جيوش الاقتصاد والمال

المقال الحادى والعشرون من سلسلة ( ماسونيات ـ جيوش الظل )

للكاتب / محمد نجيب نبهان

كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي

حين نتأمل في تاريخ الهيمنة العالمية منذ القرون الوسطى حتى يومنا هذا، ندرك أن أخطر سلاح استعملته الإمبراطوريات ليس المدافع ولا الأساطيل، بل المال، أو بالأحرى: السيطرة على المال. لقد كان السيف يفتح الطريق، لكن البنوك كانت تبني السلاسل التي تُقيد الشعوب إلى الأبد. وإذا كان الاستعمار العسكري قد غادر كثيرًا من أوطاننا، فإن الاستعمار المالي لا يزال جاثمًا على صدورنا، عبر أنظمة مصرفية عالمية صُممت لتجعل الأمة أسيرة للديون، غارقة في الربا، مكبلة بقرارات لا تملك منها فكاكًا. إنه جيش الظل الاقتصادي الذي لا يُرى، لكنه أشد فتكًا من جيوش الاحتلال.

الاحتكار البنكي والربا:

بدأت القصة مع نشوء البنوك الكبرى في أوروبا بعد عصر النهضة، حيث تحولت الربا – التي كانت تُعد خطيئة في المسيحية قبل الإسلام – إلى قاعدة من قواعد الاقتصاد الحديث. ومع تأسيس عائلات مصرفية كعائلة روتشيلد وروكفلر، بدأ يتشكل نظام عالمي جديد يُحكم قبضته على التجارة والديون. ومع كل حرب، كان المنتصر هو المصرفي، لا الجندي: الجيوش تُفنى، لكن البنوك تُقرض وتربح وتزداد نفوذًا. ومع مرور الزمن، صار واضحًا أن من يملك البنك لا يحتاج إلى غزو البلاد، بل يكفي أن يُقرضها، ليحكمها عبر أقساط الدين وفوائد الربا.

وحين دخل الاستعمار إلى بلادنا في القرنين التاسع عشر والعشرين، لم يكن هدفه الأرض فقط، بل إدخالنا في منظومة الديون العالمية. فها هو الاحتلال الفرنسي لمصر يفرض على الخديوي ديونًا هائلة، ثم يجعل “صندوق الدين” الأوروبي المتحكم الفعلي في الاقتصاد المصري. وها هي الدولة العثمانية نفسها تُستنزف بقروض أوروبية، حتى صارت رهينة “إدارة الديون العثمانية”. كل ذلك جرى عبر البنوك لا عبر المدافع، ومعه بدأت الأمة تُفقد سيادتها الاقتصادية خطوة بعد خطوة.

لكن الأخطر جاء مع القرن العشرين، حين تأسس النظام المالي العالمي الحديث عبر مؤسسات كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، تحت هيمنة أمريكا وحلفائها. هذه المؤسسات لم تكن في حقيقتها أدوات مساعدة للشعوب الفقيرة، بل أدوات لإخضاعها. فكل قرض يُمنح مشروط بإصلاحات اقتصادية تعني عمليًا: رفع الدعم عن الفقراء، خصخصة الممتلكات العامة، فتح الأسواق للشركات الأجنبية، وربط الاقتصاد المحلي بالدولار. وهكذا لم يعد الشعب سيد قراره، بل صار يعيش وفق وصفة تُكتب في واشنطن أو بروكسل، ويُفرض تنفيذها عبر ضغط البنك.

السيطرة على رقاب الشعوب :

إن الربا في هذا السياق لم يعد مجرد معصية فردية، بل صار سلاحًا جماعيًا يُستخدم للهيمنة على الشعوب. فكل مليار دولار يُقرض بفائدة، يتحول إلى سلسلة من الإجراءات التي تمس حياة الملايين: مدارس تُغلق، مصانع تُباع، عملات تنهار، أجور تتآكل. وكل ذلك باسم “الإصلاح الاقتصادي”. لقد صار الدين أداة لاستعمار جديد: استعمار لا يُنزل جنودًا إلى الشوارع، بل يُنزل بعثات “خبراء” يقررون للبلد كيف يعيش ويأكل وينتج.

وإذا أضفنا إلى ذلك الاحتكار البنكي الداخلي، رأينا كيف تُدار لعبة السيطرة على الشعوب من الداخل والخارج معًا. فالمصارف المحلية في بلادنا لم تكن يومًا مستقلة، بل مرتبطة بالبنوك العالمية، تُعيد إنتاج النظام نفسه: تقرض الأغنياء وتُثقل كاهل الفقراء، تمول المشاريع الاستهلاكية وتُهمل المشاريع الإنتاجية، تفتح الباب للشركات الأجنبية وتغلقه في وجه المبادرات المحلية. وهكذا صار البنك في الداخل شريكًا للمستعمر في الخارج، وكلاهما يعملان كجناحين لجيش ظل واحد: جيش الربا.

إن خطورة هذا الجيش أنه يُخضع الشعوب طوعًا. فحين يدخل بلد في دوامة الديون، لا يحتاج المستعمر إلى احتلاله. يكفي أن يطالبه بسداد الفوائد، ثم يُملي عليه سياساته. ولأن الشعوب لا ترى المدافع ولا الطائرات، فإنها لا تدرك أنها محتلة، فتعيش في وهم السيادة بينما هي مقيدة من رأسها إلى أخمصها. وهذا هو جوهر جيوش الظل: السيطرة من دون أن يُدرك الناس أنهم مسيطر عليهم.

لقد حذر الإسلام منذ البداية من الربا لأنه عبودية مقنّعة. لكن حين تركت الأمة هذا التحذير، وقبلت الدخول في المنظومة الربوية، وجدت نفسها أسيرة لا لسلاح الأعداء، بل لسلاحها هي: فقد باعت استقلالها مقابل قروض استهلاكية، وأهدرت مقدراتها مقابل أرباح وهمية للبنوك. واليوم، صارت معظم دولنا تعيش تحت رحمة مؤسسات مالية عالمية، لا تستطيع أن تقرر سياساتها دون إذن المقرض.

وهكذا يتضح أن الاحتكار البنكي والربا ليسا قضية اقتصادية فقط، بل هما معركة وجودية. فمن يملك المال يملك القرار، ومن يسيطر على البنوك يسيطر على الشعوب. لقد تحولت هذه المؤسسات إلى جيوش ظل لا تحمل السلاح، لكنها تُسقط الحكومات وتبني الأنظمة، وتقرر مصائر ملايين البشر بضغطة زر. وإذا أرادت الأمة أن تتحرر حقًا، فعليها أن تبدأ من هنا: أن تكسر قيود الربا، وأن تعيد بناء اقتصادها على أساس العدل والإنتاج لا الديون والفوائد.