُ ذُرْوَةَ الأَدَبِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ المَحْتَاجِ؛ يُرْوَى أَنَّ العَالِمَ الزَّاهِدَ سَيِّدَنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ المُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَ فَقِيراً صَدَقَةً، جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ أَمَامَهُ، وَوَضَعَ الصَّدَقَةَ فِي كَفِّ الفَقِيرِ وَجَعَلَ يَدَهُ هُوَ هِيَ السُّفْلَى وَيَدَ الفَقِيرِ هِيَ العُلْيَا! فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: “إِنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ فِي يَدِ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي يَدِ الفَقِيرِ، فَأُحِبُّ أَنْ تَكُونَ يَدُ الَّذِي يَقْبَضُ لِلَّهِ هِيَ العَالِيَةَ!”.
فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَتْ نَفَسِيَّةُ هَؤُلَاءِ العُلَمَاءِ الأَبْرَارِ! كَانُوا يَرَوْنَ المَحْتَاجَ صَاحِبَ فَضْلٍ عَلَيْهِمْ لا العَكْسَ!
لِذَلِكَ كَانَ المَنَهَجُ السَّلِيمُ فِي تَوْصِيلِ المُسَاعَدَاتِ يَقُومُ عَلَى القَوَاعِدِ الآتِيَةِ:
1- كَتْمُ الصَّدَقَةِ وَعَدَمُ تَصْوِيرِ الفُقَرَاءِ: فَلَا يَجُوزُ شَرْعاً وَلا أِخْلَاقاً نَشْرُ صُوَرِ الأَطْفَالِ أَوْ الأَرَامِلِ أَوْ المَسَاكِينِ عَبْرَ شَبَكَاتِ التَّوَاصُلِ بِحُجَّةِ التَّوْثِيقِ، بَلْ التَّوْثِيقُ يَكُونُ فِيمَا بَيْنَ المُنَفِّذِ وَرَبِّهِ.
2- الِابْتِسَامَةُ وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ: عِنْدَ إِعْطَاءِ الصَّدَقَةِ؛ فَتُقَدَّمُ الشَّكْوَى أَوْ المُسَاعَدَةُ بِبَشَاشَةِ وَجْهٍ، وَدُعَاءٍ صَالِحٍ، كَمَا كَانَ أَهْلُ البَيْتِ يَقُولُونَ لِلْفُقَرَاءِ: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً} [الإنسان: ٩].
3- اخْتِيَارُ الطَّيِّبِ مِنَ المَالِ وَالطَّعَامِ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: “اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ”، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: ٩٢].
فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا عِبَادَ اللَّهِ، وَاحْرِصُوا عِنْدَ تَوْصِيلِ صَدَقَاتِكُمْ عَلَى أَنْ تَكُونَ مَغْلُوفَةً بِالحُبِّ وَالاِحْتِرَامِ، لِتَبْقَى أُمَّتُنَا كَالْجَسَدِ الوَاحِدِ، يَعْطِفُ قَوِيُّهَا عَلَى ضَعِيفِهَا بِلَا اهْتِضَامٍ وَلا كَسْرٍ لِلْكَرَامَةِ.
الدُّعَاءُ: اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَأَصْحَابِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، صَلَاةً تَنْحَلُّ بِهَا الْعُقَدُ، وَتَنْفَرِجُ بِهَا الْكُرَبُ، وَتُقْضَى بِهَا الْحَوَائِجُ.
اللَّهُمَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اَهْدِنَا لِأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنَّا سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلا أَنْتَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ المُنْفِقِينَ فِي سَبِيلِكَ بِإِخْلَاصٍ، وَطَهِّرْ نِيَّاتِنَا مِنَ الرِّيَاءِ وَالمَنِّ وَالأَذَى. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا أَدَبَ العَطَاءِ وَحُسْنَ المَعَامَلَةِ مَعَ عِبَادِكَ. اللَّهُمَّ احْفَظْ مِصْرَنَا الغَالِيَةَ، كِنَانَتَكَ فِي أَرْضِكَ، وَاجْعَلْهَا وَاحَةً لِلأَمْنِ وَالأَمَانِ، وَالسِّلْمِ وَالسَّلَامِ، وَالرَخَاءِ وَالاسْتِقْرَارِ. اللَّهُمَّ احْفَظْ جَيْشَ مِصْرَ وَشُرْطَتَهَا، وَاشْفِ مَرْضَانَا، وَارْحَمْ مَوْتَانَا وَشُهَدَاءَنَا الأَبْرَارَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.
وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَالسَّدَادُ – كَتَبَهُ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ أَحْمَد إِسْمَاعِيلَ الْفَشْنِيِّ.
الْقَاهِرَةُ فِي٢٨ صفر ١٤٤٨ هـ – ١١ أَغُسْطُسَ ٢٠٢٦ م