خُطْبَةُ الجُمُعَةٍ بتاريخ ١٩ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ – ٥ يونيو ٢٠٢٦ م سَكِينَةُ الرِّضَا وَعَاصِفَةُ التَّبَاهِي.. كَيْفَ نَعِيشُ بَهْجَةَ العُمْرِ بِقَنَاعَةِ الإِسْلَامِ؟

خُطْبَةُ الجُمُعَةٍ بتاريخ ١٩ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ – ٥ يونيو ٢٠٢٦ م
سَكِينَةُ الرِّضَا وَعَاصِفَةُ التَّبَاهِي.. كَيْفَ نَعِيشُ بَهْجَةَ العُمْرِ بِقَنَاعَةِ الإِسْلَامِ؟
بقلم فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني

عناصر الخطبة:
١- الرضا بالقدر.. جنة الدنيا وعنوان القبول عند رب العالمين.
٢- السخط والجزع.. هلاك للنفس ومحوق للبركة والثواب.
٣- آفة التفاخر والتباهي.. كيف يدمر الكبر نعم الله عز وجل على العبد؟
٤- التواضع وشكر النعم.. منهج الأنبياء والصالحين في دوام الخيرات.
٥- خطر إدمان السوشيال ميديا وأثره على تفكك الأسرة والمجتمع (الخطبة الثانية).

الموضوع
الحمد لله رب العالمين، حمد الشاكرين الذاكرين، المقرين بحكمه وعدله في حركات الكون والدهور، القائل في محكم التنزيل وبليغ الذكر الحكيم: ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا فرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الخلق عز وجل، الذي جعل الرضا بالقضاء والقدر طمأنينة للقلوب ونوراً للبصائر، وحذر أشد التحذير من مسالك أهل الخيلاء والتفاخر والتباهي بمتاع الدنيا الزائل، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، النبي المصطفى والرسول المجتبى، الذي كان يعيش عيشة الكفاف ويسأل ربه الكفاف، وكان مع ذلك أعظم الناس رضاً بسجايا القدر، وأكثرهم تواضعاً وبعداً عن المباهاة والرياء، فصلى اللهم وسلم وبارك عليه، وعلى آله، وأصحابه الطيبين الطاهرين الأبرار، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، الذين رسخوا قيم القناعة في أفعالهم، وعاشوا في الدنيا بقلوب خاضعة لرب السماوات، فكانوا هداة مهتدين وشامات مضيئة بين العالمين.

أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته…
أيها السادة الأفاضل، والعلماء الأجلاء، حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. إننا نعيش في عصر تموج فيه الفتن النفسية والاجتماعية، وتتقلب فيه أحوال البشر بين المنح والمحن، والعطاء والابتلاء. وفي خضم هذه المتغيرات السريعة والمظاهر المادية الجارفة، أحوج ما نحتاج إليه اليوم هو الوقوف وقفة واعية مع أنفسنا، لنصحح الكثير من المفاهيم المغلوطة والسلوكيات الغريبة التي بدأت تتسلل إلى بيوتنا ومجتمعاتنا وتذهب ببركة حياتنا وطمأنينة صدورنا. إن السعادة الحقيقية في هذه الدنيا لا تكمن أبداً في كثرة المتاع، ولا في مباهاة الناس والتفاخر أمامهم بزينة الحياة الدنيا، بل تكمن السعادة في قلب يمتلئ بالرضا التام بما قسمه الله عز وجل، ونفس تتبرأ من داء الكبر والتباهي؛ فمن رضي فله الرضا والقبول والسكينة من رب العالمين، ومن سخط واختال وتبجح، فليس له إلا العناء والاضطراب وحرمان الثواب ومحوق النعم.

العنصر الأول: الرضا بالقدر.. جنة الدنيا وعنوان القبول عند رب العالمين
أيها المسلمون الأبرار، يا عباد الله المخلصين، اعلموا أن الرضا بقضاء الله عز وجل وقدره هو ذروة سنام الإيمان، وأعلى منازل العبودية الصادقة لرب العالمين. فالرضا هو الجنة المعجلة التي يعيش في ظلالها المؤمن على أرض الدنيا قبل أن يدخل جنة الآخرة، وهو البلسم الشافي لجميع جراح النفوس والقلوب. إن المؤمن الذي يمتلئ قلبه بالرضا يعيش في سكينة مطلقة وطمأنينة مستقرة لا تهزها أمواج الشدائد، ولا تزعزعها عواصف الأيام؛ لأنه يوقن يقيناً راسخاً لا يتطرق إليه شك بأن اختيار الله عز وجل له هو الخير المحض، وأن التدبير الإلهي أرحم وأفضل له من تدبيره لنفسه، حتى وإن بدت الأقدار في ظاهرها مؤلمة أو مخالفة لهوى النفس وطبيعة البشر؛ فالخالق عز وجل يقول في سورة البقرة: وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون.

