كيف ينقص الدين ونحن أحياء
25 أغسطس، 2026
بستان الصالحين

بقلم الدكتور / مدحت علي وربي
من علماء الازهر الشريف ووزارة الاوقاف المصرية .
الحمد لله الحي الباقي، الذي أضاء نوره الآفاق، ونستعينه على الصعاب والمشاق،ونعوذ بنور وجهه الكريم من ظلمات الشكِّ والشرك والشقاق،ونسأله السلامة من النفاق وسوء الأخلاق، والصلاة والسلام علي عبده ورسوله المتمم لمكارم الأخلاق.
أينقص الدين وأنا حيٌّ؟!
كلماتٌ قالها سيدنا أبو بكرٍالصديق رضي الله عنه في أحلكِ ظروفِ المسلمين.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: َلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَظُمَتْ بِهِ مُصِيبَةُ الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَتْ أمُّنا عائشة، تَقُولُ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْتَدَّتْ الْعَرَبُ، وَاشْرَأَبَّتْ َ- طلعت- الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةِ، وَ نجم -ظهر- النِّفَاقُ، وَصَارَ الْمُسْلِمُونَ كَالْغَنَمِ الْمَطِيرَةُ فِي اللَّيْلَةِ الشَّاتِيَةِ، لِفَقْدِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لقلت عددهم وكثرة عدوهم ؛حَتَّى جَمَعَهُمْ اللَّهُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ،فقالها الصِّدِّيقُ : أينقص الدين وأنا حيٌّ؟!
وقتَ امتناعِ الكثيرمن القبائل العربية إرتدوٱ عن الزكاة بعد وفاة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فلم يحتمل عقلُه كيف ينقصُ الدينُ وهو حيٌّ.
قالها الصديق رضي الله عنه: (أينقص الدين وأنا حيٌّ؟!) وهو موقنٌ أنه مسؤولٌ عن نصرة الدين.
وقف الصديق رضي الله عنه وقال:«إنه قد انقطع الوحي، وتمَّ الدين، أينقص وأنا حيٌّ؟!» وأصرَّ على قتال المرتدِّين، ولم يقل إن الظروف صعبة، والصحابة في حالة حزن، والجيوش غير مؤهَّلة ؛ فكانت حروبُ الرِّدَّة التي حفظ الله بها الدين، وكسر شوكة القبائل الباغية.
أيها الأحباب : تعالوا لنرفع هذا الشعار: أينقص الدين وأنت حي ، فكل مسلم مسؤول عن هذا الدين العظيم .
فكونوا إيجابين واحذروا السلبية وإياكم أن تكونوا؛ كهذا الطفيلي الذي صحب رجلًا في سفره، فقال له الرجل: امض اشتر لنا لحمًا.
فقال الطفيلي: والله لا أقدر، فمضى الرجل فاشترى اللحم ، ثم قال للطفيلي: قم فاطبخ.
فقال الطفيلي:لا أحسن الطبخ، فطبخ الرجل، ثم قال له: قم فانظرهل طاب الطعام ، فقال الطفيلي: والله إني كسلان، فذهب الرجل، ثم قال للطفيلي: قم الآن فاغرف فقد طاب الطعام واستوي .
فقال الطفيلي: أخشى أن ينقلب على ثيابي، فغرف الرجل، ثم قال له الآن: تقدم وكُلْ.
فقال الطفيلي: قد – والله – استحييت من كثرة أعذاري، وتقدم فأكَل! فماذا تسمونه هذا الطفيلي ؟ وبماذا تُسمون مَن قلَّد صنيعه؟.
إنها البلادة والكسل والسلبية المتناهية، عافانا الله وإياكم ، فلا تكونوا ممن يحملهم الإسلام ولكن كونوا ممن يحمل هم الإسلام قائلين: (أينقصُ الدِّين ونحن أحياء )؟!
وما أصاب الأمَّة مِن خَرَاب الذمم وفساد الأخلاق، وظلام في الضمائر وتبلُّد في المشاعِر،وتلاشي الفضيلة، وانتشارالرَّذيلة، كلُّ ذلك حدَث عندما غابتِ الإيجابيَّة، وتربَّعتِ السلبيَّة.
