خُطْبَةُ الجُمُعَةِ جَوْهَرُ الحَيَاةِ وَعِمْرَانُ الُوُجُودِ.. المَاءُ حَيَاةٌ وَنَمَاءٌ
23 يوليو، 2026
خطب منبرية

خُطْبَةُ الجُمُعَةِ بتاريخ ١٠ صفر ١٤٤٨ هـ – ٢٤ يوليو ٢٠٢٦ م
جَوْهَرُ الحَيَاةِ وَعِمْرَانُ الُوُجُودِ.. المَاءُ حَيَاةٌ وَنَمَاءٌ
بقلم فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني
عناصر الخطبة:
أولاً: الماء شريان الحياة وأعظم النعم الإلهية.
ثانياً: مشاهد الماء في القرآن الكريم.. دروس وعبر مع سيدنا نوح وسيدنا موسى وفرعون.
ثالثاً: الفقه الإسلامي وحفظ الماء.. أحكام الوضوء والاغتسال والتعبد بإسباغه دون إسراف.
رابعاً: الموارد ليست ملكاً خاصاً.. مسؤولية حماية الثروة المائية (الخطبة الثانية).
الموضوع
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، شَهَادَةً تُذَكِّرُنَا عِنْدَ السُّؤَالِ حُجَّتَنَا، وَتُيَسِّرُ عَلَى الصِّرَاطِ مُرُورَنَا يَوْمَ الْعَطَشِ الْأَكْبَرِ مِنْ حَوْلِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَشْهَدُ جَمِيعاً بِأَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَعَظِيمَنَا وَمُصْطَفَانَا وَمُعَلِّمَنَا وَقَائِدَنَا وَقُدْوَتَنَا وَمُرْشِدَنَا وَمُخْرِجَنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ، وَرَفَعَ فِي الْعَالَمِينَ ذِكْرَهُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أَمَرَنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلُّمُوا تَسْلِيماً} [الأحزاب: ٥٦]، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ، وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ، نَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَالْهَادِي إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ، وَعَلَى آلِهِ حَقَّ قَدْرِهِ وَمِقْدَارِهِ الْعَظِيمِ.
مَوْلَايَ صَلِّ وَسَلِّمْ دَائِماً أَبَداً، عَلَى حَبِيبِكَ خَيْرِ الْخَلْقِ كُلِّهِمِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ…
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْأَبْرَارُ: اسْمَعُوا بِوِجْدَانِكُمْ لِنَتَأَمَّلَ سَوِيّاً كَيْفَ جَعَلَ الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ الْمَاءَ أَصْلَ الْحَيَاةِ، وَمَادَّةَ الْعِمْرَانِ، وَسِرَّ الِاسْتِمْرَارِ عَلَى ظَهْرِ هَذَا الْكَوْكَبِ؛ فَالْمَاءُ لَيْسَ مَجَرَّدَ عُنْصُرٍ طَبِيعِيٍّ نَمُرُّ عَلَيْهِ مَرَّ الْكِرَامِ، بَلْ هُوَ شِرْيَانُ الْوُجُودِ، وَهِبَةُ السَّمَاءِ لِلْأَرْضِ، وَسِرُّ النَّمَاءِ وَالْبَرَكَةِ. وَحِينَ تَتَأَمَّلُونَ شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ الْغَرَّاءِ، تَجِدُونَ أَنَّهَا سِيَاجٌ مُحْكَمٌ لِحِمَايَةِ هَذِهِ النِّعْمَةِ الْعُظْمَى، وَتَرْسِيخٌ لِلْوَعْيِ بِضَرُورَةِ الْحِفَاظِ عَلَيْهَا دِينِيّاً وَوَطَنِيّاً. وَنَقِفُ الْيَوْمَ لِنَتَأَمَّلَ أَبْعَادَ هَذِهِ النِّعْمَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةِ سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا الْكَرِيمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِنَسْتَخْرِجَ الْعِبَرَ، وَنُصَحِّحَ السُّلُوكِيَّاتِ، وَنَتَعَلَّمَ كَيْفَ نُحَافِظُ عَلَى قَطْرَةِ الْمَاءِ كَعِبَادَةٍ نَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ عَزَّ وَجَلَّ.