وتأملوا بقلوبكم وعقولكم في جلال المنهج النبوي الشريف الذي يضع لنا القاعدة الإيمانية والتربوية الذهبية في نيل هذا المقام العظيم وبيان آثاره ومآلاته؛ فقد أخرج الإمام الترمذي في سننه وصححه، عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، أن سيدنا رسول الله ﷺ قال بكلمات تفيض نوراً وبشارة: إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط. فانظروا يا عباد الله إلى هذا التوجيه النبوي البليغ؛ فالابتلاء في حقيقته ليس غضباً ولا انتقاماً، بل هو علامة حب إلهي لتمحيص النفوس ورفع الدرجات، وجعل الرضا بالقضاء هو البوابة الكبرى لنيل الرضا الإلهي التام الذي يفيض على حياة العبد بالبركة والنقاء والرحمة، بينما السخط لا يجلب إلا سخط الخالق عز وجل وضيق الصدر وضياع الأجر.

ولنا في مواقف الصحابة الكرام وسلف الأمة رضي الله عنهم أروع القصص وأبلغ المواقف الحية التي تجسد هذا الرضا في أسمى صوره وعمق معانيه وتوسع أثره في النفوس؛ فهذا سيدنا عمران بن حصين رضي الله عنه وأرضاه، صاحب سيدنا رسول الله ﷺ، أصيب بمرض الاستسقاء الشديد وبقي مقعداً على فراشه لا يحرك طرفاً ثلاثين سنة كاملة، لا يستطيع القيام ولا القعود، حتى نُقبت له سريره ليقضي حاجته، فدخل عليه بعض أصحابه وأقاربه يعودونه، فلما رأوا ما به من العلة والجهد بكوا بكاءً مرّاً تفيض به العيون شفقة عليه، فنظر إليهم سيدنا عمران بن حصين بوجه مستبشر تملؤه ابتسامة الراضي المستسلم لقدر ربه، وقال بلسان اليقين والتوحيد الخالص: “لا تبكوا، واعلموا أن أحبَّه إلى الله عز وجل هو أحبُّه إلي، وأنا والله أجد من لَّذة الرضا بتقدير الله عز وجل ما ينسيني ألم العلة الشديدة، بل إنني لأسمع تسليم الملائكة عليَّ في فراشي هذا منذ أقعَدني المرض، فكيف لا أرضى عمن يكرمني بهذا الإجلال؟”. فانظروا كيف تحول الفراش المليء بالأوجاع إلى جنة من القرب والسكينة بفضل عبادة الرضا العميقة.

ولم يكن الصحابة والتابعون يرضون في المرض والعلة فحسب، بل كانوا يربطون الرضا بكافة تقلبات الحياة؛ يروى عن سيدنا أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه، خامس الخلفاء الراشدين، أنه سُئل يوماً من بعض خاصته: ما تشتهي في هذه الدنيا يا أمير المؤمنين بعد أن أوتيت الملك والخلافة؟ فقال بكلمات تكتب بماء الذهب على صفحات القلوب تعكس فقه الرضا والاستسلام للقدر: “أصبحت وما لي سرور ولا شهوة إلا في مواقع القدر، إن تكن السراء شكرت، وإن تكن الضراء صبرت ورضيت، فأنا أرضى بما يختاره الله عز وجل لي في كل صباح ومساء”. إن هذا الفهم العميق الراسي هو الذي جعل من هؤلاء الأعلام قادة للبشرية وصناعاً للحضارة؛ لم تزلزلهم عواصف الأيام، ولم تغير قلوبهم تبدلات الأحوال، لأنهم قيدوا نفوسهم بحبل الرضا المتين.
وتأملوا كذلك في قصة الإمام الجليل وعالم المدينة سيدنا عروة بن الزبير رضي الله عنهما، لَمَّا أصابت رجله الآكلة وهي داء الأكلة، فتقرر بترها وقطعها حتى لا يسري الداء في جسده، فبترت رجله وهو في الصلاة مستغرقاً في مناجاة ربه، وفي نفس ذلك اليوم سقط ابنه ومات، فلما أفاق ونظر إلى رجله المبتورة وإلى ابنه المسجى، لم يصدر عنه شكوى ولا سخط، بل رفع رأسه إلى السماء بقلب ينبض بالرضا المطلق ونادى ربه قائلاً بلسان الحمد: “اللهم لك الحمد، كان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً وأبقيت ثلاثة فلك الحمد، وكان لي بنون سبعة فأخذت واحداً وأبقيت ستة فلك الحمد، ولئن كنت قد ابتليت فلقد عافيت، ولئن كنت قد أخذت فلقد أبقيت”. وفي هذا المعنى البليغ والجلال الإيماني العظيم يقول أحد الشعراء واصفاً أدب الرضا:

ارْضَ بِمَا قَسَمَ الإِلَهُ لَكَ تَسْعَدِ … وَاعْلَمْ بِأَنَّ الخَيْرَ فِيمَا قَدْ قُضِي
كَمْ مِنْ كُرُوبٍ قَدْ تَوَلَّتْ بَعْدَمَا … ظَنَّ الفُؤَادُ بِأَنَّهَا لا تَنْقَضِي
فَالرِّضَا نُورٌ يُضِيءُ ظَلامَنَا … وَبِهِ يَنَالُ العَبْدُ صَفْوَ المُرْتَضِي
مَنْ لَادَ بِالرَّبِّ الكَرِيمِ لِأَمْرِهِ … عَاشَ الحَيَاةَ بِنِعْمَةٍ لَمْ تَعْرُضِ

إن الرضا بالقضاء والقدر يورث العبد غنى حقيقياً في قلبه ونفسه وإن قلَّ ما في يده من متاع الدنيا، ويمنحه عزاً وشرفاً وإن جفاه الناس وازدرته الأعين، ويجعله قويّاً شامخاً مستمسكاً بحبل الله عز وجل المتين الذي لا ينقطع أبداً. فلنفتش يا عباد الله في طوايا صدورنا عن هذه العبادة القلبية الجليلة، ولنستقبل أقدار الله عز وجل في بيوتنا وأعمالنا وأموالنا بروح خاضعة مطمئنة، لنكون بحق من الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وننال بشائر القبول والفوز الأكبر برضا رب العالمين في الدنيا والآخرة.

العنصر الثاني: السخط والجزع.. هلاك للنفس ومحوق للبركة والثواب
أيها المسلمون الأبرار، يا عباد الله المخلصين، إذا كان الرضا بقضاء الله عز وجل هو جنة الدنيا وبوابتها الطامسة للهموم، فإن السخط على الأقدار والاعتراض على أحكام الواحد القهار هو العاصفة المهلكة التي تقتلع سكينة النفس، وتمزق طمأنينة القلب، وتبدد بركة العمر والرزق. إن العبد الذي يستقبل ابتلاءات الحياة أو ضيق العيش بالجزع، والتبرم، وتوجيه اللوم لأقدار الله عز وجل، لا يغير من واقع القدر شيئاً؛ فالقدر نافذ لا محالة، ولكنه بسخطه هذا يخسر أعظم ما يملكه المؤمن، يخسر ثواب الصابرين، ويحرم نفسه من معية رب العالمين، ويفتح على روحه أبواب الاضطراب النفسي والقلق الدائم الذي لا ينقضي.

وتأملوا في التحذير النبوي الشديد والواضح من مغبة السخط وأثره المحرق للعمل؛ ففي ذات الحديث الشريف الذي صدرنا به خطبتنا، والذي أخرجه الإمام الترمذي في سننه عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه، قال سيدنا رسول الله ﷺ في جملة قاطعة: ومن سخط فله السخط. ويقول الحق سبحانه في سورة الحج واصفاً حال أولئك الذين تزلزلهم الأيام وتتقلب قلوبهم عند الابتلاء: ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين. إن السخط هو التعبير العملي عن ضعف اليقين في حكمة الخالق عز وجل، وهو الداء الذي يحرم العبد من رؤية النعم الكثيرة التي تتقلب فيها جوارحه، فلا يرى إلا ما سُلب منه، ويغفل عما أُعطي، فيعيش عيشة الساخطين ويموت بميتة الجاهلين.
ولنا في تاريخ الأمم السابقة ومواقف الأقدمين عبر وقصص تفيض بالمواعظ والدموع؛ يروي لنا الثقات في كتب الزهد والرقائق قصة رجل كان يعيش في زمن السلف الصالح، وكان له مال وفير وتجارة رابحة وأولاد، فأصابه الله عز وجل بآفة في ماله فذهب أكثره، ومات أحد أولاده، فدخل عليه جيرانه يعزونه، فوجدوه يصرخ ويشق ثيابه ويلطم وجهه ويقول بلسان السخط والاعتراض: “لماذا تفعل بي هذا يا رب؟ ماذا صنعت حتى تأخذ مالي وولدي؟”. فمر عليه رجل من عباد الله الصالحين وعلم بحاله وسخطه، فوقف عليه وقال له بلسان الوعظ المؤثر: “يا هذا، إنك بسخطك هذا وبكائك المعترض لن ترد مالاً قد فات، ولن تحيي ولداً قد مات، ولكنك صنعت ما هو أعظم جرماً؛ لقد أضحكت شيطانك، وأسخطت ربك، ومحقت ثوابك، وزدت في عذاب نفسك، فلو أنك رضيت لنفذ القدر وأُجرت، والآن ينفذ القدر وأنت مأزور غير مأجور!”. فبكى الرجل وانتبه من غفلته وعلم أن السخط هو الهلاك الحقيقي.