يا أحباب النبي الكريم نحن لم نأتي إلى الدنيا لنعيش كما تعيش الأنعام، ثم نخرج بلا أثر، وإنما جاءنا في هذه الحياة ليقوم بتبليغ رسالة الله تعالي للدنيا ، ويترك فيها بصمته ؛ لأن دعوة الإسلام لا تنتصر بالكسالى ولا بأصحابِ المنافع، ولا بأرباب المصالِح، ولا بطلَّاب الدنيا، ولا بالباحثين عن الأضواءِ والشُّهرة، ولا بالمعطِّلين للدعوة الصادِّين عن سبيل الله.
وقد تعلم أبو بكر الصديق الإيجابية من أول يوم فكان إيجابيًّا بدرجة لا يمكن وصفها ولا تخيلها، أبو بكر الصديق تحرّك بالدعوة وكأنها أنزلت عليه هو، ففي أول تحرك للصديق أتى للإسلام بمجموعة رائعة من المسلمين الجدد، من المؤكد أن أغلب المسلمين يعرفون قدرهم، وما قدموه للإسلام، وهؤلاء الخمسة من العشرة المبشرين بالجنة، وكلهم في ميزان حسنات أبي بكر الصديق.
من المؤكد أن علاقات الصديق كانت قوية جدًّا، ووثيقة جدًّا بهؤلاء قبل الإسلام، من المؤكد أنهم كانوا يحبونه حبًّا عظيمًا. والعلاقة بينهم هي الحب ، ثم إنهم جميعا شباب :
1- الزبير بن العوام خمس عشرة سنة.
2- طلحة بن عبيد الله ست عشرة سنة.
3- سعد بن أبي وقاص سبع عشرة سنة.
4- عثمان بن عفان ثماني وعشرون سنة.
5- عبد الرحمن بن عوف ثلاثون سنة.
كل هؤلاء أخذوا قرار تغيير الدين – ترك الأصنام – والارتباط بالإسلام وتحمل المشاق ومواجهة أهل مكة جميعًا، أخذوا هذا القرار وهم في هذه السن المبكرة.
ذلك أن الصديق يشعر؛ بأن الدعوة دعوته، فهو لا يضيع وقتًا، ولا يضيع فرصة، ومن هنا سبق الصديق الصحابة جميعا .
ولو شعر كل واحد منا بأن هذا الدين هو دينه وأنه مسئول عنه، وشعر بالغيرة الحقيقية على دين الإسلام كما شعر بذلك أبو بكر الصديق لاستطاعنا أن نصل بهذا الدين إلى قلب كل إنسان علي وجه الأرض .
والصديق رضي الله عنه لم يترك بيته، فالصديق لا يعاني من المرض الذي يعاني منه بعض الدعاة، يعلمون الناس الإسلام، ويتركون دعوة أهلهم، وهم أحوج الناس لهم، كما قال الحق تبارك وتعالى يقول في ذلك: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) } [التَّحريم: 6].
إنما ذهب الصديق إلى بيته وأدخل في الإسلام أهل بيته فدعا زوجته أم رومان وأولاده أسماء وعبد الله فآمنوا، أما السيدة عائشة فولدت في الإسلام، والابن الأكبر عبد الرحمن تأخر إسلامه إلى عام الحديبية.
– أعتق الصديق غلامه عامر بن فهيرة بعد أن دعاه إلى الإسلام وأسلم .
– وكذلك دعا الصديق سيدنا بلال بن رباح إلى الإسلام فأجاب، ثم اشتراه وأعتقه في سبيل الله.
وهذه الإيجابية: التي تعلمها أبو بكر رضي الله عنه من أول يوم إسلام ، لم يكتف بأن يجلس في بيته، ويقول: إن رسول الله صلي الله عليه وسلم هو المكلف وحده بتبليغ الرسالة لجميع الناس .
وقد وصل في الإيجابية إلى قمَّة الإيجابيَّة والمبادرة ، فقد جاء بمالِه كلِّه، ووضعُه في حجر رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم،عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: وَعِنْدِي يَوْمَئِذٍ مَالٌ كَثِيرٌ؛ فَقُلْتُ: وَاللهِ! لَأَفْضُلَنَّ أَبَا بَكْرٍ هَذِهِ الْمَرَّةَ. فَأَخَذْتُ نِصْفَ مَالِي وَتَرَكْتُ نِصْفَهُ، فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَقَالَ: «هَذَا مَالٌ كَثِيرٌ؛ فَمَا تَرَكْتَ لِأَهْلِكَ؟» .
قَالَ: قُلْتُ تَرَكْتُ لَهُمْ نِصْفَهُ.
وَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِمَالٍ كَثِيرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا تَرَكْتَ لِأَهْلِكَ؟» ، قَالَ: تَرَكْتُ لَهُمُ اللهَ ورسوله [المجالسة وجواهر العلم/5/ 383)] .
ومن أجَلِّ مواقف «أبى بكر» تصديقه للنبى – صلى الله عليه وسلم –
فى حادث الإسراء والمعراج ، فقد صدَّق أمْرَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قائلا : ” إنِّي أُصدِّقه في خبَر السماء، يأتيه في ساعةٍ مِن ليْل أو نهار ” ؛ لذلك قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: 33]، (موسوعة سفير للتاريخ الإسلامي/1/ 68).
وعند وفاة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم قام الصديق فطمْأنَ القلوب المضطربة، وثبَّت النفوس المتردِّدة، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ رَبَّ مُحَمَّدٍ فَإِنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ لَا يَمُوتُ، ثُمَّ قَرَأَ: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144] .
وهو الذي أنْفذ بَعْثَ أسامة قائلاً:« وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي بَكْرٍ بِيَدِهِ، لَوْ ظَنَنْتُ أَنَّ السِّبَاعَ تَخَطَّفَنِي لأَنْفَذْتُ بَعْثَ أُسَامَةَ كَمَا امر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وَلَوْ لَمْ يَبْقَ فِي الْقُرَى غَيْرِي لأَنْفَذْتُهُ!» (تاريخ الطبري /3/ 225).
وهو الذي حاربَ المرتدِّين ومانعي الزكاة قائلاً: «أينقصُ الدِّين وأنا حيٌّ، واللهِ لو منعوني عقالَ بعِيرٍ، لَجالدتُهم عليه ، والله لو منعوني عقال بعير لقاتلتهم عليه»«أوضح التفاسير» (1/ 50).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مَنْ أَصْبَحَ الْيَوْمَ مِنْكُمْ صَائِمًا؟ “.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. قَالَ: ” مَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا”
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. قَالَ: “مَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً”.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ أَنَا.
قَالَ: ” مَنْ أَطْعَمَ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ “.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا.
قَالَ مَرْوَانُ : بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” مَا اجْتَمَعَ هَذِهِ الْخِصَالُ فِي رَجُلٍ فِي يَوْمٍ، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ”»(صحيح الأدب المفرد/ ص195).
هكذا كانت الإيجابيَّة تصاحِب أبا بكر رضي الله عنه في كلِّ مكان.
فما أحوجنا في زمن تتكالب فيه الفتن وتتفرق فيه الأمة شيعًا وأحزابًا، وجماعات أن ؛ يقف المسلم الحق ليسأل نفسه سؤالًا يهز قلبه: هل ينقص الدين هذا وأنا حي؟ .
هذا السؤال لم يكن يومًا مجرد عبارة عابرة، بل هو موقف ، وشعور بالمسؤولية تجاه دين الله عز وجل، فإن من يرى الباطل ينتشر، والجهل بالدين سائد، وتشتد التفرقة بين أبناء هذه الأمة، ثم لا يتحرك في قلبه خوف على دينه وقيمه وأمته، فقد خسرأعظم معنى لوجوده في هذه الحياة ‘ كما قال الله تعالى: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ [البقرة: 74].
يا شباب الإسلام، يا جيل الغد الذي تعلّق عليه الأمة والإنسانية جمعاء آمالها، اعلموا أن التمسك بالدين ليس تشددًا، ولا الدعوة إليه تطرفًا، بل هي حياة القلوب وسبب عزّة الأمم.
فمن ترك الدعوة، ورضي أن يكون متفرجًا على انحراف الناس، كمن رأى النار تشتعل في بيت إخوته ولم يحرك ساكنًا، حتى انتشر الشرر إلى بيته فخسر أيما خسران ،و ندم ولات حين مندم .
فقد جاء الإسلام لينظم الحياة ويسعد البشرية جمعاء ويا له من دين لو كان له رجال إنه دين الفطرة ،قال تعالى: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم: 30].
فانظرإلى نفسك الآن واسألها:
هل أنا من هؤلاء؟ هل يتحرك قلبي حين أرى المنكر؟ هل ينطق لساني حين أرى التقصير؟ أم ألتزم الصمت والسلبية ، فمات في قلبي شعور الغيرة على دين الله !!
فهل لنا من أن نتوب ونعود لنرفع هذا الشعار الذي رفعه الصديق رضي الله عنه ” أيَنقُص الدين هذا وأنا حي: ؟