سيناء أكبر من الفتنة… ووحدة القبائل هي الحصن الذي لا يُهزم
30 يونيو، 2026
أخبار العالم الإسلامى

بقلم الشيخ : حسين السمنودي
من حين إلى آخر، تطل علينا أخبار خلافات ونزاعات بين بعض قبائل سيناء، فتسقط ضحية لها أرواح بريئة، وتتصدع بسببها علاقات امتدت لعشرات السنين، وكأن هناك من ينتظر تلك اللحظات ليصب الزيت على النار، ويحول الخلاف العابر إلى فتنة كبيرة تهدد النسيج الاجتماعي الذي عُرفت به سيناء عبر تاريخها.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل كل هذه الفتن مجرد صدف متكررة؟ أم أن هناك من يتربص بسيناء، ويحاول استغلال أي خلاف شخصي أو قبلي لإشعال نار لا يستفيد منها إلا أعداء الوطن؟
إن سيناء ليست مجرد قطعة من الأرض، بل هي بوابة مصر الشرقية، وخط الدفاع الأول عنها، وأهلها كانوا وما زالوا شركاء في حماية الوطن، وقد قدموا الشهداء جنبًا إلى جنب مع رجال القوات المسلحة والشرطة في مواجهة الإرهاب الأسود، حتى أصبحت سيناء رمزًا للصمود والتضحية.
ومن يعرف طبيعة المجتمع السيناوي يدرك أن قيم الشهامة، والكرم، وإغاثة الملهوف، واحترام الكبير، وإكرام الجار، كانت دائمًا هي السمة الغالبة على أبناء القبائل. لذلك فإن كل محاولة لبث الفرقة بينهم تمثل خطرًا على هذا التاريخ الطويل من التلاحم والأخوة.
وللأسف، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي في بعض الأحيان ساحة خطيرة لتأجيج الخلافات، حيث تنتشر الشائعات، وتُقتطع المقاطع من سياقها، وتُنشر كلمات الغضب والتحريض، فتتسع دائرة الأزمة في ساعات قليلة، بينما كان يمكن احتواؤها بالحكمة وكلمة العقل.
ولا يمكن إغفال أن الجهات التي تعادي استقرار مصر تدرك تمامًا أن استقرار سيناء يعني استقرار الوطن كله، ولذلك تسعى دائمًا إلى استغلال أي نزاع أو خلاف لإطالة أمده ونشر الفوضى، عبر الشائعات أو الحسابات الوهمية أو محاولات التحريض، وهو ما يستدعي مزيدًا من الوعي وعدم الانسياق وراء كل ما يُنشر أو يُتداول.
إن الخلافات أمر طبيعي في كل المجتمعات، لكن غير الطبيعي أن تتحول إلى ثارات ممتدة أو صدامات تهدد أمن الناس ومستقبل أبنائهم. فالرابح الحقيقي من الصلح هو الجميع، أما الخاسر من الفتنة فهو الجميع أيضًا.
واليوم تقع مسؤولية كبيرة على عاتق كبار القبائل، ورجال الدين، والعقلاء، والشباب، والإعلام الوطني، في إطفاء نار الفتن قبل أن تمتد، وترسيخ ثقافة الحوار والاحتكام إلى القانون والعرف القبلي الشريف الذي طالما نجح في إصلاح ذات البين.
كما أن الأسرة لها دور محوري في تربية الأبناء على احترام الآخر، ونبذ العصبية، وأن الدم المصري أغلى من أي خلاف، وأن القبائل كلها يجمعها وطن واحد ومصير واحد.
إن تنمية سيناء التي تشهدها الدولة في مختلف المجالات من طرق ومدن جديدة ومشروعات زراعية وصناعية وسياحية لن تؤتي ثمارها كاملة إلا إذا ساد الأمن الاجتماعي، وحافظ الجميع على وحدة الصف، لأن التنمية لا تزدهر في أجواء الخصومة، وإنما تنمو في بيئة يسودها السلام والتعاون.
ورسالتنا إلى كل أبناء القبائل في شمال سيناء وجنوبها: لا تجعلوا خلافًا عابرًا يهدم سنوات من المحبة، ولا تسمحوا لأحد أن يستخدم أسماءكم أو تاريخكم لإشعال نار الفتنة. فأنتم أهل الحكمة، وأنتم الذين أثبتم في أصعب الظروف أن مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
وليعلم كل من يحاول العبث بأمن سيناء أن أبناءها أوعى من أن يكونوا أدوات في يد أصحاب الأجندات المشبوهة، وأن وحدتهم كانت وستظل السد المنيع في وجه كل من يريد بمصر سوءًا.
