حين يصمت الجسد… من سيتكلم عنك
15 يوليو، 2026
بستان الصالحين
بقلم : أ . سيدة حسن
ماذا سيبقى منك بعد أن ترحل؟
يموت الجسد في لحظة، أما الأثر فقد يمتد عمره عشرات السنين، وربما بقي ما بقيت الدنيا. لذلك لم يكن السؤال الحقيقي يومًا: متى سيرحل الإنسان؟ وإنما: بأي شيء سيبقى بعد رحيله؟
إن الله تعالى لم يخلق عبدًا عبثًا، ولم يترك روحًا بلا حكمة، قال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾، وقال جل شأنه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. فلم يجعل معيار التفاضل كثرة الأعمار، وإنما جودة الأعمال، وحسن الأثر.
خلق الله مليارات البشر، ولم يخلق روحين متطابقتين. لكل إنسان باب فتحه الله له، ولكل قلب رسالة، ولكل نفس موضع في هذا الكون لا يملؤه سواه. فمن الناس من يفتح الله به القلوب، ومنهم من يفتح به العقول، ومنهم من يعمر بيتًا بالمودة، أو يربي ولدًا صالحًا، أو يجبر خاطرًا، أو يكتب كلمة تهدي حائرًا، أو يغرس خيرًا لا يرى ثماره في حياته، لكنه يلقاها يوم يلقى الله.
وقد علَّمنا رسول الله ﷺ أن رحلة الإنسان لا تنتهي بانقطاع أنفاسه، بل قد يبقى عمله جاريًا بعد موته، فقال: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له.» وكأن النبي ﷺ يلفت أنظارنا إلى أن العمر الحقيقي لا يُقاس بعدد السنوات، وإنما بما يمتد من الخير بعد انقضاء الحياة.
ولذلك كان أهل البصائر يخشون أن تمر أعمارهم دون أن يتركوا في الأرض شاهدًا عليهم. كانوا يعلمون أن الله لا يسأل العبد: كم صفق لك الناس؟ ولا كم عرفوا اسمك؟ وإنما يسأله عما قدم، وكيف عمر الأرض التي استخلفه فيها، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾؛ أي طلب منكم عمارتها بالخير والإصلاح.
فقد يعيش رجل مجهول بين الناس، لكنه معروف عند الله، لأن أثره ما زال يحيي القلوب بعد رحيله. وقد يملأ آخر الدنيا ضجيجًا، ثم لا يبقى منه إلا صدى انطفأ بانطفاء صوته.
قف مع نفسك لحظة، واسألها في صدق:
لو أذن الله بانتهاء رحلتك اليوم… فما الأثر الذي سيشهد لك غدًا؟
إن الدنيا رحلة قصيرة، ولكن آثارها قد تكون طويلة. فازرع فيها ما تحب أن تلقاه عند الله، فإن البذور التي تُغرس بإخلاص في أرض الدنيا، يزهر ثمرها في الآخرة.
وما أجمل أن يغيب الجسد عن العيون، بينما يبقى صاحبه حاضرًا في دعوة صادقة، أو علم نافع، أو قلب أحياه بكلمة، أو إنسان وجد طريقه إلى الله بسبب أثر تركه عبدٌ صالح، ثم مضى في هدوء، تاركًا خلفه ما يدل عليه، حتى يلقاه ربه وهو عنه راضٍ.