وتأملوا كذلك في الموقف العجيب الذي يروى عن سيدنا الأصمعي رحمه الله تعالى، لَمَّا خرج يوماً إلى البادية، فمر ببيت في الصحراء، فإذا فيه امرأة شابة حسناء، متزوجة من رجل شيخ هرم، ذميم الوجه، قاسي الطبع، سيئ الخلق، وكان الشيخ يؤذيها ويغلظ عليها وهي صابرة متبسمة تخدمه برفق، فلما خرج الشيخ، سألها الأصمعي مستغرباً من حالها: “يا هذه، كيف ترضين لنفسك وأنت في هذا الجمال والشباب أن تكوني زوجة لهذا الشيخ الذميم السيئ؟”. فنظرت إليه بقلب يملؤه الرضا والإيمان وقالت بلسان القناعة: “يا أصمعي، لعل الله عز وجل قد غفر له فجعلني ثوابه، ولعل الله عز وجل قد غفر لي فجعله عقابي، أفلا أرضى بما رضي الله عز وجل لي؟”. فتعجب الأصمعي من فقهها وعلم أن سكينة الرضا تفعل في النفوس ما لا تفعله كنوز الدنيا، وأن الساخط لو ملك الدنيا بأسرها لظل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصَّعَّد في السماء.وفي هذا المعنى والبلاء البليغ يقول الشاعر:

إِذَا نَزَلَ القَضَاءُ بِأَمْرِ رَبِّي … فَمَا لَكَ غَيْرُ تَسْلِيمٍ وَصَبْرِ
وَإِيَّاكَ السُّخُوطَ فَفِيهِ حَتْفٌ … يَقُودُ النَّفْسَ مِنْ وِزْرٍ لِوِزْرِ
فَكَمْ سَاخِطٍ حُرِمَ القَبُولَ … وَعَاشَ العُمْرَ فِي هَمٍّ وَخُسْرِ
وَمَنْ رَضِيَ القَضَاءَ حَبَاهُ رَبِّي … بِأَمْنٍ فِي الدُّنَا وَأَمَانِ قَبْرِ

إن عاصفة السخط والجزع لا تترك في بيت دخلته إلا نزعت منه البركة، ولا في رزق خامرته إلا محقته، ولا في قلب سكنته إلا ملأته بالظلمة والشقاء. فلنحذر يا عباد الله من هذا المسلك المهلك، ولنعود السنتنا ونفوسنا على قول “الحمد لله على كل حال”، مستسلمين لتدبير الخالق عز وجل وتوفيقه، لنعيش بهجة العمر بروح الطاعة والقناعة، واثقين بأن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وما أصابنا لم يكن ليخطئنا.

العنصر الثالث: آفة التفاخر والتباهي.. كيف يدمر الكبر نعم الله عز وجل على العبد؟
أيها المسلمون الأبرار، يا عباد الله المخلصين، إن من أشد الآفات الفتاكة التي تملأ الصدور قلقاً، وتزرع في المجتمع الأحقاد والضغائن، آفة التفاخر والمباهاة بزينة الحياة الدنيا ومتاعها الزائل. لقد فتحت الدنيا أبوابها في زماننا هذا بشكل غير مسبوق، وبدلاً من أن يستقبل الناس نعم الله عز وجل بالشكر والتواضع وانكسار القلب للمنعم سبحانه، تحولت النعم عند الكثيرين إلى وسيلة للتعالي، والتفاخر، والمباهاة أمام الأعين، في مأكلهم، ومشربهم، وملبسهم، وسياراتهم، وبيوتهم، بل وحتى في عباداتهم ومناسباتهم الاجتماعية! إن التباهي هو المظهر الخارجي لداء الكبر الدفين في النفس، وهو العاصفة التي إذا حلت بنعمة أفسدتها، ومحقت بركتها، واستجلبت غضب الخالق جل وعلا.

وتأملوا في التحذير الإلهي الصارم والواضح في كتاب الله عز وجل من سلوك أهل الخيلاء والتفاخر؛ حيث يقول الحق سبحانه في سورة لقمان: ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور. ويقول جل جلاله في سورة الحديد: واعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد. إن الله عز وجل يبغض العبد الذي يرى نفسه بعين العظمة ويرى الآخرين بعين الازدراء والمهانة، وقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. فكيف بمن جعل حياته كلها ميداناً للتباهي والتعاظم على عباد الله؟

ولنا في القرآن الكريم وفي أحوال الأمم السابقة عبر وقصص تزلزل القلوب؛ لنتأمل قصة قارون التي سطرها الوحي في سورة القصص ليكون عبرة للمتباهين إلى يوم القيامة؛ لقد آتاه الله عز وجل من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، فماذا كان موقفه؟ لقد نصحه عقلاء قومه قائلين: لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين، وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض. فرفض النصية بلسان الكبر والتباهي وقال: إنما أوتيته على علم عندي. ثم بلغ التباهي ذروته حين خرج على قومه في زينته، متبختراً بماله وحشمه وجواريه، يملأ قلوب الضعفاء حسرة، فجاءه العقاب الإلهي الخاطف والحاسم في لحظة الخيلاء ذاتها: فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين. فذهبت النعمة، وبقي اللعن، وتحول التباهي إلى هوان تحت أطباق الثرى!