ويبقى الخطر الأكبر الذي يجب أن يدركه الجميع، أن أعداء الأوطان لا يبدأون حروبهم دائمًا بالدبابات والطائرات، وإنما يبدأونها بزرع الشك بين الإخوة، وإشعال نار الكراهية بين أبناء الشعب الواحد، حتى يتحول الجار إلى خصم، والقريب إلى عدو، وتصبح المعركة داخل البيت الواحد، بينما يقف المتربصون بعيدًا يراقبون المشهد ويستغلون كل لحظة ضعف وانقسام. فالفتنة كانت عبر التاريخ من أخطر الأسلحة التي استخدمت لإضعاف المجتمعات وتمزيقها من الداخل، لأنها تجعل أبناء الوطن يستنزفون أنفسهم بأيديهم، ويهدرون طاقتهم فيما لا يعود عليهم إلا بالخسارة.
إن من يتمنى لمصر الضعف لا يحتاج إلى احتلال أرضها إذا استطاع أن يزرع الفرقة بين أبنائها، ولا يحتاج إلى هدم حدودها إذا نجح في هدم الثقة بين أهلها. فحين تتنازع القبائل، وتشتعل الخصومات، وتغيب لغة العقل، يكون الوطن كله هو الخاسر الأكبر، ويجد كل من يعادي استقرار مصر فرصة لاستغلال هذا الانقسام، لأن المجتمعات المتفرقة يسهل إنهاكها، أما المجتمعات المتماسكة فتبقى عصية على كل المؤامرات.
لقد أثبت التاريخ أن الدول لا تسقط فقط بقوة أعدائها، بل قد تضعف عندما يسمح أبناؤها للخلافات أن تتحول إلى عداوات، وللنزاعات أن تتحول إلى صراعات مفتوحة. وما إن تتسع دائرة الفرقة حتى يصبح الجميع هدفًا للخطر، فلا يفرق من يتربص بالوطن بين قبيلة وأخرى، ولا بين عائلة وأخرى، لأن غايته ليست نصرة طرف على حساب آخر، وإنما إنهاك الجميع وإضعاف الجميع حتى تصبح الأرض مهيأة للفوضى والاضطراب.
ولهذا فإن أعظم انتصار نحققه اليوم ليس أن يغلب فريق فريقًا آخر، وإنما أن ينتصر العقل على الغضب، وأن تنتصر الحكمة على التهور، وأن تنتصر المصلحة الوطنية على العصبية. فكل يد تمتد بالصلح تبني مستقبلًا، وكل كلمة تهدئة تحمي دمًا، وكل موقف مسؤول يسد بابًا أمام من يتمنى أن يرى أبناء الوطن يتناحرون.
إن سيناء التي صمدت في وجه الاحتلال والإرهاب، وقدمت الشهداء دفاعًا عن تراب مصر، لا يليق بها أن تُستنزف في خلافات داخلية، ولا أن تتحول ميادينها إلى ساحات خصومة بين أهلها. فأبناء القبائل جميعًا يجمعهم تاريخ واحد، وأرض واحدة، ومستقبل واحد، وراية واحدة، ومصير واحد، وإذا أصاب الضرر جزءًا منهم، فإن أثره يمتد إلى الجميع.
فليكن شعار المرحلة: لا مكان للفتنة بين أبناء الوطن، ولا فرصة لمن يحاول الاصطياد في المياه العكرة، ولا مجال لمن يريد أن يزرع العداوة بين الإخوة. ولتظل سيناء كما كانت دائمًا قلعة للصمود، وأرضًا للوفاء، ونموذجًا في التكاتف والوحدة، لأن قوة مصر تبدأ من قوة تماسك شعبها، وقوة سيناء تبدأ من اجتماع كلمة أبنائها. وكلما ازدادت المحبة بينهم، ضاقت السبل أمام كل من يتربص بالوطن أو يتمنى له سوءًا، وبقيت سيناء عصية على كل محاولة لبث الفرقة، شامخة بأهلها، وفية لتاريخها، وحصنًا منيعًا لمصر كلها.