نداء الشرع.. حرمة قتل النفس وواجب إنقاذ الإنسان
11 أغسطس، 2026
قضايا وأحكام

بقلم د/ عبدالفتاح سعيد وزير
تتزايد في الآونة الأخيرة بالريف المصري ظاهرةٌ مؤلمةٌ ودخيلةٌ على مجتمعاتنا المحافظة؛ ألا وهي إقدام البعض — من الشباب وحتى كبار السن — على إنهاء حياتهم بأيديهم تحت ضغط الهموم والأزمات. وهذا الواقع الأليم يُوجب على أئمة المساجد والعلماء ودعاة القرى النهوض بمسؤولياتهم عبر عقد ندوات ومحاضرات توعوية؛ لترسيخ المفاهيم الإيمانية الصحيحة، وتبديد الأوهام التي تجعل العبد يظن أن الموت انتحارًا هو نجاةٌ أو مخرجٌ من الأزمات.
أولًا: هل يستريح المنتحر من همومه؟
إن ظنّ المُقدم على قتل نفسه بأنه يستريح من أوجاع الدنيا هو وهمٌ باطل؛ فالروح ليست ملكًا للإنسان حتى يتصرف فيها كما يشاء، بل هي أمانةٌ من الله. ومن يُنهي حياته لا يهرب من المعاناة، بل ينتقل من ابتلاءٍ دنيويٍ مؤقت إلى حسابٍ وعقابٍ شديد في الآخرة إن لم يتداركه الله بعفوه ورحمته.
ثانيًا: الأدلة من القرآن الكريم
• النهي الصريح والوعيد:
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾
* النهي عن الإلقاء بالنفس إلى التهلكة:
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
ثالثًا: الأدلة من السنة النبوية
• العقاب بِنَفْسِ الوسيلة يوم القيامة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال:
«مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحديدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» (رواه البخاري ومسلم).
* الجزاء الجماعي لمَن استعجل الموت جزعًا:
عن جُندَب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
> «كانَ فِيمَن كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ به جُرْحٌ، فَجَزِعَ، فأخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بها يَدَهُ، فَما رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عليه الجَنَّةَ» (رواه البخاري ومسلم).
رابعًا: واجب المجتمع ودور خطباء القرى
إن المواجهة الشاملة لهذه الظاهرة تتطلب خطة توعوية ترتكز على:
* تبيان قيمة الصبر: تذكير الأهالي بأن الابتلاءات سنّة دنيوية، وأن الصبر عليها يرفع الدرجات ويكفر السيئات.
* فتح أبواب الأمل: محاربة التفكير السلبي واليأس، والتأكيد على أن الفرج مقارنٌ للكرب.
* الدعم النفسي والمجتمعي: التكاتف بين أهل القرية لمساعدة المعسرين، والاستماع لمن يمرون بأزمات نفسية أو اقتصادية قبل أن تصل بهم الأمور إلى طريق مسدود.