حين تعبرنا النسمة لتروي لنا حكايا الرياح والغيب والغرور
23 يوليو، 2026
بناء وتنمية الذات

بقلم د. تاليا عراوي عضو المجلس العالمي للأخلاقيات الطبية الإسلامية
وناشطة في مجال حقوق الإنسان
ليست ظهيرة منتصف الصيف مجرد درجة حرارة؛ إنها ثقلٌ ماديٌّ يجثم على الصدور. يضغط هذا القيظ على الجلد، ويغمر الأثير بسكونٍ ذهبيٍ كثيفٍ يبدو وكأنه يعلّق الزمن في مكانه. تغدو الشمس حضوراً فيزيائياً طاغياً؛ حجابٌ ثقيلٌ ومتلألئٌ ينسدل على العالم بأسره. كل شيء، من أوراق أشجار الزيتون المتدلية، إلى غبارٍ ناعمٍ وشاحبٍ يستقر على دروب الحديقة، يبدو وكأنه يحبس أنفاسه، حتى زيزان الصيف )هذه التي لا تهدأ في طنينها المعتاد( تصمت فجأة، وكأنها في انتظار أمرٍ قادمٍ من الأفق.
ثم يحدث ما لا تملكه الأيدي. تحولٌ طفيفٌ في الضوء، ولمسة باردة كأصابع خفية تعبر الجبين وتنساب خلف العنق. إنه النسيم؛ نسمةٌ من الرقة والسرعة والزوال، لا تكتفي بتبديد قيظ الجسد فحسب، بل تبعث الروح من سُبات الحرارة.
بينما أكتب هذا المقال، أستحضر كم كنا نشعر بالتمكن والقوة في اللغة العربية حينما كنا نَصِف النسيم بـ “العليل” في مواضيع التعبير المدرسية. النسيم العليل.. صفةٌ لطالما تعلّمناها باكرًا خلال سنوات دراستنا، ولكن للأسف، لم نكن نعرف حقًا لِمَ يُوصَف النسيمُ بهذا الوصف تحديدًا.
لقد أدركتُ لاحقًا أنه في اللغة العربية، عندما يُوصَف النسيم بـ «العليل»، فإن ذلك يعني أن الريح رقيقة، ناعمة، وتفتقر إلى قوتها العاتية المعتادة. فالرياح الصحراوية الهوجاء تكون قوية، قاسية، وصاخبة؛ وفي المقابل، يأتي هذا النسيم خاصّةً خافتًا، بطيئًا، ولطيفًا، حتى إن العرب قديمًا شبّهوا طاقته الخفيفة مجازًا بضعف الإنسان المريض (العليل).
واليوم، عندما تمر بنا هذه النفحة الباردة لتردّ فينا الروح، نكتشف أن عمق اللغة لم يكن إلا مرآة لعمق التجربة؛ ففي تلك اللحظة، وسط سديم الظهيرة، يباغتك الإدراك كوقع المطر المفاجئ: إنها نعمةٌ محضة، لم نكسبها ولم نسعَ إليها. نقضي أيامنا في بناء الحصون، وتكييف غرفنا، وهندسة مناخ حياتنا، ومع ذلك نظل في جوهرنا سائلين ومحتاجين حين يتعلق الأمر بالريح. لا نملك استحضارها، ولا نملك أمر الهواء أن يتحرك، ولا نستطيع تصنيع تلك النسمة العبقة التي تحمل عطر الأرض الجافة والحجر الذي لفحته الشمس. نحن نعتمد كلياً على حركةٍ لم نبتدئها ولن نستطيع تكرارها قط. في هذا العجز البشري، تكمن جماليةٌ غامرةٌ وتواضعٌ عميق.
