خُطْبَةُ الجُمُعَةِ بتاريخ ١٨ محرم ١٤٤٨ هـ – ٣ يوليو ٢٠٢٦ م كِنَانَةُ اللهِ فِي أَرْضِهِ.. مَكَانَةُ مِصْرَ المُبَارَكَةِ وَأَثَرُ الأَمْنِ فِي اسْتِقْرَارِ الأَوْطَانِ

خُطْبَةُ الجُمُعَةِ بتاريخ ١٨ محرم ١٤٤٨ هـ – ٣ يوليو ٢٠٢٦ م
كِنَانَةُ اللهِ فِي أَرْضِهِ.. مَكَانَةُ مِصْرَ المُبَارَكَةِ وَأَثَرُ الأَمْنِ فِي اسْتِقْرَارِ الأَوْطَانِ
بقلم فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني

لتحميل الخطبة يرجى الضغط على الرابط التالي:

كِنَانَةُ-اللهِ-فِي-أَرْضِهِ..-مَكَانَةُ-مِصْرَ-المُبَارَكَةِ-وَأَثَرُ-الأَمْنِ-

عناصر الخطبة:

١- خصوصية مصر وفضلها العظيم في القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة.

٢- الأمن والأمان أساس النماء وعماد استقرار الدول ونهضتها.

٣- وفاء الأنبياء والصحابة الكرام لمصر وأهلها ودورهم في ترسيخ السلام.

٤- واجب أبناء الوطن في الحفاظ على مقدراته وصيانة جبهته الداخلية.

٥- تعظيم شعائر الله والتحذير من التطاول على الدين في أوقات الغضب والمشاجرات (الخطبة الثانية).

الموضوع :

الحمد لله رب العالمين، واهب الأمن والأمان، وجاعل الأوطان مستقراً للعباد وبستاناً للإيمان، الذي خص مصر الكنانة بالذكر والبيان، وحفظها برعايته من عوادي الزمان، القائل في محكم التنزيل وبليغ الذكر الحكيم: وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الخلق عز وجل، الذي جعل الأمن نعمة كبرى تلي نعمة الإيمان، وحث العباد على صيانة أوطانهم وحفظ استقرار بلادهم، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، النبي المصطفى، والرسول المجتبى، الذي وصى بمصر وأهلها وصية باقية إلى قيام الساعة، فصلى اللهم وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين الأبرار، رضي الله عنهم أجمعين، الذين حملوا أنوار الهداية، وعمروا الأرض بالعدل والرحمة، فكانوا هداة مهتدين وشامات مضيئة بين العالمين.

أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته…

أيها السادة الأفاضل، والعلماء الأجلاء، حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. إن الحديث عن الأوطان ليس مجرد شعارات تُردد، بل هو جزء أصيل من عقيدتنا ومنهجنا الوسطي الرشيد، وحب الوطن من الإيمان. وإن لمصرنا الغالية في قلب الشريعة الإسلامية مكانة سامية، وخصوصية فريدة، تفردت بها دون سائر البلدان. وضمن مبادرة صحح مفاهيمك، نقف اليوم لنؤكد على حقيقة إيمانية واجتماعية كبرى؛ وهي أن الأمن والأمان هما حجر الزاوية لكل نهضة، وعماد استقرار الأوطان والدول، فلا دين بلا أمن، ولا دنيا بلا استقرار. ومن هنا وجب علينا أن نتعرف على فضل هذا الوطن، ليزداد حرصنا على حمايته وصيانة جبهته الداخلية من كل فكر منحرف أو سلوك طائش.

العنصر الأول: خصوصية مصر وفضلها العظيم في القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة

أيها المسلمون الأبرار، يا عباد الله المخلصين، اعلموا أن مصر لم تكن يوماً بلداً عابراً في تاريخ البشرية، بل هي قلب العالم النابض، وبلد الأمن والأمان التي كرمها الله عز وجل بذكرها تصريحاً وتلميحاً في كتابه العزيز في مواضع شتى، وجعلها ملاذاً للأنبياء، ومقراً للصالحين، وموئلاً لآل بيت النبوة الأطهار رضي الله عنهم. وحين نتأمل كتاب الله عز وجل، نجد أن مصر هي البلد الوحيد الذي اقترن دخوله بنعمة الأمن المطلق بمشيئة الله عز وجل؛ فالحق سبحانه وتعالى يخلد كلمات نبي الله سيدنا يوسف عليه السلام في سورة يوسف وهو يستقبل أبويه وإخوته فيقول: فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أهله وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين. فانظروا إلى بليغ اللفظ؛ لم يقل ادخلوها فحسب، بل قرن الدخول بضمان الأمان المقترن بمشيئة الخالق عز وجل، مما يدل على أن الأمن وصف ثابت راسخ في طينة هذه الأرض المباركة بفضل ربه تبارك وتعالى.