أَوَّلاً: الْمَاءُ شِرْيَانُ الْحَيَاةِ وَأَعْظَمُ النِّعَمِ الْإِلَهِيَّةِ
إِنَّ أَوَّلَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَقِرَّ فِي قَلْبِ الْمُسْلِمِ هُوَ الشُّعُورُ بِعَظَمَةِ نِعْمَةِ الْمَاءِ؛ فَالْمَاءُ هُوَ النِّعْمَةُ الَّتِي لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا كَائِنٌ حَيٌّ، مِنْ إِنْسَانٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ نَبَاتٍ. وَالْقُرْآنُ الْكَرِيمُ يُوَجِّهُ أَنْظَارَنَا إِلَى هَذِهِ الْحَقِيقَةِ الْبَاهِرَةِ لِيُوقِظَ فِينَا حِسَّ الشُّكْرِ وَالِامْتِنَانِ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ:
{وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: ٣٠].
وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا فِي سُورَةِ الْوَاقِعَةِ مُمْتَنّاً عَلَى عِبَادِهِ:{أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ} [الواقعة: ٦٨ – ٧٠].
فَانْظُرُوا يَا عِبَادَ اللَّهِ كَيْفَ يَضَعُنَا الْقُرْآنُ أَمَامَ هَذَا السُّؤَالِ الْمَفْصَلِيِّ؛ مَنِ الَّذِي أَنْزَلَ السَّحَابَ؟ وَمَنِ الَّذِي صَبَّ الْمَطَرَ عَذْباً فُرَاتاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ؟ لَوْ شَاءَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ لَجَعَلَ هَذَا الْمَاءَ مَالِحاً أُجَاجاً لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَلَكِنَّهُ بِرَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ جَعَلَهُ عَذْباً زُلَالاً قِوَاماً لِلْحَيَاةِ.
وَلْنَسْتَمِعْ إِلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ التَّنْبِيهِيَّةِ الْعَجِيبَةِ الَّتِي تُجَسِّدُ قِيمَةَ الْمَاءِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَالْعَارِفِينَ؛ يُرْوَى أَنَّ خَلِيفَةَ الْمُسْلِمِينَ هَارُونَ الرَّشِيدَ دَعَا ذَاتَ يَوْمٍ بِمَاءٍ لِيَشْرَبَ، وَكَانَ عِنْدَهُ الْعَالِمُ الزَّاهِدُ سَيِّدُنَا ابْنُ السِّمَاكِ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَلَمَّا رَفَعَ الْخَلِيفَةُ الْكَأْسَ لِيَشْرَبَ، قَالَ لَهُ سَيِّدُنَا ابْنُ السِّمَاكِ: “عَلَى رِسْلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَوْ مُنِعْتَ هَذِهِ الشَّرْبَةَ إِلَّا بِأَنْ تَشْتَرِيَهَا بِنِصْفِ مُلْكِكَ، أَكُنْتَ تَشْتَرِيهَا؟”، قَالَ هَارُونُ الرَّشِيدُ: “نَعَمْ وَاللَّهِ”، قَالَ: “فَاشْرَبْ هَنَّأَكَ اللَّهُ”، فَلَمَّا شَرِبَهَا، قَالَ لَهُ سَيِّدُنَا ابْنُ السِّمَاكِ: “أَرَأَيْتَ لَوْ حُبِسَتْ هَذِهِ الشَّرْبَةُ فِي جَسَدِكَ وَلَمْ تَخْرُجْ إِلَّا بِنِصْفِ مُلْكِكَ الْآخَرِ، أَكُنْتَ تَفْتَدِي خُرُوجَهَا بِنِصْفِ مُلْكِكَ؟”، قَالَ: “نَعَمْ وَاللَّهِ”، فَقَالَ سَيِّدُنَا ابْنُ السِّمَاكِ بِكَلِمَاتٍ تُكْتَبُ بِمَاءِ الذَّهَبِ: “اعْلَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ مُلْكاً لَا يُسَاوِي شَرْبَةَ مَاءٍ وَلَا بَوْلَةً لَجَدِيرٌ أَلَّا يُنَافَسَ عَلَيْهِ!”.