تجليات الهواء بين مرآة الشعر العربي القديم وميثولوجيا الأولين:
نظر سكان شبه الجزيرة العربية، قبل عصر العلم الحديث، إلى الهواء لا بوصفه وسطاً فيزيائياً فحسب، بل كشاهدٍ حيٍّ يتنفس على ديناميكيات العالم الخفية. وبأذن العربي القديم، ارتبطت لغة الريح ارتباطاً وثيقاً بلغة الروح. فكلمة “هواء” تداخلت في عمقها الدلالي مع “الهوى”؛ ذلك الميل الشغوف والتعلق العاطفي الجارف. لم يكن هذا مصادفةً لغوية، بل إدراكاً لطبيعةٍ مشتركة: فالهواء والحب كلاهما خفيٌّ، جوهريٌّ، وقادرٌ على توجيه القلب البشري نحو مساراتٍ لم يخترها. وفي هذا التقليد، أصبحت الريح المفردة الأساسية لتجربة الإنسان. وما أجمل كلام الشاعر وهو يخط ببلاغته ما تعجز عن صنيعه يد البشر، فالريح التي ننتظر نسيمها ليحيينا، هي ذاتها التي تملك سلطان المحو والتصريف. لقد التقط الشاعر لبيد بن ربيعة دور الريح في محو التاريخ وأثر الديار، وتعاقبها على إزالة الرسوم حتى غدت بقايا بالية، قائلا:
عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَا… سَرَتِ الرِّيَاحُ بِتُرْبِهَا فَتَعَاوَرَتْ أَسْمَالَهَا
وإذا كانت الريح عند لبيد أداة للمحو والغياب، فإن سلطانها العاتي ينقلب في سياق آخر إلى ميزان لاختبار النبل الإنساني. ففي الثقافة القبلية القديمة، كانت العاصفة الشتوية اختبارا حقيقيا للنجاة، حيث كان الكرم يبلغ أسمى تجلياته حين يجود المرء بقوته ليطعم الجياع في البرد القارس، لتغدو الريح استعارة لذروة السخاء ومواساة الضعفاء.
وقد جسد الشاعر الفارس عروة بن الورد هذا المعنى بعمق، واصفا كيف يذوب الفرد في الجماعة إبان المحن من خلال إيثار مطلق؛ فهو لا يتصدق بفضول أمواله، بل يقتطع من لقمته وقوته اليومي ليطعم جياع قومه حتى يشتد به الجوع، فلا يجد ما يسد به رمقه سوى جرعات من الماء البارد. وفي ذات الوقت، يرسم بذكاء كيف تتحرك أيدي الكرماء بالعطاء كأنها ريح عاصفة بالخير حين يشتد الصقيع وتلوذ الكلاب بالصمت من شدة الجليد، بينما يقترب الأطفال الأيتام ويلتصقون بها بحثا عن الدفء في مشهد يختزل ذروة الحاجة، قائلا:
أُقَسِّمُ جِسْمِي فِي جُسُومٍ كَثِيرَةٍ… وَتَجْرِي الرِّيَاحُ بِأَيْدِيهِمْ إِذَا عَصَفَتْ رِيحُ الشِّتَاءِ وَعَضَّ الكَلْبَ أَيْتَامُ
وعلى النقيض من هذه الرياح التي تتحول بأيدي الكرماء إلى مظلة إنقاذ، كانت “الدبور” (وهي ريح الغرب الجافة اللافحة التي تجلب العواصف الرملية دون مطر) رمزا للنهاية المطلقة وموت الأمل، ونذيرا لعلاقة قاحلة تتلاشى فيها الوعود وتتحول إلى سراب تبدده العواصف؛ كما قال المعتمد بن عباد في وصف تقلب العهود وخيبة الرجاء:
وَمَا وَعْدُهَا إِلَّا كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ… أَوْ كَمَهَبِّ الدَّبُورِ إِذَا ذَهَبَتْ تَعْصِفُ
ولم يقف دور هذا النسيم عند إثارة الأشواق وحسب، بل غدا في الوجدان الأدبي رسولا للحب واللقاء، والوسيلة الروحية الوحيدة المتاحة للشاعر ليعانق طيف الحبيب ويطمئن عليه من بعد؛ إذ يتحول الهواء الرقيق إلى جسر ممتد يتجاوز حدود المسافات المادية، ليحمل أنفاس الأحبة وأخبار ديارهم. هذا التماهي الصوفي والوجداني مع حركة الريح التقطه الإمام البوصيري في مطلع بردته الشهيرة، حين جعل التساؤل عن هبوب النسيم من جهة الأحبة تفسيرا لدموعه المنهمرة ووجده الحارق، قائلا:
أَمِنْ تَذَكُّرِ جِيرَانٍ بِذِي سَلَمِ … مَزَجْتَ دَمْعاً جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ بِدَمِ
أَمْ هَبَّتِ الرِّيحُ مِنْ تِلْقَاءِ كَاظِمَةٍ … وَأَوْمَضَ البَرْقُ فِي الظَّلْمَاءِ مِنْ إِضَمِ
تأملت الإنسانيةُ أفقَ السماء، فاستحالت في مخيلتها وجوهاً حيةً تعبر عن خلجات الكون وتقلباته، ولم تكن هذه الرؤية مجرد ضربٍ من الخيال، بل كانت محاولةً أولى لتأويل القوى المجهولة التي تكتنف الوجود. في قلب الأساطير الغابرة، تجسدت الرياح بأسماءِ آلهةٍ سُجِدت لها الهيبة؛ فكان لليونانيين “الأنيموي” ككائناتٍ تحرك العواصف وتوجه المراكب، وفي المعتقد المصري القديم، تجلى “شو” كإلهٍ للهواء، ذاك الفراغ الضروري الذي يفصل الأرض عن السماء ويمنح الكون توازنه واستقامته. استوعبت هذه الحضارات حقيقةً وجوديةً عميقة، وهي أن الريح ليست مجرد ظاهرة، بل هي رسولةٌ وجسرٌ يربط الفناء بالبقاء، وقدسوا هذا العنصر لعلمهم اليقيني بأن ما يمتلك هذه القدرة الفائقة على بعث الحياة في البذور أو إفناء العمران، لا بد أن ينبع من إرادةٍ مطلقةٍ تعلو فوق طموحات البشر وقدراتهم المحدودة.
يتخذ الأثير في وجداننا البشري تجلياتٍ متجددةً لا تتوقف عن التشكل؛ فهو في ألطف حالاته “نسمة” تسري في المسام لتبعث الطمأنينة وتُحيي الروح المنهكة، وهو في اعتداله “هواء” يمنح الحياة سعةً وبقاءً وضرورةً لا يدرك قيمتها إلا من افتقدها، وهو في ذروة قوته “ريح” جامحة تتجاوز كل حدود التفسير المادي. في هذا التباين، انقسمت الرؤى؛ فبينما يراه الكثيرون معجزةً ربانيةً متعاليةً لا تستكين لمنطق أو قياس، يقرأه آخرون كرسائلَ خفيةً محملةً بمعاني الغيب ودروس القدر التي تهمس للقلوب بضعفها، وفي المقابل، يضع العقل التجريبي هذا الأثير تحت مجهره ليحيله إلى مادةٍ خصبةٍ للبحث والتحليل، محاولاً فك طلاسمه الفيزيائية وإخضاعه لنواميس العلم، ليظل الهواء بذلك هو الرابط العجيب الذي يجمع بين خشوع الروح وفضول العقل.
وبينما نراقبُ هذا الأثير في حركاته، تتماهى أطيافُ الهواء في وظائفها؛ فهي تارةً ذلك النسمة الرقيقة التي تداوي أرواحنا، وتارةً أخرى ذاك الجنديُّ الصامتُ أو الريحُ الهادرة التي تُغير وجه الطبيعة. وفي محاولاتٍ حثيثةٍ لفك طلاسم هذا العنصر الذي لا يُرى بالعين، انكبّ العلماءُ على دراسة الرياح وتيارات الهواء كظاهرةٍ فيزيائيةٍ محضة؛ حيث بدأوا بتفسيرها بوصفها نتاجاً لاختلافات الضغط الجوي والحرارة، وكيف أن حركة جزيئات الهواء من مناطق الضغط المرتفع إلى المنخفض هي المحرك الأساسي لتلك التيارات التي نشعر بها في كل هبةٍ أو إعصار. ومن خلال الرصد الراداري ونماذج المحاكاة الحاسوبية المتقدمة، سعى العلماءُ لتقنين العشوائية الظاهرية لهذا الأثير، محولين إياه إلى معادلاتٍ رياضية تتنبأ بمسارات الأعاصير وتحدد سرعة الزوابع.
ومع ذلك، يظل هناك دائماً فاصلٌ دقيقٌ بين فهم الآلية الميكانيكية التي تُحرك الهواء وبين إدراك الحكمة التي تسير هذه الرياح، فالعلمُ يفسر لنا كيف تضطرب الجزيئات، لكنه يظلُ عاجزاً عن أن يحل محل ذلك الشعور الإنساني العميق بأن هذا الهواء الذي يملأ رئاتنا هو هبةٌ غير قابلةٍ للتفسير، وأنه سيمفونيةٌ كبرى نراقبها بإعجابٍ لا بحسابات.