وتأملوا كذلك في القصة العجيبة والمخيفة التي رواها لنا سيدنا رسول الله ﷺ في السنة النبوية المطهرة لتكون زاجراً عن التباهي بالمظهر والملبس؛ فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي ﷺ قال: بينما رجل يمشي في حُلة، تعجبه نفسه، مرجِّل جمَّته، إذ خسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. حُلة جميلة، وشعر مرجل، ومشية تملؤها الخيلاء والتباهي أمام الناس، كانت سبباً في أن تبتلعه الأرض وهو حي، ليظل يعذب في باطنها إلى قيام الساعة! إنها رسالة حاسمة لكل من يتباهى بماله أو منصبه أو جماله؛ إن النعمة أمانة، والمباهاة بها كفران، والمنعم عز وجل قادر على سلبها في طرفة عين أو أقل من ذلك. وفي هذا المعنى البليغ والموعظة المؤثرة يقول الشاعر:

عَجِبْتُ لِمَنْ يَخْتَالُ فِي مَشْيِهِ زُهُوّاً … وَأَوَّلُهُ نُطْفَةٌ وَآخِرُهُ جِيَفْ
يُبَاهِي بِمَالٍ لَيْسَ يَمْلِكُ نَفْعَهُ … وَيَنْسَى مَقَاماً فِيهِ لِلْمَوْتِ مُخْتَطَفْ
فَكَمْ مِنْ عَزِيزٍ بِالتَّبَاهِي مُدَمَّرٍ … وَخَرَّتْ قُصُورٌ فَوْقَهُ فِيهَا قَدْ سَقَفْ
فَكُنْ ذَا تَوَاضُعٍ لِلإِلَهِ وَشُكْرِهِ … فَشُكْرُ النِّعَمِ لِلْعَبْدِ حِصْنٌ وَمُعْتَكَفْ

إن آفة التفاخر والتباهي تفسد القلوب، وتمحق لذة العبادة، وتحرم العبد من بركة القناعة بروح الإسلام الحنيف وسماحته. فالمؤمن الحق يعلم أن ما عنده هو محض فضل من الله عز وجل، يستوجب الانكسار والشكر، لا المباهاة والافتخار؛ فلنطهر بيوتنا وأنفسنا من هذا الداء العضال، ولنعش عيش المتواضعين المخبتين، لتدوم علينا نعم ربنا عز وجل، ونكون من المقبولين عنده سبحانه في الدنيا والآخرة.

العنصر الرابع: التواضع وشكر النعم.. منهج الأنبياء والصالحين في دوام الخيرات
أيها المسلمون الأبرار، يا عباد الله المخلصين، إذا كانت عاصفة التباهي تمحق النعم وتجلب النقم، فإن التواضع لله عز وجل وشكر آلائه بقلب منكسر خاضع هو الحصن الحصين والدرع الواقي لدوام الخيرات وزيادة البركات. إن التواضع لرب العزة سبحانه ولعباده هو شيمة الأنبياء، وعنوان الأتقياء، ودليل كمال العقل واليقين؛ فالمؤمن الحق يعلم يقيناً أن كل ما يتقلب فيه من عافية، أو مال، أو ولد، أو منصب، إنما هو محض جود وعطاء من الخالق عز وجل، لا بحوله ولا بقوته، ولذلك يقابل هذا العطاء بخفض الجناح، وطهارة النفس، واللهج بالحمد والثناء على المنعم سبحانه، مصداقاً لقوله عز وجل في سورة إبراهيم: وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد.

تأملوا بقلوبكم في منهج الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، وهم سادات الخلق وأقربهم إلى الله عز وجل، كيف كان التواضع دثارهم عند ترادف النعم وتوالي الانتصارات؛ لنقف أمام قصة كليم الله سيدنا موسى عليه السلام لَمَّا أراه الله عز وجل من الآيات والمعجزات الباهرات ما تخر له الجبال خضوعاً، فما زادته تلك النعم العظمى إلا تواضعاً وافتقاراً؛ فحين سقى لامرأتي سيدنا شعيب في أرض مدين وتولى إلى الظل، لم يتفاخر بقوته ولم يتباه بنبله، بل رمى بجسده المتعب على الأرض ونادى ربه بلسان الافتقار التام والمسكنة الخالصة: رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير. فجاءته المكافأة الإلهية الفورية بالزواج، والأمن، والنبؤة، والتمكين؛ لأن الله عز وجل يرفع المتواضعين ويعلي شأن المخبتين الخاضعين لسر جلاله.