فَهَكَذَا يُدْرِكُ الْعُظَمَاءُ وَالْعُلَمَاءُ أَنَّ شَرْبَةَ الْمَاءِ الْوَاحِدَةَ هِيَ أَعْظَمُ مِنْ خَزَائِنِ الْأَرْضِ. وَإِنَّ كُفْرَانَ هَذِهِ النِّعْمَةِ أَوْ هَدْرَهَا هُوَ سَبَبٌ لِزَوَالِ النِّعَمِ، بَيْنَمَا الشُّكْرُ يَضْمَنُ دَوَامَهَا، كَمَا قَالَ الْحَقُّ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: ٧].
ثَانِياً: مَشَاهِدُ الْمَاءِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.. دُرُوسٌ وَعِبَرٌ مَعَ سَيِّدِنَا نُوحٍ وَسَيِّدِنَا مُوسَى وَفِرْعَوْنَ
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّ الْمُتَأَمِّلَ فِي آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ يَجِدُ أَنَّ الْمَاءَ كَانَ حَاضِراً فِي أَعْظَمِ الْمَشَاهِدِ وَالْقِصَصِ الْإِلَهِيَّةِ؛ فَتَارَةً يَكُونُ الْمَاءُ جُنْداً مِنْ جُنُودِ الرَّحْمَةِ وَالنَّجَاةِ، وَتَارَةً يَكُونُ جُنْداً مِنْ جُنُودِ الْبَطْشِ وَالْعَذَابِ.
١- الْمَاءُ فِي قِصَّةِ سَيِّدِنَا نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ (جُنْدُ الْهَلَاكِ وَالنَّجَاةِ):
حِينَ كَذَّبَ قَوْمُ سَيِّدِنَا نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَبِيَّهُمْ وَاسْتَكْبَرُوا، فَتَحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ، وَفَجَّرَ الْأَرْضَ عُيُوناً. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْقَمَرِ:{فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} [القمر: ١٠ – ١٣].
فَكَانَ الْمَاءُ أَدَاةً لِطَهَارَةِ الْأَرْضِ مِنَ الشِّرْكِ، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ كَانَ وَسِيلَةَ نَجَاةٍ لِسَيِّدِنَا نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَنْ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ.
٢- الْمَاءُ فِي قِصَّةِ سَيِّدِنَا مُوسَى الرَّضِيعِ عَلَيْهِ السَّلَامُ (مَظْهَرُ الْأَمَانِ وَاللُّطْفِ الْإِلَهِيِّ):
حِينَ خَافَتْ أُمُّ سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى وَلَدِهَا الرَّضِيعِ مِنْ بَطْشِ فِرْعَوْنَ، أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهَا أَنْ تَضَعَهُ فِي التَّابُوتِ وَتُلْقِيَهُ فِي النَّهْرِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ طَهَ: {أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: ٣٩].
فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ النَّهْرَ الْجَارِيَ مَكَاناً لِلْأَمَانِ وَالسَّكِينَةِ لِرَضِيعٍ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعاً وَلَا ضَرّاً! فَحَفِظَ اللَّهُ سَيِّدَنَا مُوسَى فِي الْمَاءِ، وَسَاقَ الْمَاءُ التَّابُوتَ إِلَى قَصْرِ فِرْعَوْنَ لِتَتَحَقَّقَ الْإِرَادَةُ الْإِلَهِيَّةُ.
