بين أصالة المنهج السلفي وزيف الادعاء المعاصر كشف الوهم
20 يونيو، 2026
الوهابية ومنهجهم الهدام

للكاتب / محمد نجيب نبهان
كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي
إن البحث العلمي الرصين في تاريخ المذاهب الإسلامية وتطور الأفكار العقدية والفقهية يفرض على الباحث المعاصر ضرورة التجرد والتدقيق وتفكيك المفاهيم التي طرأ عليها الكثير من التشويه والتحريف عبر العصور، وحينما نقارب مسألة “السلفية” كمنهج علمي وتاريخي، نجد أننا أمام تيارين متباينين تمام المباينة؛ تيار أصيل يمثل امتداداً طبيعياً لقرون الخيرية الأولى، وتيار طارئ اتخذ من الشعار غطاءً لتمرير رؤية أحادية ضيقة أحدثت شرخاً عميقاً في بنية الأمة الإسلامية وهويتها الجامعة، ومن هنا تنبع أهمية هذه الدراسة المعمقة التي تسعى إلى كشف الوهم والتمييز بين حقيقة الاتباع وزيف الادعاء، من خلال رصد الجذور التاريخية، والمفارقات الخطابية، والآثار الواقعية للمدرسة النجية المعاصرة وتفريعاتها الفكرية.
فالإنسان المسلم حين يقف اليوم أمام سيل جارف من الفتاوى المنسوبة إلى السلف الصالح، يجد نفسه لزاماً أمام مسؤولية شرعية وعقلية كبرى تقتضي منه ألا يسلّم قياد فكره لكل دعوى براقة دون تمحيص ونقد، بل يجب عليه مراجعة هذه الأقوال والتحقق من أصولها لمعرفة ما إذا كانت تمثل بحق إجماع وعموم علماء الأمة في القرون الثلاثة الأولى، أم أنها مجرد اختيارات وفتاوى تعود لعلماء متأخرين ومعاصرين تم إلباسهم ثوب السلفية زوراً وبهتاناً، ولعل أولى الملاحظات المنهجية التي تستوقف الباحث عند تشريح الخطاب الرقمي والواقعي لمدعي السلفية المعاصرة، هي تلك المفارقة الصارخة والتناقض البنيوي بين الشعار الأيديولوجي المرفوع والممارسة العلمية على أرض الواقع، فهم يرفعون شعاراً جذاباً ينص على أن “الدين ما قال الله وقال الرسول ﷺ وفق فهم السلف الصالح”، وهو شعار لا يختلف عليه اثنان من أهل القبلة.
لكنك اذا ما تصفحت مواقعهم الإلكترونية، وحللت منشوراتهم في وسائل التواصل الاجتماعي، وتتبعت دروسهم ومحاضراتهم، ستجد غياباً شبه تام لأقوال الصحابة، والتابعين، وأئمة المذاهب الأربعة المتبوعة كمالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل بمفهومهم الفقهي والعقدي الشامل والموسوعي، وبدلاً من ذلك، يدور الخطاب في فلك مغلق وحلقة ضيقة لا تكاد تتجاوز أسماء معينة من المتأخرين والمعاصرين، فيصبح المستهلك العادي لهذا الخطاب محاصراً بعبارات مكررة يعاد إنتاجها آلاف المرات من قبيل: “قال ابن تيمية”، “قال ابن القيم”، “قال الألباني”، “قال ابن باز”، “قال ابن عثيمين”، ثم تتدرج إلى رموز الحركات المعاصرة وأجنحتها المختلفة مثل “الفوزان”، “اللحيدان”، “الرحيلي”، “المدخلي”، “الجامي”، و”فركوس”، حتى يخيل للعامي والناشئ الذي لم يتبحر في العلوم الشرعية أن هؤلاء الرجال هم أنفسهم السلف الصالح، أو أنهم الممثلون الوحيدون والشرعيون لقرون الخيرية الأولىى .
في حين أن الحقيقة العلمية التاريخية تؤكد أن هؤلاء جميعاً ينتمون إلى طبقة المتأخرين والمعاصرين الذين يفصل بينهم وبين عصر الصحابة والتابعين قرون متطاولة وحقب زمنية متباعدة، ولا يمكن بحال من الأحوال اعتبار اختياراتهم الفقهية والاجتهادية الفردية، أو ردودهم على معاصريهم، حجة مطلقة تُقاس عليها صحة العقيدة والإسلام، وإذا ما أردنا الغوص أكثر في الجذور التاريخية لهذه الظاهرة الفكرية، نجد أن هذه المدرسة المعاصرة بجميع تفرعاتها الراهنة (سواء كانت علمية، أو جامية مدخلية، أو حركية) إنما تلتقي جميعاً في نقطة انطلاق واحدة، وهي تمثيلها للحراك الذي نشأ في إقليم نجد في القرن الثاني عشر الهجري على يد محمد بن عبد الوهاب، والذي ارتكزت دعوته بالأساس على إعادة نبش المسائل العقدية والفقهية الشاذة والمهجورة التي تفرد بها شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في القرن الثامن الهجري، والتي كانت قد استقرت المذاهب الإسلامية على تجاوزها أو تأويلها بما يضمن وحدة الأمة وسد أبواب الفتن، فجاءت الدعوة الوهابية بعد أكثر من خمسمائة عام على وفاة ابن تيمية لترفع هذه الاختيارات الفردية إلى مرتبة الأصول العقدية التي يوالى ويعادى عليها، بل وجعلت منها معياراً للحكم على إسلام الناس أو كفرهم.