وانظروا كذلك إلى مشهد مهيب تجسد فيه قمة التواضع النبوي في سيرة الحبيب المصطفى والرسول المجتبى سيدنا محمد ﷺ؛ ففي يوم فتح مكة، اليوم الذي دانت فيه الجزيرة العربية كلها لنبوته، ودخل معقلاً كان قد أخرجه وأهانه، وصار يملك رقاب من آذوه وعادوه، كيف دخل النبي ﷺ مكة؟ هل دخلها متباهياً بجيشه، أو متفاخراً بنصره وعزته، أو مستكبراً على أعدائه؟ لا والله، بل يروي لنا أصحاب السير أن سيدنا رسول الله ﷺ دخل مكة وهو راكب على ناقته، وكان يطأطئ رأسه الشريف خضوعاً وانكساراً لله عز وجل، وشكراً له سبحانه على هذا الفتح المبين، حتى إن عثنونه الشريف -أي طرف لحيته- ليكاد يمس واسطة الرحل من شدة انحنائه وتواضعه لرب العزة عز وجل. وحين أقبل عليه رجل ترتعد فرائصه هيبة وإجلالاً لِمَقام النبوة، طبطب عليه الحبيب ﷺ برفق ورحمة وقال بكلمات تذوب لها القلوب تواضعاً: هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة. أخرجه الإمام ابن ماجه في سننه بسند صحيح.

ولقد سار الصحابة الكرام وسلف الأمة رضي الله عنهم على هذا النهج النوراني الفريد؛ فهذا أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، لَمَّا قدم الشام ليتسلم مفاتيح بيت المقدس، وكان يسير برفقته غلامه ولديهما دابة واحدة يتناوبان الركوب عليها، فلما اقتربا من مشارف الشام وجيش المسلمين وقادتهم ينتظرون قدومه، كانت النوبة في الركوب للغلام، فرفض الغلام وقال: يا أمير المؤمنين اركب أنت فالناس ينظرون إلينا، فأبى سيدنا عمر بن الخطاب وعظم العدل في قلبه ونزل وتولى هو قيام الدابة، ودخل الشام وخاض في مخاضة طين وهو آخذ بزمام الناقة، وفي رجليه خفان، وعلى عاتقه ثوبه! فأقبل عليه سيدنا أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه وأرضاه مذهولاً وقال: يا أمير المؤمنين، صنعت اليوم صنيعاً عظيماً عند أهل الشام، لقد صنعت صنيعاً لا يراه الناس لك لائقا بالملك والخلافة! فماذا كان جواب الفاروق؟ لقد ضربه بيده في صدره وقال بكلمات تعكس فقه العزة بالتواضع لله عز وجل: أواه يا أبا عبيدة، لو غيرك قالها لعلَّمته، إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله. فكان تواضعه وانكساره هو سر مهابته وعظمته التي هزت عروش كسرى وقيصر.

ويروى أيضاً عن سيدنا سلمان الفارسي رضي الله عنه وأرضاه، أنه كان أميراً على المدائن وبيده ملكها وتدبيرها، فمر به رجل من أهل الشام يحمل حملاً ثقيلاً من التين، وكان الرجل لا يعرف شكل سلمان، فلما رأى سلمان وعليه ثوب رث بسيط، ظنه من عامة الأجراء والعمال، فناداه بكبر: تعال احمل عني هذا الحمل! فجاء سلمان رضي الله عنه دون غضب أو تفاخر بإمارته، وحمل الحمل على عاتقه وسار به، فلما رآه الناس أقبلوا يهرولون ويصيحون بالرجل: ويلك، هذا الأمير سلمان صاحب رسول الله ﷺ! فارتعد الرجل وسقط في يده وقال: العفو يا أمير المؤمنين، لم أعرفك، دعني أحمل عنك، فقال سلمان بلسان التواضع والنقاء المخلص: لا والله لا أضعه حتى أبلغ به منزلك، فقد نويت به طاعة الله عز وجل وإدخال السرور عليك وقمع كبر نفسي. وفي هذا المعنى البليغ والجلال التربوي يقول الشاعر:

تَوَاضَعْ تَكُنْ كَالنَّجْمِ لَاحَ لِنَاظِرٍ … عَلَى صَفَحَاتِ المَاءِ وَهْوَ رَفِيعُ
وَلا تَكُ كَالدُّخَانِ يَعْلُو بِنَفْسِهِ … إِلَى طَبَقَاتِ الجَوِّ وَهْوَ وَضِيعُ
فَشُكْرُ نِعَمِ اللهِ صَوْنٌ لِأَهْلِهَا … وَكُلُّ كَبِيرٍ بِالتَّبَاهِي يَضِيعُ
وَطُوبَى لِعَبْدٍ خَفَّ لِلَّهِ جَنَاحُهُ … فَأَمْسَى بِأَثْوَابِ القَبُولِ يُشِيعُ