٣- الْمَاءُ فِي قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ (الْعَاقِبَةُ وَالْهَلَاكُ بِالْمَاءِ):
فِرْعَوْنُ الَّذِي طَغَى وَتَجَبَّرَ، وَكَانَ يَفْتَخِرُ بِنَهْرِ النِّيلِ كَمَا جَاءَ فِي سُورَةِ الزُّخْرُفِ: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الزخرف: ٥١]، كَانَتْ عَاقِبَتُهُ مِنْ جِنْسِ اسْتِكْبَارِهِ؛ فَأَغْرَقَهُ اللَّهُ فِي ذَاتِ الْمَاءِ! قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ يُونُسَ:
{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: ٩٠ – ٩١].
فَانْظُرُوا كَيْفَ يُعَلِّمُنَا الْقُرْآنُ أَنَّ الْمَاءَ خَلْقٌ مُسَخَّرٌ يَصْنَعُ اللَّهُ بِهِ عَجَائِبَ قُدْرَتِهِ، وَيَسُوقُ بِهِ الرَّحْمَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْهَلَاكَ لِلظَّالِمِينَ.
ثَالِثاً: الْفِقْهُ الْإِسْلَامِيُّ وَحِفْظُ الْمَاءِ.. أَحْكَامُ الْوُضُوءِ وَالِاغْتِسَالِ وَالتَّعَبُّدُ بِإِسْبَاغِهِ دُونَ إِسْرَافٍ
يَا عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ ارْتِبَاطَ الْمَاءِ بِالدِّينِ يَتَجَلَّى فِي الطَّهَارَةِ الَّتِي هِيَ شَرْطُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ؛ فَقَدْ شَرَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْوُضُوءَ وَالِاغْتِسَالَ بِمَاءٍ طَهُورٍ نَقِيٍّ، وَجَعَلَ إِسْبَاغَ الْوُضُوءِ رِفْعَةً لِلدَّرَجَاتِ وَمَحْواً لِلْخَطَايَا.
١- فَضْلُ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ:
رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:«أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» [أخرجه مسلم].
٢- النَّهْيُ الشَّدِيدُ عَنِ الْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ:
إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ يُقْصَدُ بِهِ إِتْمَامُهُ وَاسْتِيعَابُ الْأَعْضَاءِ بِالْمَاءِ، وَلَا يَعْنِي أَبَداً الْإِسْرَافَ أَوْ هَدْرَ الْمِيَاهِ!
فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَه عَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِسَيِّدِنَا سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: «مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ؟» قَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ» [أخرجه أحمد وابن ماجه].
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَيِّدَتِنَا عَائِشَةَ وَعَنْ سَيِّدِنَا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ» [أخرجه البخاري ومسلم].
وَفِي هَذَا الْمَنَهَجِ الْقَوِيمِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
صُنِ المَاءَ الزُّلاَلَ وَلَا تُسَرِفْ … فَإِنَّ المَاءَ إِكْسِيرُ الحَيَاةِ
تَوَضَّأْ فِي اقْتِصَادٍ وَابْتَغِيهِ … طَهُوراً لِلنُّفُوسِ الطَّاهِرَاتِ
فَإِنَّ النَّهْرَ لَوْ فَاضَتْ رُبَاهُ … حَرَامٌ هَدْرُهُ فِي المَكْرُمَاتِ
ادْعُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، وَالتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: الْمَوَارِدُ لَيْسَتْ مِلْكاً خَاصّاً
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْأَبْرَارُ، إِنَّ الْمَوَارِدَ الْعَامَّةَ، وَفِي مُقَدِّمَتِهَا الْمِيَاهُ وَالْمَجَارِي الْمَائِيَّةُ وَشَبَكَاتُ الشُّرْبِ، لَيْسَتْ مِلْكاً لِفَرْدٍ يَتَصَرَّفُ فِيهَا كَيْفَ يَشَاءُ، بَلْ هِيَ مِلْكٌ لِلْمُجْتَمَعِ بِأَسْرِهِ. وَإِنَّ الِاعْتِدَاءَ عَلَى الْمَوَارِدِ الْعَامَّةِ بِالْإِسْرَافِ أَوْ التَّلْوِيثِ أَوْ سَرِقَةِ الْوُصْلَاتِ هُوَ جَرِيمَةٌ دِينِيَّةٌ وَوَطَنِيَّةٌ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: ٥٦].