وتأملوا بقلوبكم وعقولكم في جلال التوجيه النبوي الشريف والوصية النبوية الخالدة التي حفظها التاريخ وصدقها الواقع؛ فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه،عن سيدنا أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وأرضاه، أن سيدنا رسول الله ﷺ قال بكلمات تفيض وداً وبلاغة وتوصية بمصر وأهلها: إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يُسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحماً. وفي رواية أخرى: فإن لهم ذمة وصهراً. فانظروا يا عباد الله إلى هذا الموقف النبوي الرفيع؛ إن النبي ﷺ يوصي بأهل مصر وصية خاصة ممتدة عبر الأزمان، مبيناً أن أهلها يجمعهم بالمسلمين رباط الذمة، ورحم السيدة هاجر أم نبي الله سيدنا إسماعيل عليه السلام، وصهر السيدة مارية القبطية أم إبراهيم ابن سيدنا رسول الله ﷺ. هذه الوصية النبوية جعلت لمصر مكانة مقدسة في نفوس الصحابة الكرام، فكانوا ينظرون إليها بعين الإجلال والمحبة والتقدير.

ولنا في مواقف الصحابة الكرام وسلف الأمة رضي الله عنهم أروع القصص الحية التي تجسد عظم مكانة مصر في نفوسهم؛ فهذا أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، لَمَّا فتح الله عز وجل مصر على يد الصحابي الجليل سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه، أصاب بلاد الحجاز قحط شديد وجفاف في عام الرمادة، فضاق الحال بأهل المدينة المنورة، فما كان من أمير المؤمنين عمر إلا أن أرسل رسالة عاجلة إلى والي مصر عمرو بن العاص يستغيث ببركة هذه الأرض وأهلها، فكتب إليه يقول: “من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص، سلام عليك، أما بعد: واغوثاه! واغوثاه!”. فلما وصلت الرسالة إلى سيدنا عمرو بن العاص، جمع أهل مصر وقرأ عليهم رسالة أمير المؤمنين، فما كان من أهل مصر بأخلاقهم الكريمة وسخائهم الأصيل إلا أن هبوا لنجدة إخوانهم، وكتب عمرو بن العاص إلى عمر قصة تسجل بمداد من نور: “لأرسلن إليك عيراً أولها عندك وآخرها عندي بمصر!”. فخرجت قوافل الخير المحملة بالأقوات من أرض مصر متصلة كقطار لا ينقطع، حتى أحيت مجتمع المدينة المنورة، ورفعت الكرب عن أصحاب رسول الله ﷺ ببركة مصر وجلال أهلها وسخائهم الفياض.

ويروى أيضاً في سياق تبرك آل البيت الأطهار بأرض مصر، قصة قدوم السيدة زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنهما وأرضاهما، وعقيلة بني هاشم، إلى أرض مصر بعد محنة كربلاء؛ فلما استقبلها أهل مصر بالترحاب، والبكاء، والإجلال، ونزلوا لها عن دورهم، واستضافها والي مصر في بيته، دمعت عيناها رضي الله عنها وأرضاها، ورفعت كفي الضراعة إلى الله عز وجل، ودعت لأهل مصر بدعاء جليل مبارك صار حصناً وبلسماً للبلاد عبر القرون، حيث قالت بلسان اليقين والنقاء: “يا أهل مصر، نصرتمونا نصركم الله، وآويتمونا آواكم الله، وأعنتمونا أعانكم الله، وجعل الله لكم من كل مصيبة فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، وبارك الله في أرضكم وأهلكم إلى يوم الدين”. فاستجاب الله عز وجل دعاء عقيلة بني هاشم، فظلت مصر واحة للأمن، وملاذاً للخائفين، وحصناً يلوذ به كل ملهوف. وفي هذا الجلال والفضل العظيم يقول الشاعر واصفاً كنانة الله عز وجل:

مِصْرُ الكِنَانَةُ مَا هَانَتْ عَلَى أَحَدٍ … اللهُ يَحْرُسُهَا عطْفَاً وَيَرْعَاهَا

نَدْعُوكَ يَا رَبِّ أَنْ تَحْمِي مَرَابِعَهَا … فَالشَّمْسُ عَيْنٌ لَهَا وَاللَّيْلُ نَجْوَاهَا

وَالسُّنْبُلَاتُ تُصَلِّي فِي مَزَارِعِهَا … وَالعِطْرُ تَسْبِيحُهَا وَالقَلْبُ مَرْعَاهَا

أيها المسلمون الأبرار، إن فقه الانتماء إلى هذا الوطن يستوجب منا أن نعرف قدره، وأن نحافظ على أمنه وأمانه؛ فمصر التي ذكرها الله عز وجل في كتابه، وافتخر بها الأنبياء، ودعا لها آل البيت الأطهار، تستحق من أبنائها البناء، والعمل، والإخلاص، والتآلف، لتبقى دائماً كما أرادها الله عز وجل واحة للأمن والأمان، ومنارة للعلم والوسطية الرشيدة التي تحمي العقول وتبني الأنفس والمجتمعات.