في حضرة الريح بين لطائف الرحمة ومواطن الجلال:
وإذ أتأملُ تلك النسمة الصيفية الرقيقة التي لامست وجهي، وجدتني أنتقل من صخب الحسابات المادية إلى رحاب الغيب؛ حيث تتحول الريح من مجرد ظاهرةٍ جويةٍ إلى تجلٍّ من تجليات الرحمة الإلهية. وفي تلك اللحظة تحديداً، انقدحت في ذاكرتي سيرة النبي سليمان عليه السلام، وكيف خُصَّ بسلطانٍ مطلقٍ على الريح تسير بأمره. وللمرة الأولى في حياتي، ولأنني كنت أتأمل هذه النسمة اللطيفة وأستشعر حركتها الخفية، أدركتُ بعمقٍ لم أعهده من قبل مدى عظمة تلك القوة وجبروت ذلك التمكين؛ فإذا كانت نسمةٌ عابرة تملك أن تبدل حال المرء، فكيف بريحٍ غدوُّها شهر ورواحها شهر طوع بنان بشر! وقد خلد القرآن الكريم هذه المعجزة الاستثنائية في محكم تنزيله قائلاً: “وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ” .
وهذا البيان الإلهي المعجز لا يقف عند حدود الإخبار التاريخي، بل هو يفتح للمتأمل آفاقاً مذهلة تدعو للتدبر؛ إذ يوضح قدرة الله المطلقة في تسخير الرياح لخدمة النبي سليمان عليه السلام؛ حيث كانت هذه القوة العاتية الخارجة عن السيطرة البشرية تتحول بأمر الله إلى طوع بنانه، تسير به وبجنوده وأثقاله ركضاً حثيثاً يختزل الزمان والمكان بشكل يعجز عنه الخيال. فعبارة «غدوها شهر» تعني أن رحلتها من أول النهار إلى انتصافه تقطع مسيرة شهر كامل مما يسيره الناس بركابهم المعتادة، و”رواحها شهر” تعني أن رحلتها من نصف النهار إلى آخره تقطع مسيرة شهر آخر. هكذا، كان عليه السلام يقطع في يوم واحد بالريح مسيرة شهرين كاملين، في معجزة تبرهن كيف يلين الجماد الصاخب بإذن خالقه، ليغدو الهواء الرخاء مركباً آمناً وسريعاً يسير بأمر نبي الله حيث أراد وأصاب.
وفي المنظور القرآني والنبوي، فهذه الإرادة ليست مشتتة بين آلهةٍ شتى، بل هي رحمةٌ مقصودةٌ ومحكومةٌ بأمرٍ إلهيٍّ واحد. وفي مشهدٍ كونيٍ واسع، صنف النبي ﷺ الرياح إلى ثمانية أنواع: أربعةٌ تحمل الرحمة: الناشرات، والمبشرات، والمرسلات، والذاريات. وأربعةٌ تحمل الدموع والدمار: العاصف، والصرصر (ريح الصراخ والبرد)، والعقيم (التي لا تأتي بخير)، والقاصف. لقد علمنا النبي ﷺ احترام هذا الكيان، قائلاً: “لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ” (سنن الترمذي). وكان يتغير لونه ويضطرب عند هبوب العواصف، وحين سألته السيدة عائشة عن سبب قلقه بينما يستبشر الناس بالمطر، قال: “يَا عَائِشَةُ، مَا يُؤْمِنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ؟ قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِال رِّيحِ”. ولتجاوز هذا الخوف، علّمنا دعاءً يجمع بين التسليم والرجاء: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا” (صحيح مسلم).
هذا التوقير نابعٌ من تجربةٍ نبويةٍ شهدت في الريح جنداً من جنود الله وإعصاراً من أعاصيره، حيث قال: “نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ” (صحيح البخاري). وفي غزوة الخندق، كانت ريح “الصبا” هي التي اقتلعت خيام المشركين وبددت شملهم. ولعلّ من أبدع صور الغيب نبوءته بنهاية الزمان، حين وصف ريحاً “ألين من الحرير” تأتي من قبل اليمن، تقبض روح كل مؤمنٍ فيه ذرةٌ من خير، حتى لا يشهدوا أهوال الساعة الأخيرة (صحيح مسلم). وسواءٌ كانت الرياح “لواقح” تحمل الحياة، أو نسائم رحمة، فإن بقاءنا معلقٌ بهذا الإذن الخفي ؛ إذ نذوب دهشة وتأملًا أمام نسمة صيف لطيفة تحمل أسرار الروح والجمال، ونقف عاجزين خاشعين أمام إعصار عات يختزل جند الغيب وسلطان المحو والجلال.