ولم يكن لهذه الأفكار الشاذة والضيقة أن تتجاوز حدود بيئتها الجغرافية القاسية في نجد لولا تضافر ظروف سياسية واستعمارية معقدة في تلك الحقبة التاريخية، حيث التقت مصالح الحركة مع توجهات وزارة المستعمرات البريطانية والقوى الغربية التي كانت تسعى جاهدة لتفكيك الخلافة العثمانية وإضعاف الجسد الإسلامي من الداخل، فوجدت في هذا الفكر الإقصائي الذي يكفر عموم المسلمين في الحجاز والشام ومصر والعراق وسيلة مثالية لإشعال الحروب الداخلية وإحداث فتنة شديدة تمزق وحدة الصف وتنهك القوى الإسلامية في صراعات بينية لا تنتهي، ومما يزكي هذا الطرح ويثبته واقعاً ماثلاً تحت مجهر البحث والنقد، هو استقراء الأثر العملي والسلوكي لهذه المدرسة عبر التاريخ وصولاً إلى عصرنا الرقمي الحالي، إذ يلحظ المراقب أن ألسنة أتباع هذا الفكر ظلت وبقيت مسلطة بحدة وقسوة وعنف على رقاب المسلمين والمسلمات، فلم يسلم من طعنهم وتجريحهم عالم ولا عامي، ولا حي ولا ميت، حيث امتلأت أدبياتهم بأحكام التكفير المطلق، والرمي بالشرك الأكبر والبدعة والضلال لكل من خالف اختيارات مشايخهم، حتى طال التجريح قامات علمية تاريخية كبرى خدمت الدين كالإمامين النووي وابن حجر العسقلاني وغيرهم من أساطين المذهبين الأشعري والماتريدي الذين يمثلون السواد الأعظم من الأمة الإسلامية.
ولم يقتصر الأمر على العنف اللفظي والسب والشتم والتبديع عبر المنابر والمنصات، بل تعداه وتطور تاريخياً وواقعياً إلى امتداد أيديهم بالقتل وسفك دماء المسلمين الأبرياء واستباحة أموالهم وأعراضهم في مشاهد مأساوية تدمي القلوب، تحت مبرر محاربة الشركيات وتطهير العقيدة، واللافت للانتباه والذي يثير العجب والدهشة لدى أي باحث يتأمل هذه الظاهرة بإنصاف، هو هذا التناقض الصارخ في توجيه الخصومة، ففي الوقت الذي تشتد فيه وطأة هؤلاء على مجتمعاتهم الإسلامية وتتجسد في أعلى درجات القسوة والإقصاء، نجد أن الكفار والمحتلين واليهود الصهاينة يسلمون تماماً من عاديتهم، بل ويحظون أحياناً بفتواوى تدعو إلى مهادنتهم وتحريم مقاطعتهم أو مجاهدتهم، في انحراف قيمي وسلوكي غريب لا يمكن أن يصدر عن منهج يستنير بحق بنور الوحي وسيرة السلف الصالح الذين كانوا أشداء على الكفار رحماء بينهم.
وتأسيساً على ما تقدم من شواهد تاريخية ودلائل علمية واستقراء للواقع، فإن الواجب يحتم على كل مسلم يبتغي السلامة لدينه وعقيدته أن يعمل عقله الحر، وينظر بعين البصيرة المستنيرة، ويستفتي قلبه الفطري السليم، ليتجاوز القشور والشعارات المضللة ويصل إلى اللباب، فيدرك يقيناً أن المنهج السلفي الحقيقي بريء كل البراءة من هذا الغلو والتطرف والتمذهب الضيق حول أشخاص المتأخرين، وأن إرث الأمة الإسلامية أوسع وأرحب من أن يختزل في مدرسة نجدية أو اختيارات تيمية، فالإسلام الأصيل هو رسالة رحمة للعالمين، تجمع الكلمة، وتحفظ الهوية، وتحمي الدماء، وتعلي من شأن العلم والعلماء في كل عصر ومصر دون إقصاء أو تكفير لعموم الموحدين.