التفويض والتأويل الجزء الثانى

المقال الرابع عشر من سلسلة ( الوهابية مقدمة الدجال )

بقلم الدكتور/ احمد عبد الرحيم

الباحث فى التاريخ الإسلامى

واعلم ان التفويض لا يقدر عليه إلا من صفا قلبه وسلم أمره الى الله سبحانه وتعالى وآمن به إيماناً خالصاً ، وهو حال أكثر المسلمين من علماءهم وعوامهم على السواء ، فهم جميعاً لا يجدون غضاضة فى تفويض أمر هذه النصوص الى الله سبحانه وتعالى ، ولكن هناك البعض الذين جادلوا وطلبوا الدليل العقلى لا الإيمانى ، وذهبوا مذاهباً شكلت كوارث فرقوا بها المسلمين وفتنوا بها الناس ، فكان لابد من التعرض للآيات وشرح معانيها بما تحتمله اللغة وتقتضيه آيات القرآن المحكمات وما ركَّبه الله فى العقل من وجوب تنزيه الله سبحانه وتعالى عن كل نقص، ولكن جماعة جادلت وأكثرت الجدل فى نسبة الجسمانية الى الله سبحانه وتعالى ، صرحوا بذلك أو لمحوا به فى اثبات الجوارح من يد وعين وفم ورجل وساق وقدم وقعود وجلوس ونزول وعلو واستلقاء ووجه وصورة أنسان.

لقد لفق هؤلاء أحاديث موضوعة ، واستندوا الى أحاديث آحاد وضعيفة وموقوفة ، وهم أكثر من تأول الأحاديث وآيات القرآن الكريم كل ذلك فى سبيل اثبات الجسمانية لله سبحانه وتعالى، وانتحلوا الحِيَّل حتى يدلسوا على الناس ويمرروا عقائدهم الفاسدة والتى هى عين النقص تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا.

واعلم انك وأنت ترى نفسك وترى غيرك فإن الجانب الجسمانى فى ابن آدم هو أحط جوانبه وأنقصها ، فابن آدم لا يتكون من جسم فقط بل يوجد فيه جواهر كثيرة منها:

ـ الروح .

ـ القلب.

ـ العقل.

ـ النفس

ـ  السر.

ولكن دعك عن هذا فلنقل ما يجمع عليه كل البشر من أنه يوجد فى الانسان جسم وروح وعقل ، فبالله ما هو أحط هذه الجواهر ان سمينا الجسد جوهراً على سبيل الجدل، وها هو يمرض ويموت ويتحلل ويفنى ويصير قاذورات وها هو يحتاج للأكل والدواء ثم ما هى طريقة توالده ، ثم تراه يحيل شريف الطعام فضلات مستقذرة.

يختبأ ابن آدم فى اليوم مرات عن أعين أبناء جنسه حتى يخرج فضلاته خلسة عن بنى جنسه لشدة قذارتها ، ثم تراه يتخلص منها وكأنها عاراً ، ثم أنه كله عورات ان اغتسل احتجب عن أعين الناس ، يبلى جسده غالى الثياب ، ثم هى لا تلبث أن تغسل لما خالطها من جسده ، ثم تراه عندما يموت ابن آدم ويصير جسداً لا روح فيه لا يكون هو ذلك الشخص قبل وفاته بل يصير جثة حتى اسمه يرتفع مع روحه حتى أن مغسله ومقبره وملحده ينادى ويقول الجثة الجثة ، ثم الى ماذا يصير؟

يصير تراباً بعد أن يتحلل ويصير دوداً وعفناً ، غير الروائح التى يتأذى منها حتى السوائم.

واعلم أخى الكريم الله سبحانه وتعالى من شديد كرمه وعظيم بره أنه يتقبل منا العبادات على حالتنا هذه ، فانك ان أحدثت قبل الصلاة أو اثناءها بأن خرج منك بول أو ريح أو غائط ، بطل وضوءك وبطلت صلاتك حتى تتطهر بالوضوء مرة أخرى وانك ان مست جسدك أو ثيابك أى من هذه النجاسات فان صلاتك باطلة حتى تتطهر بأن تزيلها من جسدك أو ثيابك وكذلك اذا خرج منك الدم أو اصاب ثيابك فنفس الأمر!

آلا تدرى أن جميع هذه الأشياء موجودة داخل جسدك قبل الوضوء واثناءه وقبل الصلاة وأثناءها ، ومع ذلك فان الله سبحانه وتعالى يقبل صلاتك على الرغم من احتواء جسدك على جميع تلك الخلائط ، فسبحان الله العظيم على شدة بره وكرمه.

بعد ذلك ؟ ما هو موقع الجسد فى ابن آدم وأيهما أطهر وأشرف الروح أم الجسد؟ أم العقل أم الجسد ؟ أم القلب أم الجسد؟

واعلم أخى الكريم أن وهابية وما تولد عنهم من فرق كالسلفية فى هذا العصر هم ورثة اليهود ميراثاً تاماً ،

فهم لم يقعوا فى الله سبحانه وتعالى فقط ونسبوا اليه الجسمية وصفات المخلوقين له سبحانه وتعالى فقط.

فتراهم وقعوا فى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسبوا اليه أنه طارش وان عصا أحدهم تنفع عنه صلى الله عليه وسلم ، وانه يخطأ كغيره ولا يؤخذ جميع قوله.

وتراهم وقعوا فى والدى النبى صلى الله وسلم وجده فقالوا أنهم فى النار واكثروا من ذلك حتى انهم لا تركون مجالاً إلا ويعرضون بأبوى النبى صلى الله عليه وسلم.

وتراهم وقعوا فى آل بيت النبى صلى الله عليه وسلم وفى أصحاب العباءة ويهمزون الإمام الحسين رضى الله عنه وأرضاه  ويتهمونه بالخروج على الحاكم واستحقاقه ما حدث بكربلاء، ويلتمسون كل عذر لقاتله.

وتراهم يقعون ولا يزالوا فى أولياء الله سبحانه وتعالى فى مشارق الأرض ومغاربها وينسبون لهم كل نقص ويعدونهم أنداداً لله سبحانه وتعالى كالأوثان والأصنام ، ويكفيك ما ينسبونه لإمام أهل السنة والجماعة السيد احمد البدوى رضى الله عنه وأرضاه من بهتان عظيم.

وتراهم يقعون فى محبى اولياء الله سبحانه وتعالى ويصفونهم بانهم مشركين وقبوريين وعباد قبور ومبتدعين وكفار.

وتراهم يقعون فى جماعة المسلمين ويصفونهم بأنهم أشاعرة زنادقة ضُلَّالاً مبتدعة.

حتى انك تراهم يقعون فى بعضهم البعض ، ويصفون بعضهم البعض بما وصفوا به غيرهم من البدعة والشرك والكفر والضلال ، وذلك عند رصدهم أدنى مخالفة لما استقرت عليه أحدى فرقهم ويكون نتيجة لذلك انقسام الفرقة الى فرقتين أو اكثر ولا يلبثون حتى تنابذ كل فرقة أختها بالعداء ثم ترميها بالشرك والكفر.