هل تقبل الوهابية والسلفيين التفويض؟ الجزء الاول

المقال الخامس عشر من سلسلة ( الوهابية مقدمة الدجال )

بقلم الدكتور/ احمد عبد الرحيم

الباحث فى التاريخ الإسلامى

من أعجب ما فى الشرع الحكيم ومن أجل خصائصه هو أنه يسيراً سهلاً مستساغاً للجميع حتى أدنى العقول شريطة سلامة القلب وحسن التوكل على الله سبحانه وتعالى.

ولذلك ترى أن التفويض هو أعلى الإعتقاد وهو مذهب السلف الصالح ولم يلجأ خلفهم إلى التأويل إلا للرد على المشبهين والمجسمين والمعطلين وغيرهم من الفرق التى لجت غمار هذه البحور المحرمة.

وترى اكبر علماء اهل السنة مفوضاً حتى وإن أوَّل ، وهو فى ذلك متساوٍ مع من يقرأ القرآن الكريم او يسمعه تعبداً يلتمس نوره وبركته ولا يتدبره.

وعلى الرغم من ان التفويض هو رد الأمر بأجمعه إلى الله سبحانه وتعالى ، واعلان العبودية المطلقة لله سبحانه وتعالى إلا أن ذلك لا يعجب الوهابيين وخلفهم من السلفيين والجماعات الإسلامية فهم يرومون الإثبات.

عند أول وهلة تتوهم أنه لا مشاحة وانهم يفوضون إذ أن التفويض هو رد الأمر كله الى الله سبحانه وتعالى وهو مقتضى الآية الكريمة ” وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ” آل عمران : 7 ، ولكن الوهابية والسلفيين يعدون ذلك التفويض تعطيلاً وأنهم يقصدون بالإثبات هو اثبات ما يقتضيه ظاهر الآيات وأحاديث الاحاد وغيرها من إثبات الصورة والحد واليد والاصابع والكف والرجل والساق والقدم والعين والحقو والرأس والشعر وغير ذلك لله عز وجل تعالى الله سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً.

فهم ضد التفويض على طول الخط ، وينابذون من يفوض العداء ويتهمونه فى دينه، فانك إن ذكرتهم بأن التفويض هو عقيدة السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم ، فتراهم يأبون ذلك ويتمسكون بأن مذهبهم هو اثبات ظاهر الآيات، فان ذكرت لهم قول الامام مالك وهو رأس مدرسة الحديث ذكر ابن عبد البر فى التمهيد “ان مالك بن أنس سئل عن الحديث ” إن الله ينزل في الليل إلى السما الدنيا” فقال مالك: يتنزل أمره” أقاموا الدنيا ولم يقعدوها ويقولون مأول ويتعدون على شيخ أهل المدينة وإمام المالكية الإمام مالك بن أنس بسئ القول ويستطيلون عليه وعلى جميع من يتأول كتاب الله!

فإنك إن ذكرت لهم أنهم أكثر الأمة تأويلاً لأيات الذكر الحكيم ثاروا عليك وكذبوك وطلبوا الدليل.

فانك ان جادلتهم فى قولهم إن الله بذاته فى السماء وله حد وضربت لهم مثلاً جدلياً فى هذه المسألة بقوله تعالى ” فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ” البقرة 115 تأولوها ولم يأخذوا بظاهر الآية ، وإن ذكرت لهم قول الله تعالى ” وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ” الحديد : 4 تأولوها ولم يأخذوا بظاهر الآية ، وإن ذكرت لهم قول الله تعالى ” وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ” الزخرف : 84 تأولوها ولم يأخذوا بظاهر الآية.

فالامر اذن واضح أشد الوضوح ، وهو أنهم يلتمسون نصرة مذهبهم بأى طريقة وبأى ثمن ، ولو بلوىِّ أعناق الحقائق والمسلمات العقلية ، فهم يكثرون التأويل ، ويستندون الى أحاديث الآحاد والأحاديث الضعيفة والأحاديث الموقوفة بل وبعض ما تحدث به أهل الكتاب واستدلوا بالتوراة وبالإسرائيليات، كل ذلك فى سبيل ماذا ؟ فى سبيل تجسيم الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا.

فهم موفقون فى التفرقة وإساءة الفعل كما فى الحديث الشريف “سيكون في أُمَّتِي اختلاف وفرقة، قوم يحسنون القيل، ويسيئون الفعل، يقرءون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرَّميَّة، لا يرجعون حتى يرتدَّ السهم إلى فُوقه، وهم شرار الخلق والخليقة”.

واعلم انهم بشدة اصرارهم على نسبة الجوارح لله سبحانه وتعالى إنما يبثون الفرقة والخلاف بين أطياف الأمة الاسلامية، ويعجلون من أحداث النهاية على نحو ما نراه فى هذه الأيام ، روى عن محمد بن الحنفية رضي الله عنه قال: لا تنقضي الدنيا حتى تكون خصومتهم في ربهم” وقال رواية أخرى: “إنما تهلك هذه الأمة إذا تكلمت في ربها”.

وعلى الرغم من انكار الوهابية والسلفية تفويض السلف الصالح لما تشابه من آيات القرآن الكريم والسنة النبوية ، فإننا وفى هذا المقام نذكر بعض أقوال ساداتنا أهل العلم من السلف الصالح فى التفويض:

قال البيهقي في (الاعتقاد) عن ابن عيينة ـ ولد فى 107 هـ وتوفى فى 198 هـ ـ “كل ما وصف من نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه”.

وقال ابن حبان ـ ولد فى 270 هـ وتوفى فى 354 هـ ـ في (صحيحه) : “ومن زعم أن السنن إذا صحت يجب أن تروى ويؤمن بها من غير أن تفسر ويعقل معناها، فقد قدح في الرسالة، اللهم إلا أن تكون السنن من الأخبار التي فيها صفات الله جل وعلا التي لا يقع فيها التكييف بل على الناس الإيمان بها”.

وقال البيهقي ـ ولد فى 384 هـ وتوفى فى 458 هـ ـ في (الاعتقاد) : “منهم من قبله وآمن به ولم يؤوله، ووكل علمه إلى الله”.

وقال أبي المعالي الجويني ـ ولد فى 419 هـ وتوفى فى 478 هـ ـ في (العقيدة النظامية) : “وتفويض معانيها إلى الرب تعالى”.

وقال البغوي ـ ولد فى 433 هـ وتوفى فى 516 هـ ـ في (معالم التنزيل) : “ويكل علمه فيه إلى الله عز وجل”.

وقال الشهرستاني ـ ولد فى 467 هـ وتوفى فى 548 هـ ـ في (الملل والنحل) : “ووكلنا علمه إلى الله تعالى”.