العنصر الثاني: الأمن والأمان أساس النماء وعماد استقرار الدول ونهضتها

أيها السادة الكرام ، يا عباد الله المخلصين، اعلموا أن نعمة الأمن والأمان هي عماد الحياة وبستان الطمأنينة، وهي النعمة الكبرى التي تتقدم في المنظور الشرعي والواقعي على سائر النعم والخيرات؛ فلا عيش يهنأ بلا أمن، ولا تجارة تروج بلا أمان، ولا علم يُطلب في ظل الخوف والاضطراب، بل إن العبادات وإقامة شعائر الدين لا تتم على وجهها الأكمل إلا إذا استقرت الأوطان وأمن الناس على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم. ولذلك نجد أن الشريعة الإسلامية الغراء جعلت الحفاظ على الأوطان وحفظ أمنها من المقاصد الكلية العليا للدين، وحذرت بأشد العبارات من كل سلوك يروع الآمنين أو يزعزع استقرار المجتمعات. وتأملوا في كتاب الله عز وجل كيف قدم نبي الله وخليله سيدنا إبراهيم عليه السلام نعمة الأمن على نعمة الرزق والنماء حين دعا لبلده وموطنه في سورة البقرة فقال: وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات. فما ذلك إلا لأن الأمن هو الوعاء الذي يحفظ الرزق، وهو الحصن الذي يثمر فيه العمل والبناء والتنمية.

وتأملوا بقلوبكم وعقولكم في جلال الهدي النبوي الشريف الذي يرسخ هذه الحقيقة التربوية والاجتماعية في نفوس الأمة بكلمات جامعة مانعة؛ فقد أخرج الإمام الترمذي في سننه، وبإسناد حسن، عن سيدنا عبيد الله بن محصن الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه، أن سيدنا رسول الله ﷺ قال بياناً يزن الدنيا بأسرها: من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها. فانظروا يا عباد الله كيف قدم الحبيب المصطفى ﷺ نعمة الأمن في الوطن والبيت “آمناً في سربه” على نعمة الصحة في البدن والكفاية في الرزق، فالعافية والرزق لا قيمة لهما مع وجود الخوف والاضطراب والتمزق، وحين ينام العبد آمناً في بيته ومجتمعه فقد ملك الدنيا وزينتها واستقرت حياته بفضل ربه عز وجل.

ولنا في تاريخ الأمة وسير سلف الصالحين رضي الله عنهم أروع المواقف والقصص التي توضح كيف كان وعيهم بأهمية الأمن في نهضة الدول وحقن الدماء؛ لنقف مع الموقف الحكيم والبليغ الذي روي في سير الخلافة الراشدة عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، حبر الأمة وترجمان القرآن، حينما خرجت طائفة من الناس في عهد أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأرادوا شق عصا الطاعة، ونشر الفوضى، وزعزعة استقرار المجتمع المسلم بالمدينة والكوفة تحت شعارات براقة مغلوطة، فذهب إليهم سيدنا ابن عباس مناظراً ومحاوراً بلسان الحكمة والرشاد، وقال لهم بكلمات هزت وجدانهم وأعادتهم إلى صوابهم: “جئتكم من عند أصحاب رسول الله ﷺ ومِن عند ابن عم النبي، وهم أعلم بالوحي منكم، فماذا تنقمون على إمامكم؟ إنكم بتمرَدكم هذا تروعون النساء والأطفال، وتقطعون السبل، وتمنعون إقامة الصلاة في المساجد، وتهدمون أمن الأوطان الذي بناه النبي ﷺ بدمه وعرقه!”. فلما سمع الكثير منهم هذا البيان البليغ، وعلموا أن الفوضى تهدم الدين والدنيا، تابوا وأنابوا، ورجع منهم آلاف مؤلفة إلى صف الجماعة، وحُقنت دماء المسلمين، ببركة هذا الوعي العلمي الرشيد.

ويروى أيضاً في سياق أثر الأمن في عمارة الأرض وبناء النهضة، ما ذكره الأئمة المؤرخون في سير القاضي الجليل والتابعي الكريم سيدنا شريح رضي الله عنه وأرضاه، أنه لما تولى القضاء في الكوفة، كان يركز في أحكامه وتوجيهاته على صيانة الأمن العام، والضرب على أيدي العابثين والخارجين عن النظام بصلابة وعدل، فقيل له يوماً: “إنك تشتد في حماية الأمن والأسواق والسبل”، فنظر إليهم بلسان الواعظ الشفيق والفقيه البصير وقال: “إن الأمن هو بساط العدل، وحياة البلاد، فلو ضاع الأمن لتوقفت مصالح العباد، ولعجز الفقير عن طلب رزقه، ولخاف التاجر على ماله، وما شُيدت حضارة ولا عُمرت أرض إلا في ظلال أمان راسخ يستظل به المطيع والعاصي على حد سواء”. فكانت هذه الرؤية الوسطية الثاقبة هي السر وراء ازدهار الحواضر الإسلامية واستقرارها عبر العصور بفضل التمسك بروح النظام وصيانة السلم العام. وفي هذا المعنى الجليل والاستقرار الراسي يقول الشاعر واصفاً قيمة الأمن في الأوطان:

وَمَا هِيَ قِيمَةُ الدُّنْيَا إِذَا مَا … تَفَشَّى الخَوْفُ فِي حَيِّ الرِّجَالِ

فَأَمْنُ النَّفْسِ لِلأَوْطَانِ سُورٌ … يَفُوقُ شَوَامِخَ الشُّمِّ الجِبَالِ

بِهِ تَبْنِي الشُّعُوبُ رَفِيعَ مَجْدٍ … وَتَسْعَى لِلرَّخَاءِ بِكُلِّ حَالِ

فَصُنْ أَمْنَ البِلَادِ أَخَا المَعَالِي … تَنَلْ عَفْوَ الكَرِيمِ ذِي الجَلَالِ

أيها المسلمون، إن الحفاظ على أمن مصرنا الغالية واستقرارها ليس مجرد واجب وطني فحسب، بل هو فريضة شرعية ومسؤولية تقع على عاتق كل مسلم ومسلمة؛ فحين يحافظ المواطن على النظام، وحين يتعاون الصانع والتاجر والموظف على حماية مقدرات البلاد، وحين نقف جميعاً صفاً واحداً خلف مؤسسات دولتنا وجيشنا وشرطتنا لحماية جبهتنا الداخلية والخارجيه، نكون قد حققنا فقه الأمن والأمان، وهيأنا لبلدنا أسباب النهضة، والتقدم، والرخاء، لنعيش جميعاً في سلام وأمان تحت رعاية رب العزة عز وجل وجلاله الفسيح.

العنصر الثالث: وفاء الأنبياء والصحابة الكرام لمصر وأهلها ودورهم في ترسيخ السلام

أيها المسلمون الأبرار، يا عباد الله المخلصين، إن التأمل في تاريخ الرسالات النبوية وحركة الصحابة الكرام رضي الله عنهم يوقفنا على حقيقة باهرة، وهي أن مصر كانت دائماً محل وفاء وإجلال من صفوة الخلق والأنبياء؛ فما دخلها نبي إلا ودعا لأهلها بالبركة والخير، وما حل بأرضها صحابي إلا وترسخت في قلبه قيم المحبة والسلام والوفاء لهذه البلاد الطيبة. إن هذا الوفاء ليس مجرد عاطفة عابرة، بل هو منهج ديني وسلوك نبوي أصيل يعلمنا أن حرية الأوطان وسلامة أراضيها وإكرام أهلها هو من شيم الأنبياء والمرسلين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. ولقد خلَّد القرآن الكريم في سورة القصص كيف كانت مصر ملاذاً آمناً لنبي الله سيدنا موسى عليه السلام، وكيف كانت حصناً لنبي الله سيدنا عيسى عليه السلام وأمه الصديقة مريم ابنة عمران حين لجأا إليها هرباً من ظلم الطغاة، فوجدا في ربوعها الأمن، والأمان، والملجأ الشفيق، بفضل الله عز وجل وسخاء هذه الأرض المباركة.

وتأملوا بقلوبكم وعقولكم في أبلغ صور الوفاء النبوي لمصر وأهلها، والتي تجسدت في قصة زواج خليل الله سيدنا إبراهيم عليه السلام من أمنا السيدة هاجر المصرية؛ لَمَّا دخل الخليل أرض مصر مع زوجته السيدة سارة، وأهداها ملك مصر السيدة هاجر لعفتها وطهارتها، فتزوجها الخليل عليه السلام وولدت له جد العرب ونبي الله سيدنا إسماعيل عليه السلام، الذي من نسله الشريف ولد حبيبنا ومصطفانا سيدنا محمد ﷺ. فلما هاجر الخليل بالسيدة هاجر وابنها إسماعيل إلى وادي مكة المقفر بغير زرع، وتألم الصديق لفراقها، ظل يوصي ذريته بصلة رحم مصر والوفاء لأهلها عبر العصور. وحين بعث الله عز وجل نبينا محمداً ﷺ، حفظ هذا الوفاء العظيم وهذا الرحم الممتد، فكان يذكر أصحابه في مجالسهم بقرابة أهل مصر ويقول كلمات اليقين والمحبة: فإن لهم ذمة ورحماً. فكان زواج الأنبياء وصهرهم من أرض مصر وسام شرف تاريخي طوَّق عنق هذه البلاد الغراء، وجعل الوفاء لها ديناً يُدان به لرب العالمين عز وجل.