وَرَوَى الإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ وَاحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَاءِ، وَالْكَلَإِ، وَالنَّارِ» [أخرجه أبو داود وأحمد].
فَالشَّرَاكَةُ تَقْتَضِي صِيَانَةَ النِّعْمَةِ وَتَجَنُّبَ الْأَثَرَةِ. وَحِينَ يَقُومُ بَعْضُ النَّاسِ بِهَدْرِ الْمِيَاهِ أَوْ تَلْوِيثِ نَهْرِ النِّيلِ، فَإِنَّهُمْ يُهَدِّدُونَ الْأَمْنَ الْمَائِيَّ وَالْوَطَنِيَّ لِبِلَادِنَا.
وَيُرْوَى عَنْ وَرَعِ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سَيِّدَنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مَرَّ بِرَجُلٍ يَسْقِي إِبِلَهُ وَيَتْرُكُ الْمَاءَ يَفِيضُ عَلَى الْأَرْضِ هَدَراً، فَقَالَ لَهُ سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “وَيْحَكَ يَا هَذَا! صُنْ مَاءَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ مَا يَزِيدُ عَنْ حَاجَتِكَ هُوَ حَقٌّ لِأَخِيكَ وَلِأَرْضِ الْمُسْلِمِينَ!”.
إِنَّ حِمَايَةَ الْمِيَاهِ وَالْمَحَافَظَةَ عَلَيْهَا فِي مِصْرَنَا الْغَالِيَةِ هِيَ وَاجِبٌ شَرْعِيٌّ وَوَطَنِيٌّ، فَلْنَتَعَاوَنْ جَمِيعاً عَلَى تَرْشِيدِ الِاسْتِهْلَاكِ لِيَبْقَى النِّيلُ شِرْيَانَ الْحَيَاةِ وَالنَّمَاءِ لِمِصْرَ الْكِنَانَةِ.
الدُّعَاءُ: اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَأَصْحَابِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، صَلَاةً تَنْحَلُّ بِهَا الْعُقَدُ، وَتَنْفَرِجُ بِهَا الْكُرَبُ، وَتُقْضَى بِهَا الْحَوَائِجُ.
اللَّهُمَّ حَافِظْ عَلَى مِصْرَنَا الْغَالِيَةِ، كِنَانَتِكَ فِي أَرْضِكَ، وَاجْعَلْهَا وَاحَةً لِلْأَمْنِ وَالْأَمَانِ وَالسَّلَامِ. اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي نِيلِنَا وَمِيَاهِنَا وَمَوَارِدِنَا، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ. اللَّهُمَّ احْفَظْ جَيْشَ مِصْرَ وَشُرْطَتَهَا، وَارْحَمْ شُهَدَاءَنَا الْأَبْرَارَ. اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي أَعْمَارِنَا وَأَوْلَادِنَا، وَاجْعَلْنَا مِنَ الشَّاكِرِينَ لِنِعَمِكَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.
وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَالسَّدَادُ – كَتَبَهُ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ أَحْمَد إِسْمَاعِيلَ الْفَشْنِيِّ.
الْقَاهِرَةُ فِي ٦ صَفَرٍ ١٤٤٨ هـ – ٢٠ يُولِيُو ٢٠٢٦ م