إن التواضع وشكر النعم يقيد النعم الحالية من الزوال، ويجلب النعم الفائتة بالوصال، ويجعل صاحبه محبوباً في السماء ومقبوّاً في الأرض بين عباد الله عز وجل. فلنلبس يا عباد الله أثواب التواضع، ولنلهج بألسنتنا وقلوبنا بشكر المنعم سبحانه في السر والعلن، مقتدين بنبينا وآله وأصحابه الكرام، لتستقيم أحوالنا وتدوم في بيوتنا وأوطاننا نعم ربنا عز وجل وتوفيقه بروح الإسلام الحنيف وسماحته الغراء.


الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
خطر إدمان السوشيال ميديا وأثره على الأسرة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، المبعوث رحمة للعالمين، ونذيراً للغافلين، فصلى اللهم وسلم وبارك عليه، وعلى آل سيدنا محمد، وأصحابه، وأهل بيته الأبرار، صلاة دائمة متصلة ترفعنا بها إلى منازل المقبولين الشاكرين.

أما بعد: أيها السادة الأفاضل، والعلماء الأجلاء، إن العبادة في الإسلام ليست طقوساً نؤديها فحسب، بل هي سلوك نعيشه، وحصانة نحمي بها بيوتنا وأسرنا من عواصف الفتن. وإذا كنا قد حذرنا في الخطبة الأولى من آفة التفاخر والتباهي، فإن الواجب الشرعي والمسؤولية الإيمانية تقتضي منا اليوم، وضمن مبادرة صحح مفاهيمك، أن نسلط الضوء على الميدان الأكبر الذي اشتعلت فيه هذه الآفة في زماننا، ألا وهو فضاء مواقع التواصل الاجتماعي، أو ما يعرف بالسوشيال ميديا، التي تحولت من وسيلة تواصل إلى إدمان مدمر، وعاصفة تقتلع استقرار الأسرة وتضرب وحدة المجتمع في مقتل.

العنصر الخامس: خطر إدمان السوشيال ميديا وأثره على تفكك الأسرة والمجتمع

أيها المسلمون الأبرار، يا عباد الله المخلصين، إن السوشيال ميديا في زماننا هذا أصبحت كالسرطان الساكت الذي يتسلل إلى بيوتنا، فسرق منا بركة الأوقات، وأفسد علينا بهجة العلاقات الإنسانية الحية؛ حيث انقلبت المفاهيم، وصار الكثير من الناس -إلا من رحم ربي- يعيشون حياة افتراضية وهمية، قائمة في أساسها على التباهي والتفاخر الرقمي. يدخل المرء إلى بيته وعوضاً عن أن يجلس مع زوجته وأولاده مؤنساً ومربياً وموجهاً، تجد كل فرد في الأسرة قابعاً في زاويته، مطأطئ الرأس أمام شاشة هاتفه، منقطعاً تماماً عن محيطه الأسري! لقد حل الصمت الزوجي، وجفت العواطف، وضاعت مسؤولية التربية تحت وطأة هذا الإدمان المهلك، حتى روى الإمام البخاري في صحيحه عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن سيدنا رسول الله ﷺ قال: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها. فأين هذه المسؤولية في ظل بيوت حية الأجساد ميتة الأرواح؟

وتأملوا في القصص الواقعية والمآسي الحية التي تتجرع مرارتها المحاكم والبيوت في كل يوم بسبب هذا الإدمان وشهوة التباهي الرقمي؛ يروى في قصة واقعية مؤثرة عن أسرة كانت مستقرة هادئة، رزقها الله عز وجل بيتاً جميلاً وحياة طيبة على قدر الكفاف والرضا، فدخلت الزوجة عالم السوشيال ميديا، وبدأت تتابع صفحات أولئك الذين يعرضون حياتهم المليئة بالبهرج والتفاخر، يصورون مآكلهم في المطاعم الفاخرة، وسياراتهم الفارهة، وهداياهم الثمينة. فخامر قلبها السخط والجزع، ونظرت إلى زوجها المخلص بعين الازدراء، وبدأت تطالبه بما لا يطيق، وانتهى الأمر بتفكك الأسرة وطلاقها وضياع الأطفال! وكل ذلك بسبب الخديعة الرقمية والتباهي الكاذب الذي يعرضه الناس على تلك المواقع، متناسين أن الكثير مما يرى في تلك الشاشات هو تزييف للواقع، بل إن بعض أولئك المتباهين يعيشون أتعس الناس خلف الكواليس، ولكنهم يستعبدون عقول الغافلين.