ولنا في مواقف الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم أروع القصص الحية التي تبين شدة وفائهم لمصر، وحرصهم على ترسيخ السلام والعدل في ربوعها بمجرد دخولهم إليها؛ لنقف مع قصة وموقف الصحابي الجليل فاتح مصر سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه، لَمَّا استقر له الأمر في الفسطاط وبنى مسجده الجامع، جاء رجل من قبط مصر يبكي ويستغيث بلسان المظلوم، وكان والي مصر قد أقام سباقاً للخيل، فسبق جواد القبطي جواد ابن والي مصر، فغضب ابن عمرو بن العاص وضربه بالسوط وقال بلسان الكبر: “خذها وأنا ابن الأكرمين!”. فما كان من هذا المواطن القبطي إلا أن شد رحاله متوجهاً إلى المدينة المنورة يطلب العدل والوفاء من أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فلما استمع الفاروق لقصته، كتب فوراً إلى عمرو بن العاص أن يقدم إليه ومعه ابنه، فلما حضروا في مجلس الخلافة المهيب، ناول عمر بن الخطاب السوط للرجل القبطي المظلوم وقال له بكلمات الحق التي زلزلت الأركان: “اضرب ابن الأكرمين!”. فضربه حتى استوفى حقه، ثم التفت الفاروق عمر بن الخطاب إلى والي مصر عمرو بن العاص وقال مقولته الخالدة التي تفيض بوسطية الإسلام وسماحته الرشيدة في ترسيخ السلام وحقوق الإنسان: “يا عمرو، مذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟”. فانظروا يا عباد الله كيف كان الصحابة يوفون لأهل مصر، وكيف أقاموا العدل بين المسلم وغير المسلم على حد سواء، فرسخوا السلم المجتمعي، وجعلوا أهل مصر يدخلون في دين الله أفواجاً برؤيتهم هذا النقاء التربوي الأصيل.

ويروى أيضاً في سياق الوفاء والتراحم، ما ذكره الأئمة في كتب السير والتواريخ عن قصة الصحابي الجليل سيدنا الزبير بن العوام رضي الله عنه وأرضاه، حواري رسول الله ﷺ، حينما شهد فتح مصر وأقام فيها زمناً، فلما أراد الرحيل والعودة إلى المدينة المنورة، وقف في وسط الفسطاط ونظر إلى نيل مصر وأرضها وأهلها بعين المحبة والوفاء وقال بلسان صادق ونفس صافية: “والله يا أهل مصر، ما رأينا في بلادنا مثل سخائكم، ولا أطهر من نفوسكم، وإن لكم علينا حقاً موصولاً بوصية نبينا ﷺ، ولن ننسى فضلكم ومواساتكم لنا أبداً، فنسأل الله عز وجل أن يديم عليكم ستره، وأن يحفظ بلادكم من كيد الكائدين وطوارق المحن”. فكانت هذه العبارات الصادقة بلساناً بليغاً يعبر عن مدى التلاحم والود الذي صنعه الإسلام بين الصحابة وأهل هذه الأرض المباركة بفضل ربه تبارك وتعالى تيمناً بوسطيته وسماحته الراسية. وفي هذا الجلال والوفاء العظيم يقول الشاعر:

وَفَاءُ الصَّحْبِ لِلأَوْطَانِ دِينٌ … وَمِصْرُ لَهُمْ مَلَاذٌ وَامْتِدَادُ

بَنَوْا فِيهَا قِلَاعَ العَدْلِ صَفْواً … فَأَشْرَقَتِ المَدَائِنُ وَالبِلَادُ

دَعَا الأَنْبِيَاءُ لَهَا أَمَاناً … فَمَا خَابَ الدُّعَاءُ وَلَا الرَّشَادُ

فَكُنْ لِعُهُودِهِمْ وَافٍ نَقِيٍّ … تَنَلْ عِزّاً بِهِ يَقْوَى العِمَادُ

أيها المسلمون، إن الوفاء لمصر يتطلب منا اليوم أن نحافظ على هذا الميراث العظيم من السلام والوئام والمحبة المتبادلة بين أبناء الوطن الواحد؛ فحين يعامل المسلم جاره وأخاه في الوطن بالعدل، والاحترام، والمواساة، نكون قد التزمنا بوصية سيدنا ومولانا رسول الله ﷺ، ورسخنا السلم المجتمعي، وحصنا جبهتنا الداخلية ضد الشائعات والدسائس، لتبقى مصر كما كانت دائماً كنانة الله في أرضه، بلد الأمن، والأمان، والرخاء، والوسطية الغراء برعاية رب العالمين الفسيحة في الأولى والآخرة.

العنصر الرابع: واجب أبناء الوطن في الحفاظ على مقدراته وصيانة جبهته الداخلية

أيها المسلمون الأبرار، يا عباد الله المخلصين، إن معرفة فضل الوطن واستشعار نعمة الأمن والأمان لا يقفان عند حدود الثناء والذكر اللساني فحسب، بل يتطلبان ترجمة عملية وواجبات دينية وأخلاقية تقع على عاتق كل مواطن يعيش فوق هذه الأرض المباركة ويستظل بسمائها. إن صيانة الجبهة الداخلية للأوطان، والحفاظ على مقدراتها، وحماية منشآتها، والوقوف صفاً واحداً خلف مؤسسات الدولة وجيشها وشرطتها، هو أصل أصيل من أصول شريعتنا الإسلامية الغراء؛ فالأوطان لا تُبنى ولا تستقر إلا بتماسك أبنائها، وتفويت الفرصة على المتربصين والداعين إلى الفوضى والتمزق والشتات. والقرآن الكريم يضع لنا دستور الوحدة والتلاحم ببيان حاسم في سورة آل عمران فيقول الحق تبارك وتعالى: واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا. ويحذرنا سبحانه في سورة الأنفال من عاقبة التنازع والشقاق التي تؤدي إلى ضعف الدول وذهاب هيبتها فيقول: ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين.

