نهاية رجلٍ لم تنتهِ ما دام جريان الدم الحرام
18 يونيو، 2026
الوهابية ومنهجهم الهدام

المقال الثانى والثلاثون من سلسلة رواية (قرن الشيطان)
للكاتب / محمد نجيب نبهان
كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي
لم يكن محمد بن عبد الوهاب مجرد رجلٍ من نجد، بل كان انشطارًا في بنية التاريخ.
رجلاً كتب فكرًا، وترك بعده حرائق لا تعرف رمادًا.
حين لفظ أنفاسه في تلك الحمامات المهجورة، كان مخلوعًا من سلطته، منهكًا من دعوته، متورم القدمين، محطم القلب.
الذي بدأ رحلته طالب علمٍ يكتب الحاشية على المتون، مات دون أن يجد من يقرأ له الفاتحة من أبنائه، ولا حتى من يسقيه كوب ماء في احتضاره.
مات، كما تموت الأشجار في الصحراء: واقفة، يابسة، متفتتة تحت سماءٍ بلا غيم.
لم يكن موتًا عاديًا.
كان انسحابًا من التاريخ بصمتٍ متروك لعدسات الرواة ومقصات الساسة، انسحابًا كُتب عليه أن لا يُصدق، وأن لا يُنسى، وأن يُعاد كتابته كلما أرادت دولة أن تبني نفسها من رماد رجل، أو أن تبرر مذبحة باسم “العودة إلى التوحيد”.
كان جسده ملفوفًا بخرقة من صوف قديم، يُقال إن أحد الخدم هو من وجده ميتًا بعد أن لاحظ أن الماء لم يتحرك في قِدر الحمام منذ ليلتين.
لا صلاة جنازة مهيبة، لا تابوت مذهّب، لا وداع على منبر، لا جماهير تبكي…
كل شيء تم على عجل. وكأنّ الرجل الذي شقّ نصف الجزيرة، لم يكن يومًا سوى ظلٍّ تلاشى.
ولم تمضِ أعوامٌ حتى تغيّرت الرواية:
“مات شهيدًا!”
“قُتل غدرًا!”
“رأى النبي في المنام وقال له: حان وقت الرحيل!”
لكن الحقيقة كانت أبسط، وأقسى.
مات منبوذًا، لأنه صنع دعوةً أكبر من الحياة، وأصغر من الإنسان.
في أحد دفاتر النسب في الدرعية، وجدت عبارة بخطّ أحمر على اسم الشيخ:
“صاحب الفكرة التي أكلت صاحبها.”
وقد علّق عليها أحد الكتبة في الهامش، بعد سبعين عامًا:
“كل نار تبدأ بسراج. والسراج لا يبقى.”
سقطت الدولة، وقامت ثانية، وثالثة، ودائمًا كان اسمه يُبعث معها من بين القبور.
لكن السؤال الذي لم يجد له تلامذته جوابًا:
هل كان يعلم الشيخ إلى أين ستصل دعوته؟
هل كان يتصور أن تُذبح العوائل لأن أحدهم زار قبر أمه؟
أن تُجلد الفتيات لأن شعرهن انكشف لحظة ريح؟
أن يُهدم تاريخ أمة، لأن “السنة” لم ترد بوضوح؟
أن تُمحى مكتباتٌ كاملة، لأن فيها كتابًا عن التصوف؟
أن يتحول التوحيد إلى “عقيدة الخوف”، وأن يصبح الدين “مدرعة” يقودها من يصرخ أكثر؟
كان الرجل يريد إصلاحًا… لكن أدواته كانت قنابل.
وكان يطلب معرفة… لكن مفاتيحه كانت تكفيرًا.
وكان يبحث عن الله… لكن أتباعه وجدوا “عدو الله” أسهل في الوصول.
وتروي امرأة عجوز من أهل عنيزة، أن جدّها كان يقول وهو يُشير إلى السماء:
“يا بنتي، الشيخ أراد أن يردّ الناس إلى ربهم،
لكنّ قومه ردّوا الناس إلى القبر.”
وفي حفر الباطن، نقش أحد المعلمين بيتًا من الشعر على الحائط الخلفي للمدرسة:
“علّمونا أن نكفر الناس كي نكون مخلصين،
ثم سألونا: أين ضاعت الرحمة؟!”
ورغم كل شيء، بقي محمد بن عبدالوهاب… سؤالًا.
هل كان مُصلحًا؟ أم مُحرّضًا؟
هل كان مجددًا؟ أم مدمّرًا؟
هل كان واعيًا بمصير دعوته؟ أم ضحية جهل أتباعه؟
هل كتَب فكرًا حيًا؟ أم نصوصًا محنّطة؟
وهل كان يعلم… أن النار إن اشتعلت لا تعود تسأل من أشعلها؟
في عام 1932، حين أعلن عبدالعزيز آل سعود قيام المملكة العربية السعودية، كانت أولى خطبه بعد إعلان التوحيد السياسي تقول:
“نبني على ما بناه الشيخ، ونحكم بما أنزل الله، ونقيم الدولة على العقيدة.”
لكن صوتًا من بعيد، لم يسمعه أحد، قال:
“لكن هل سألتم أنفسكم ما بقي من الشيخ؟
وهل هو الشيخ… الذي مات في الحمام؟
أم الذي يحيى اليوم في بنادقكم؟”
مرّت القرون، وذهبت الدولة الأولى، والثانية، والثالثة…
لكن السردية لم تتغير.
محمد بن عبد الوهاب ظلّ طيفًا في كل خطبة جمعة، وورقة في كل كتاب مدرسي، واسمًا في كل فتوى.
ولم يُسمح أبدًا بأن يُقرأ كرجلٍ فقط.
بل ظل يُقرأ كـ”معجزة”، كـ”مُلهَم”، كـ”أسطورة”.
بينما الحقيقة كانت تتكئ على عكازٍ صدئ في زاوية مهجورة من الحمام الذي مات فيه.
وها هو اليوم، القرن الواحد والعشرون، ولا يزال الجدل حيًا،
يقتتل الناس على قبره، ولا أحد يعرف موقعه بدقة.
تُقرأ كتبه، ولا أحد يجرؤ على نقدها.
يُلعن أعداؤه، دون أن يُسأل أحد: هل كان له خصوم أم أصحاب فكر مختلف؟
والشيخ… لا يُجِيب.
لا لأنه اختار الصمت، بل لأنه مات وهو يحاول أن يُفهم نفسه.
فيا محمد بن عبدالوهاب،
أيها الرجل الذي أحرق نفسه باسم الله،
أيها المُجدد الذي شُوهت صورته بين أنياب الفقهاء والساسة،
أيها البشري الذي حُمّل ما لا يُحتمل…
اعلم أنّ التاريخ لا يغفر، لكنه يتذكر.
وأنّ دعوتك، إن كانت قد ابتدأت من نور،
فقد احترقت في لهبٍ لا يُطفئه إلا ماء الصدق.
وأنّك إن كنت شهيد فكرة، فقد كنت أيضًا قتيلها.
وأنّك، يا شيخ الصحراء، لم تُهزم من عدوك، بل من ظلك.
فالسلام على من وعى…
والسلام على من بكى…
والسلام على من أدرك، في لحظة متأخرة،
أنّ أقسى الهزائم… هي التي تبدأ بالنصر.