
بقلم : أ . محمد عطية
«”أقتلتَهُ بعدما قالها؟؛ قمةُ الإنكارِ من سيِّدِنا النبيِّ ﷺ على حِبِّهِ وابنِ حِبِّهِ، رَغمَ أنَّ القتلَ وقَعَ في قلبِ المعركةِ، ورغمَ مَكانةِ الفاعلِ وصُحبتِهِ، وليس أيُّ صحابيٍّ بل “الحِبُّ ابنُ الحِبِّ”. فلو رأى سيِّدُنا النبيُّ ﷺ مَن يُكفِّرُ أهلَ القبلةِ، ويُشركُهم، ويُبدِّعُهم، مِنَ الفرقةِ الضالَّةِ السَّلفيَّةِ المُعاصِرَةِ؛ [فكيف سيكونُ إنكارُه]؟
فيا سُبحانَ الله! كيف يَجترِئُ هؤلاءِ على إخراجِ الملايينِ مِنَ المِلَّةِ لِمُجَرَّدِ أنَّهُم يَحْتَفِلُونَ بِالْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ، أوْ يَتَوَسَّلُونَ بِوَلِيٍّ، أوْ يَزُورُونَ قَبْراً، أوْ يُصَلُّونَ فِي مَسْجِدٍ فِيهِ قَبْرٌ؟! وهِيَ في أصْلِها مَسَائِلُ فِقْهِيَّةٌ مَحْضَة، لا عَلَاقَةَ لَهَا بِأُصُولِ العَقِيدَةِ، يَعْرِفُ حَقِيقَتَها أصْغَرُ طَالِبٍ في المَرْحَلَةِ الإعْدَادِيَّةِ الأزْهَرِيَّةِ! لَكِنَّهُ الإشْكَالُ الأكْبَرُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الخَوَارِجِ الغُلَاة، حِينَ خَلَطُوا بَيْنَ آلَاتِ العُلُومِ، فَضَاعَ عِنْدَهُمُ التَّمْيِيزُ، وَلَمْ يَقِفِ الأمْرُ عِنْدَ جَهْلِهِمْ، بَلْ زَادَ التَّطَاوُلُ حَتَّى كَفَّرُوا عُلَمَاءَ المُسْلِمِينَ مِنْ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ؛ مِنَ السَّادَةِ الأشَاعِرَةِ، والمَاتُرِيدِيةِ، وفُضَلَاءِ الحَنَابِلَةِ!
فَأَكْثَرُ النَّاسِ جَهْلاً جَهْلاً مُرَكَّباً، وَأَحْمَقُهُمْ فَهْماً، هُوَ مَنْ كَانَ كُلُّ فِقْهِهِ مُنْحَصِراً فِي تَكْفِيرِ المُسْلِمِينَ وَتَبْدِيعِهِمْ!ولَقَدْ حَذَّرَ سيِّدُنا ومَوْلانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مِعْقَدُ الرَّجَاءِ وَالنَّجَاةِ مِنْ هَذَا المَسْلَكِ المَعْكُوسِ حِينَ قَالَ: «إِنَّ مِمَّا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ حَتَّى إِذَا رُئِيَتْ بَهْجَتُهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ رِدْءًا لِلْإِسْلَامِ، انْسَلَخَ مِنْهُ وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَسَعَى عَلَى جَارِهِ بِالسَّيْفِ، وَرَمَاهُ بِالشِّرْكِ»، فَقِيلَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَيُّهُمَا أَوْلَى بِالشِّرْكِ؛ الْمَرْمِيُّ أَمِ الرَّامِي؟ قَالَ: «بَلِ الرَّامِي» [رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وابنُ كَثِيرٍ]
أفَمَن نَطَقَ بِالتَّوحِيدِ خَوْفاً مِنَ المَوْتِ عُصِمَ دَمُهُ بِيَقِين، ومَنْ نَطَقَ بِهَا طَوَاعِيَةً طِيلَةَ عُمُرِهِ يُكَفَّرُ بِالظَّنِّ والتَّخْمِين؟! تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى، ومَسْلَكٌ يَهْدِمُ عُرَى الدِّينِ الرَّصِينِ لِمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ القِبْلَةِ اليَقِين!»