وتأملوا بقلوبكم وعقولكم في جلال الهدي النبوي الشريف والمواقف الثابتة التي تبين كيف كان الحبيب المصطفى ﷺ يربي أصحابه على المسؤولية المجتمعية المشتركة في حماية الأمن العام وصيانة مقدرات الأمة؛ فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه، عن سيدنا النعمان بن بشير رضي الله عنهما، أن سيدنا النبي ﷺ ضرب مَثَلاً بليغاً واضحاً لا غموض فيه يوضح كيف أن مصلحة الوطن واحدة، وأن تهاون فرد واحد قد يودي بالمجتمع بأسره، فقال ﷺ: مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا! فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً. فانظروا يا عباد الله إلى هذا الفقه الأخلاقي الرفيع؛ إن المجتمع كالسفينة الواحدة، وإن صيانة الأمن وحفظ الجبهة الداخلية تقتضي الأخذ على أيدي العابثين والمخربين، والضرب على أيدي من يريد خرق سفينة الوطن تحت أي مسوغ، حتى ينجو المجتمع بأسره ويعم السلام والرخاء بفضل ربه عز وجل.

ولنا في مواقف الصحابة الكرام رضي الله عنهم أروع القصص الحية التي تجسد وعيهم الشديد بضرورة الحفاظ على وحدة الصف وصيانة جبهة البلاد من التسلل أو الضعف في الأوقات العصيبة؛ لنقف مع الموقف التاريخي البليغ لسيدنا عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وأرضاهما، لَمَّا مرت بالأمة أوقات اضطراب وفتن، وحاول بعضهم إثارة القلاقل داخل المدينة المنورة، وجمع الناس لشق عصا الطاعة وإثارة الشائعات؛ فما كان من سيدنا ابن عمر إلا أن جمع أولاده وأهل بيته وخاصته، ووقف فيهم خطيباً بلسان الحكمة والرشاد الواضح قائلاً: “إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: يُنصب لكل غادر لواء يوم القيامة بحسب غدرته، وإن من أعظم الغدر بعد الشرك بالله أن يبايع المرء رجلاً على طاعة ثم ينكث بيعته ويشيع الفوضى في بلده! والله لا أعلم أحداً منكم خلع يداً من طاعة، ولا سعى في ترويع آمن أو تخريب منشأة، إلا كان الفيصل بيني وبينه!”. فكان هذا الحزم التربوي من صحابة رسول الله ﷺ صمام الأمان الذي حفظ استقرار المجتمع، وحمى جبهته الداخلية من التمزق بروح المسؤولية والإخلاص.

ويروى أيضاً في سياق الوعي بصيانة مقدرات الأوطان ومنافع الناس العام، قصة وموقف التابعي الجليل سيدنا الأحنف بن قيس، ذلك الرجل الذي ضربت به الأمثال في الحلم والحكمة؛ فقد جاءه رجل في وقت فتنة وقلاقل وقال له: “يا أحنف، إن الناس قد اختلفوا وتنازعوا، فماذا تأمرنا أن نفعل؟”، فنظر إليه الأحنف بلسان الفقيه البصير وقال بكلمات واضحة تفيض حكمة واستقراراً: “آمركم أن تلزموا بيوتكم، وتصونوا أسواقكم، وتحفظوا سبُلكم، وتقفوا خلف إمامكم؛ فإن فوضى ساعة تهدم بناء سنين، وإن درهم أمن خير من قنطار ربح مع الخوف، ولا خير في عيش تضيع فيه المقدرات ويروَّع فيه الآمنون”. فكانت هذه الكلمات الرشيدة بمثابة منهج عملي التزمه العقلاء، فاستقرت به البلاد، وحُقنت به الدماء ببركة الفهم الوسطي النقي الذي يعلي مصالح الأوطان واستقرار الشعوب. وفي هذا الشموخ والجلال الإيماني الراسي يقول الشاعر واصفاً واجب الحفاظ على الوطن:

حِمَى الأَوْطَانِ مَفْرُوضٌ عَلَيْنَا … وَصَوْنُ صُفُوفِنَا عَيْنُ الرَّشَادِ

فَلَا تَرْكَنْ لِذِي فِتَنٍ وَشَكٍّ … يُرِيدُ السُّوءَ فِي بَقْعِ البِلَادِ

تَمَاسُكُنَا سِيَاجٌ صَانَ مَجْداً … وَأَمْنُ النَّفْسِ حِصْنٌ لِلْعِبَادِ

فَكُنْ لِلْخَيْرِ بَنَّاءً نَقِيّاً … تَنَلْ رِضْوَانَ مَوْلَاكَ الجَوَادِ

أيها المسلمون الأبرار، إن الحفاظ على مقدرات مصرنا الغالية في مطلع هذا العام الجديد يتطلب منا جميعاً وعياً وإدراكاً لخطورة المرحلة؛ فكل موظف يتقن عمله، وكل جندي يسهر على الحدود، وكل رجل أمن يحمي الجبهة الداخلية، وكل مواطن يتصدى للشائعات والأكاذيب والأفكار الهدامة، هو في رباط وفي طاعة لله عز وجل. فلنحافظ على سفينة وطننا، ولنصن نعم ربه علينا، ولنكن يداً واحدة لبناء المستقبل ونشر السلم والنماء بروح سماحة الإسلام الغراء ووسطيته الراسية.

ادعوا الله عز وجل وأنتم موقنون بالإجابة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.

الخطبة الثانية: التحذير من التطاول على الدين في أوقات الغضب والمشاجرات ضمن مبادرة صحح مفاهيمك

الحمد لله رب العالمين، والحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا عز وجل ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عالم السر والنجوى، وأشهد أن سيدنا ومولانا محمداً عبده ورسوله، الهادي البشير، والسراج المنير، والناصح الأمين الذي بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، ورحمة للعالمين، فصلى اللهم وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأهل بيته الأطهار وصحابته الأخيار أجمعين.

أما بعد:

أيها المسلمون الأبرار، يا عباد الله المخلصين، ركزت الخطبة الأولى على مكانة مصر الكنانة وأهمية الأمن والأمان في استقرار الأوطان ونهضتها. وضمن مبادرة صحح مفاهيمك، التي نهدف من خلالها إلى حماية القيم، وصيانة السلوك، وبناء الإنسان المستقيم، وجب علينا أن نقف وقفة حازمة وشفيقة لنصحح واحداً من أخطر المفاهيم المغلوطة والظواهر السلوكية السيئة التي تقع من البعض في الشوارع والأسواق وأماكن العمل، ألا وهي ظاهرة التطاول على الدين بالسب أو الشتم أو الاستخفاف في أوقات الغضب والمشاجرات.

إن المنهج الوسطي القويم يعلمنا أن تعظيم شعائر الدين، وتوقير مقدساته، وحفظ اللسان عن كبائر الكلمات هو جوهر الإيمان وعلامة التقوى؛ فحرمة الدين ومقدساته خط أحمر لا يجوز المساس به تحت أي ظرف من الظروف. وإن التعلل بالغضب، أو الشجار، أو فلتات اللسان عند الخصام ليس مسوغاً أبداً لإطلاق كلمات الكفر والسب واللعن التي تخرج العبد من ديرة الرضا وتجلب عليه سخط رب العالمين عز وجل؛ فالقرآن الكريم يجعل تعظيم المقدسات دليلاً على طهارة البواطن والقلوب في سورة الحج فيقول سبحانه وتعالى: ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب. ويقول جل وعلا مبيناً خطر الكلمة السيئة في سورة التوبة: ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم.

وتأملوا بقلوبكم وعقولكم في الأحاديث الصحيحة والمواقف النبوية الثابتة التي تبين كيف كان الحبيب المصطفى ﷺ يحذر من آفات اللسان، وينهى عن الفحش في القول حتى في أوقات الخصومة؛ فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ بكلمات حاسمة ترسم معالم اللسان المؤمن: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر. فإذا كان سب المسلم وتوجيه الشتم إليه هو فسوق وخروج عن الطاعة، فكيف يكون الحال بسب الدين الذي هو عصمة أمر المسلمين ومنبع هدايتهم؟ وأخرج الإمام الترمذي بإسناد صحيح عن سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه، لَمَّا سأل النبي ﷺ: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فأخذ النبي ﷺ بلسانه الشريف وقال بلسان النصح الشفيق والتحذير البليغ: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟.

ولنا في مواقف الصحابة الكرام وسلف الأمة رضي الله عنهم أروع القصص الحية التي تجسد عظم خشيتهم ومراقبتهم لألسنتهم، وشدة تعظيمهم لله عز وجل ولدينه في أوقات الغضب والشدة؛ لنستمع بقلوبنا إلى ما يرويه أصحاب السير في الصحيح والمسانيد عن قصة سيدي ومولاي سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، لَمَّا وقع بين رجلين مشاجرة وغضب في سوق المدينة، فارتفعت الأصوات، وفلتت من لسان أحدهما كلمة فيها جفاء واستخفاف باليمين والتعظيم، فسمعه سيدنا عمر بن الخطاب، فارتعدت فرائصه غضباً لله عز وجل، وأمسك بالرجل بصلابة وعدل وقال له بصوت هز أركان السوق: “ويلك! أبالله ودينه تستخف في غضبك؟ أتجعل ربك ودينك عرضة لخصومتك الفانية؟ استغفر الله وجدد إسلامك وتُب إلى ربك فوراً!”. فبكى الرجل وانبهر بنصح الفاروق وعلم عظم جرمه وجثا على ركبتيه قائلاً: “أستغفر الله العظيم وأتوب إليه، والله لا يعود لساني إليها أبداً”. فكان هذا الحزم التربوي صيانة لحرمة الدين، وتعليماً للأمة أن الغضب لا يبيح أبداً العبث بالمقدسات.