ولم يقف الخطر عند حدود السخط، بل امتد إلى انتهاك خصوصية البيوت وحرماتها من أجل تحصيل الشهرة والأموال الوهية؛ فتجد الأب أو الأم يصورون تفاصيل حياتهم اليومية، وغرف نومهم، وطعام أولادهم، ويعرضونها لآلاف الأعين، كاشفين ستر الله عز وجل عليهم، ومستجلبين لبيوتهم وأولادهم عيون الحاسدين ونقم الحاقدين، والنبي ﷺ يقول بلسان الحكمة والتحذير: استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود. أخرجه الإمام الطبراني بسند صحيح. فكيف يرجو بركة في بيته من جعل حياته نهباً لكل غاد ورائح على شبكات الإنترنت؟ وفي هذا الضياع الأسري المعاصر يقول الشاعر:

رَأَيْتُ الهَاتِفَ المَجْنُونَ يَهْدِمُ أُسْرَةً … وَيَبْنِي جِدَاراً بَيْنَ زَوْجٍ وَزَوْجَةِ
تَفَاخَرَ أَقْوَامٌ بِزِينَةِ وَهْمِهِمْ … وَأَمْسَتْ بُيُوتُ الطُّهْرِ فِيهَا كَعُرْوَةِ
فَأَيْنَ رِعَايَاتُ النُّفُوسِ وَأَيْنَمَا … مَقَامُ أَبٍ يَهْدِي لِخَيْرِ المُرُوءَةِ
فَعُودُوا لِرَبِّ العَرْشِ قَبْلَ نَدَامَةٍ … وَصُونُوا عِيَالاً مِنْ دَمَارِ الأَذِيَّةِ

إن علاج هذا الإدمان والحد من خطره يبدأ بصحوة واعية داخل بيوتنا؛ بأن نحدد أوقاتاً صارمة لاستخدام هذه الهواتف، وأن نعيد للمجالس الأسريّة هيبتها وحرارتها، وأن ننظف عقولنا من المقارنات القاتلة مع أهل التباهي والتفاخر، موقنين بأن عافية السير تحت ستر الله عز وجل وقناعته هي الغنى الحقيقي. فلنحافظ يا عباد الله على أسرنا، ولنحم عقول أولادنا من موجات التغريب والضياع الرقمي، لتظل بيوتنا واحات للأمن، والسكينة، والاستقرار، ومصانع للأجيال النافعة التي تبني الوطن وترفع رايته بعزيمة وإخلاص.

الدعاء:اللهم يا ربنا ويا مولانا، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، نسألك في هذا اليوم المبارك، وفي هذه الساعة الطيبة، أن تملأ قلوبنا بسكينة الرضا بقضائك وقدرك، وأن تقسم لنا من القناعة ما تغنينا به عن التطلع لما في أيدي عبادك. اللهم طهر نفوسنا من آفة التفاخر والتباهي والكبر والخيلاء، واجعلنا من عبادك المتواضعين المخبتين الشاكرين لآلائك ونعمك في السر والعلن.

اللهم احفظ بيوتنا وأسرنا من التفكك والضياع، واصرف عنا وعن أولادنا ونسائنا شرور إدمان السوشيال ميديا ومفاتنها المهلكة، واجعل هواتفنا ووسائلنا حجة لنا لا علينا، واستعملنا دائماً في طاعتك ونشر دينك وبناء مجتمعاتنا بروح الأخلاق والتحضر والنقاء.

اللهم احفظ مصرنا الغالية، وانشر عليها أمنك وأمانك، وسلمك وسلامك، ورخاءك واستقرارك، واصرف عنها وعن سائر بلاد المسلمين الفتن والمحن، ما ظهر منها وما بطن. اللهم وفق رئيس الجمهورية لما تحبه وترضاه من خيري الدنيا والآخرة، وخذ بيده لما فيه صلاح البلاد وعمارة العباد، وارزقه البطانة الصالحة الناصحة التي تعينه على البناء والتقدم والنظام.

اللهم احفظ جيشنا الباسل، وشرطتنا الساهرة، وصن حدودنا، وارحم شهداءنا الأبرار، واجزهم عنا وعن الأمة خير الجزاء. اللهم اشف مرضانا، وعاف مبتلانا، وارحم موتانا، واقض الدين عن مدينينا، واجعل نعمك علينا واصلة غير مقطوعة، برحمتك يا أرحم الراحمين.

عباد الله، اذكروا الله العظيم يذكركم، واستغفروه يغفر لكم، وأقم الصلاة، وكل عام وأنتم بخير وسعادة وأمان.

والله تعالى أعلم، وبالله تعالى التوفيق والسداد – كتبه فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني.

مكة المكرمة في ١٥ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ – ١ يونيو ٢٠٢٦ م