في واحد من أيام الحرب المروعة، ووسط قيظ صيف خانق، حظينا بأيام قليلة من وقف إطلاق النار؛ فخرجت وشقيقتي إلى الشارع التماساً لبعض النجاة، بعد أن عشنا أياماً من الاختناق الطويل جراء انقطاع التيار الكهربائي الذي عطل كل وسائل التبريد، وجراء اضطرارنا لإغلاق جميع النوافذ بإحكام لأسباب أمنية فرضتها ظروف القصف. وأذكر تماماً كيف مررنا بمتجر عند زاوية الشارع، فداهمتنا فجأة نفحة ريح قوية؛ لم تكن بفعل آلة أو تكييف، بل لأن ذلك المربع بالذات كان منفتحاً غير محاط بمبانٍ شاهقة، مما سمح لنسمات الصيف العليلة أن تتدفق إليه بحرية من جهاته الثلاث. لقد كانت تلك الريح الطبيعية المنسابة بمثابة ترياق منحنا نفساً من الحياة، وهبة ربانية بعثت الروح في جسدين أنهكهما الخوف والحر. تلك النسمة التي انبعثت من جغرافيا المكان المنفتح لتنقذنا في غمرة الموت والضيق، تختزل كل ما نحن عليه من ضعف وهشاشة، وتذكرنا بجلال النعم العفوية التي تحيط بنا دون تصنع.
ومع ذلك، فإننا نعيش اليوم في ذروة عصر الغرور التقني البالغ؛ نقف منتشين وسط خوارزمياتنا الممتدة، وشاشات ذكائنا الاصطناعي، تملؤنا أوهام القدرة على محاكاة الخلق وهندسة الطبيعة. نبني أنظمتنا المعقدة لتمرآة منطقنا البشري، وفي غمرة زهونا المعاصر، نخلط بجهل بين “المحاكاة” و”السيادة”. نقنع أنفسنا بأننا، بعد أن فككنا أعقد شفرات الجينوم وسخرنا الطاقة الكامنة في قلب الذرة، قد غدونا أرباباً لمصائرنا وصانعي قدرنا. لكن “النسيم” وحده يظل دوماً عصياً على هذا الصلف، باقياً كسخرية هادئة، موجعة، تذيب كل كبريائنا المصطنع.
إننا نخشى الغيب، ونقضي أعمارنا في محاولة بائسة لاجتثاث كل ما هو عفويا أو غير محتسب من تفاصيل حياتنا، بينما الحقيقة الثابتة هي أن الحياة ذاتها، التي تديم حركتها الريح، معرّفة بتلك القوة الغيبية اللطيفة التي لا نملك، ولن نملك يوماً، حق السيطرة عليها. إن احتياجنا الأزلي لهذه الريح) سواء في لحظات السلم العادية أو تحت وطأة الحروب والخطوب( هو اعتراف صامت بوجوب التواضع؛ اعتراف بأننا لسنا مهندسي مناخنا، ناهيك عن أن نكون سادة أقدارنا.
وسواء كانت الفلسفة الإيمانية التي تبصر يد الخالق تحرك كل ذرة هواء في هذا الكون، أو تلك الوقفة المتأملة لجسد أنهكه حر الصيف أو ضيق الحصار وهو يترقب منكسراً “نسمة” تلامس وجهه، فإننا نعود طائعين إلى الحقيقة الأجمل والأكثر دفئاً: نحن مجرد ضيوف عابرين على هذه الأرض. إن أثمن وأجمل ما في هذه الحياة) الهواء الطاهر الذي يملأ رئاتنا مجاناً، والنسيم العليل الذي يربت على أرواحنا المتعبة، والرحمة الخفية التي تحرك العالم ( هي ذاتها الأشياء المطلقة التي لن تستطيع يد بشرية، مهما بلغت قوتها أو كبرياؤها، أن تمتلكها أو تصنعها يوماً. نولد بنسمة، ونموت بانحباسها، وبينهما نعيش على أمل ريح طيبة تسوقنا برفق نحو شواطئ السكينة.