ويروى أيضاً في سياق الورع وحفظ اللسان قصة ممتعة عن الإمام الجليل والتابعي الكريم سيدنا الفضيل بن عياض، أنه رأى رجلين يتشاجران في الطريق، وكان أحدهما يلهج بألفاظ قبيحة كادت أن تلامس حرمة الدين والشعائر من شدة غيظه، فمشى الإمام الفضيل بن عياض إليهما، وجلس على الأرض وبكى بكاءً مراً، حتى تعجب الرجلان وتركا شجارهما وقالا له بلسان الشفقة: “ما يبكيك يا إمام؟”، فنظر إليهما بقلب سليم وصدر ناصح وقال بكلمات واضحة تفيض حكمة ونوراً: “والله ما أبكي على دنياكما التي تتنازعان عليها، ولكني أبكي على دينكما الذي أهنتماه بلسانكما في وقت غضبكما! ألا تعلمون أن الكلمة تهوي بصاحبها في النار سبعين خريفاً؟ اتقوا الله وصونوا ألسنتكم يعمر الله أوطانكم وبيوتكم”. فاستحيا الرجلان، وتصالحا في الحين واللحظة، واستغفرا ربهما ببركة هذا الوعي العلمي والتربوي الرشيد. وفي هذا المعنى الأخلاقي وصيانة اللسان يقول الشاعر:

احْفَظْ لِسَانَكَ أَنْ تَقُولَ فَتُبْتَلَى … إِنَّ اللِّسَانَ لِمَنْ بَغَى قَتَّالُ

وَعَظِّمْ شَعَائِرَ رَبِّ العَرْشِ مُحْتَسِباً … فَمَا لِدِينِ اللهِ فِي الغَضَبِ أَمْثَالُ

إِنَّ الخُصُومَةَ لَا تُبِيحُ جَهَالَةً … تَهْوِي بِصَاحِبِهَا وَتُرْدَى الحَالُ

فَعِشْ نَقِيَّ القَوْلِ تَسْعَدْ هَادِياً … تَنَلْ رِضَا المَوْلَى وَيَصْلُحُ بَالُ

أيها المسلمون، إن علاج هذه الظاهرة السيئة يكمن في تربية النفس على الحلم عند الغضب، تذكراً لتوجيه النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. ونقول لكل مسلم ومسلمة: اجعلوا ذكر الله عز وجل ديدنكم، وطهروا بيوتكم وأسواقكم من هذه الكلمات الخبيثة، وعلموا أولادكم أن الدين هو أغلى ما نملك، وأن صيانته وتوقيره وتوقير شعائره فريضة موصولة ببركة ونماء حياتنا واستقرار وطننا مصر الكنانة بروح السماحة والوسطية المستقرة الراسية.

الدعاء:

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وأصحاب سيدنا محمد، صلاة تنحل بها العقد، وتنفرج بها الكرب، وتُقضى بها الحوائج، وتُنال بها الرغائب وحسن الخواتيم. اللهم يا رب العالمين ويا مجيب السائلين، نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تحفظ مصرنا الغالية، كنانتك في أرضك، واحة للأمن والأمان، والسلم والسلام، والرخاء والاستقرار، واصرف عنها الفتن والمحن، ودسائس المفسدين والمتربصين ما ظهر منها وما بطن. اللهم وفق رئيس الجمهورية لما تحبه وترضاه من خيري الدنيا والآخرة، وخذ بنواصيهم إلى البر والتقوى، وهيئ لهم البطانة الصالحة الناصحة التي تعينهم على البناء والتنمية والتقدم والرفعة لبلادنا العزيزة. اللهم احفظ جيش مصر الباسل، وشرطتها الساهرة، وصن حدودنا، وارحم شهداءنا الأبرار، واجزهم عنا وعن الوطن خير الجزاء. اللهم طهر قلوبنا من الغل والحسد والشقاق، وطهر ألسنتنا من الكذب والغيبة والنميمة والفحش والتطاول على مقدساتك، واجعلنا ممن يعظمون شعائرك بأقوالهم وأعمالهم. اللهم اشف مرضانا، وعاف مبتلانا، وارحم موتانا، واقض الدين عن مدينينا، وبارك في أرزاقنا وأولادنا وبيوتنا يا أكرم الأكرمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار، يا عزيز يا غفار.

عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وأقم الصلاة.

والله تعالى أعلم، وبالله تعالى التوفيق والسداد – كتبه فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني.

القاهرة في ١٤ محرم ١٤٤٨ هـ – ٢٩ يونيو ٢٠٢٦ م