سُبُلُ الهِدَايَةِ فِي بَيَانِ أَفْضَلِيَّةِ النُّبُوَّةِ عَلَى الوِلَايَةِ

بقلم : د . محمد عبدالحليم المعصراوى

1- اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الوَلِيَّ لَا يَصِلُ إِلَى دَرَجَةِ النَّبِيِّ؛ لأنَّ النُّبُوَّةَ مَنْزِلَةٌ اصْطِفَائِيَّةٌ اخْتَصَّ اللهُ تَعَالَى بِهَا أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ، وَلَا يَبْلُغُهَا أَحَدٌ مِنَ الأَوْلِيَاءِ مَهْمَا بَلَغَ مِنَ الصَّلَاحِ وَالوِلَايَةِ.

وَقَدْ قَالَ العَارِفُ بِاللهِ تَعَالَى مُحْيِي الدِّينِ ابْنُ عَرَبِيٍّ رَحِمَهُ اللهُ: «بَلَغَنَا عَنِ الشَّيْخِ أَبِي يَزِيدَ أَنَّهُ فُتِحَ لَهُ مِنْ مَقَامِ النُّبُوَّةِ قَدْرُ خَرْمِ إِبْرَةٍ، تَجَلِّيًا لَا دُخُولًا، فَكَادَ أَنْ يَحْتَرِقَ».

2- قَرَّرَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ أَنَّ الأَوْلِيَاءَ جَمِيعًا لَا يَبْلُغُونَ دَرَجَةَ نَبِيٍّ، وَلَا يُقَارِبُونَهَا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُسَاوُوهُ فِيهَا أَوْ يَتَقَدَّمُوا عَلَيْهِ، وَلَا يُعْتَدُّ بِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ المُبْتَدِعَةِ مِنَ القَوْلِ بِأَنَّ الوَلِيَّ قَدْ يَبْلُغُ دَرَجَةَ النَّبِيِّ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ اعْتِقَادُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ.

3- وَكَذَلِكَ أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ أَفْضَلُ مِنَ الوَلِيِّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ يَجْمَعُ بَيْنَ مَرْتَبَةِ النُّبُوَّةِ وَمَرْتَبَةِ الوِلَايَةِ، فَالأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوْلِيَاءُ لِلهِ تَعَالَى، مَعَ مَا خَصَّهُمُ اللهُ بِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَتْ مَنْزِلَتُهُمْ أَعْلَى مِنْ مَنْزِلَةِ غَيْرِهِمْ مِنَ الأَوْلِيَاءِ.

4- وَلَا يُعْتَدُّ بِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ البَاطِنِيَّةِ مِنَ القَوْلِ بِأَنَّ الوِلَايَةَ أَفْضَلُ مِنَ النُّبُوَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِأُصُولِ الِاعْتِقَادِ الإِسْلَامِيِّ.

5- وَمِنْ وُجُوهِ الهِدَايَةِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ أَيْضًا: أَنَّ الوِلَايَةَ، مَهْمَا بَلَغَتْ مِنَ الكَمَالِ، لَا يَسْقُطُ مَعَهَا التَّكْلِيفُ الشَّرْعِيُّ، فَلَا يَخْرُجُ الوَلِيُّ عَنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَلَا يُصْبِحُ مُسْتَغْنِيًا عَنِ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ.

وَقَدْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ «الإِبَاحَةِ مِنَ البَاطِنِيَّةِ»، إِذْ زَعَمُوا أَنَّ الوَلِيَّ إِذَا بَلَغَ الغَايَةَ فِي المَحَبَّةِ، وَصَفَاءِ القَلْبِ، وَكَمَالِ الإِخْلَاصِ، سَقَطَ عَنْهُ الأَمْرُ وَالنَّهْيُ، وَلَمْ يَضُرَّهُ حِينَئِذٍ ارْتِكَابُ الذَّنْبِ، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ بِارْتِكَابِ الكَبِيرَةِ.

وَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ مُنَاقِضٌ لِأَصْلِ الشَّرِيعَةِ؛ إِذْ لَا مَعْنَى لِلوِلَايَةِ الشَّرْعِيَّةِ إِلَّا كَمَالُ العُبُودِيَّةِ لِلهِ تَعَالَى، وَاتِّبَاعُ نَبِيِّهِ ﷺ، وَالوُقُوفُ عِنْدَ حُدُودِ شَرْعِهِ.

6- وَإِذَا كَانَ أَكْمَلُ النَّاسِ فِي المَحَبَّةِ وَالإِخْلَاصِ هُمُ الأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَلَا سِيَّمَا حَبِيبُ اللهِ تَعَالَى، سَيِّدُنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٌ ﷺ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ التَّكْلِيفُ فِي حَقِّهِمْ قَائِمًا، بَلْ كَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ تَعْظِيمًا لِأَوَامِرِ اللهِ تَعَالَى وَنَوَاهِيهِ، وَأَتَمَّهُمْ قِيَامًا بِالعُبُودِيَّةِ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَسْقُطَ التَّكْلِيفُ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الأَوْلِيَاءِ؟

7 – وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الوِلَايَةَ الحَقِيقِيَّةَ لَا تَكُونُ بِالخُرُوجِ عَنِ الشَّرِيعَةِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ بِكَمَالِ اتِّبَاعِهَا؛ فَكُلَّمَا ازْدَادَ العَبْدُ قُرْبًا مِنَ اللهِ تَعَالَى، ازْدَادَ تَمَسُّكًا بِأَمْرِهِ، وَاتِّبَاعًا لِنَبِيِّهِ ﷺ، وَخَوْفًا مِنْ مُخَالَفَتِهِ.

وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ النُّبُوَّةَ أَعْلَى مِنَ الوِلَايَةِ وَأَشْرَفُ مِنْهَا، وَالنَّبِيُّ يَجْمَعُ كَمَالَ الوِلَايَةِ مَعَ شَرَفِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، أَمَّا الوَلِيُّ فَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ تَابِعًا لِنَبِيٍّ، مُقْتَدِيًا بِهِ، مُسْتَمْسِكًا بِشَرِيعَتِهِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْلُغَ مَرْتَبَةَ النُّبُوَّةِ أَوْ يَسْتَغْنِيَ عَنْ هَدْيِهَا وَتَشْرِيعِهَا.

وبالله التوفيق