بقلم : د / مدحت علي أحمد وربي
الحمد لله المذكور بكل لسان المشكور على كل إحسان والصلاة والسلام علي سيدنا الحبيب المصطفي العدنان .
قال الشيخ ابن تيمية رحمه الله : الذكر للقلب كالماء للسمك فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء . فكما لا يعيش بغير الماء فكذلكم القلب لا يعيش بغير ذكر الله.
وكان الشيخ ابن تيمية: لا يكلمه أحد بغير ضرورة بعد صلاة الفجر، فلا يزال في ذكر الله.. حتى ترتفع الشمس
إذا نسي الناس العهود وأغفلوا عهدك في قلبي وذكرك في فمي.
وإن جميع الأعمال والفرائض, إنما شرعت لإقامة ذكر الله عز وجل ؛ ولذا كان الذكر هو الأصل لجميع العبادات وهو أفضل العبادات .
والذكر هو: العبادة التي لا تسقط أبداً حتى في المرض أو في السفر؛ بل وحتى بعد دخول الجنة كما جاء في صحيح مسلم.
عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ وَلَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ» قَالُوا: فَمَا بَالُ الطَّعَامِ؟
قَالَ: «جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ، يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ، كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ» .
والشاهد من الحديث قوله: “يُلهَمُون التسبيح والتهليلَ كما تُلهَمُون النفَس ” ؛ يعني: تسبيحُهم لله سبحانه وتهليلُهم إياه كتنفُّسهم في الدنيا؛ يعني: كما أنهم لا يتعبون في تنفُّسهم، ولا يشغلهم شيءٌ عن التنفس، فكذلكم لا يتعبون في التسبيح والتهليل وجميع الأذكار، ولا يشغلهم شيءٌ عن التسبيح كالملائكة.
و جعل الله تعالي الذكر قرين جميع الأعمال الصالحة وأصل لها , والذكر هو روح العبادات ,فمتى عدمت العبادة من الذكر كانت كالجسد بلا روح , والذاكر لله تعالي حي و غير الذاكر ميت وإن كان يأكل ويشرب ويتحرك بين الناس كما جاء في البخاري .
عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ».
فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الذاكر بمنزلة الحي والغافل بمنزلة الميت ,فالقلب الذاكر كالحي في بيوت الأحياء , والغافل كالميت في بيوت الأموات ولا شك أن أبدان الغافلين قبور لقلوبهم ,وقلوبهم فيها كالأموات في القبور كما قيل:
فنسيان ذكر الله موت قلوبـهم : وأجسامهم قبل القبور قبور وأرواحهم في وحشة من جسومهم : وليس لهم حتى النشور نشور.
وكثير منَّ الناس لاسـيما في هذه الأزمان، يشكو صدأ قلبه وغفلته، و علاج القلب وحياته تكون بالذِّكر. فذكر الله تعالي هو : علاج الغفلة والنسيان
والذكر : هو العبادة التي يطلب الإكثار منها في كل حال قال الله تعالي : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (42).
قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي سبحوه: بالليل والنهار في البر والبحر والسفر والحضر والغنى والفقر والمرض والصحة والسر والعلانية .
وأما تارك الذكر خسران كقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} .
وفي أثر إلهي: من ذكرني ذكرته و أحبني وأحببته , فبي فافرحوا وبذكري فتنعموا , يا ابن آدم ما أنصفتني أذكرك وتنساني وأدعوك وتهرب إلى غيري وأذهب عنك البلايا وأنت معتكف على الخطايا يا ابن آدم ما تقول غدا إذ جئتني يا ابن آدم اذكرني حين تغضب: أذكرك حين أغضب .
وانظروا لحبيبنا صلى الله عليه وسلم كيف كان ذكره , كما جاء في الصحيح عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ»
وفي الحديث الصحيح : أنَّ رجلاً أتى إلى رسول – صلى الله عليه وسلم – فقال : يا رسول اللهِ إنَّ شرائع الإسلام قدْ كُثرَتْ عليَّ ، وأنا كَبِرْتُ فأخبرْني بشيءٍ أتشبَّثُ بهِ .قال : (( لا يزالُ لسانُكَ رطْباً بذكرِ اللهِ )) .
قال مالك بن دينار : ما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله عز وجل .
ومن شاء أن يسكن رياض الجنة في الدنيا.. فليستوطن مجالس الذكر، فإنها رياض الجنة. إِذَا رأيتم رياض الْجَنَّة فارتعوا فِيهَا، فقيل لَهُ: وَمَا رياض الْجَنَّة؟
فَقَالَ: مجالس الذكر.
قيل لذاكر: أَنْتَ صائم فَقَالَ: صائم بذكره فَإِذَا ذكرت غيره أفطرت .
وقيل: إِذَا تمكن الذكر من القلب فَإِن دنا منه الشَّيْطَان صُرع كَمَا يصرع الإِنْسَان إِذَا دنا منه الشَّيْطَان فتجتمع إِلَيْهِ الشياطين فيقولون مَا لِهَذَا فيقال قَدْ مسه الإنس .
فالذكر غذاء الأرواح وحبيب للرحمن ورفعة للعابد وجلاء للهموم
قال الله تعالي :(الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) فقلوب المحبين لا تطمئن إلا بذكره وأرواح المشتاقين لا تسكن إلا برؤيته،
قال الربيع بن أنس عن بعض أصحابه: علامة حب الله كثرة ذكره فانك لن تحب شيئا إلا أكثرت ذكره.
قال ابن القيم :
الذكر :طعام قلوب العارفين التي متى فارقتها صارت الأجساد لها قبورًا ، وهو عمارة ديارهم التي إذا تعطلت عنه صارت بورًا ،وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطريق ، وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الطريق , وزين الله به ألسنة الذاكرين كما زين بالنور أبصار الناظرين ، فاللسان الغافل كالعين العمياء ، والأذن الصماء واليد الشلاء .
قال أبو عبيدة الخواص :
سبحان من لو سجدنا بالعيون له على شباك الشوك والمحمي من الإبر
لم نبلغ العشر من معشار نعمته ولو العشير ولا عشرا مـن العشــر
هو الرفيع فلا الأبصار تدركـه سبحانه من ملـك نافــذ القــدر
سبحان من هو أنسي إن خلوت به في جوف ليل وفي الظلماء والسحر
أنت الحبيب وأنت الحب يا أملي من لي سواك ومن أرجـــوه يا ذخري
كان أحمد بن محمد القطان إذا جلس بين يدي الحجام ليحفي شاربه، يسبح، فيقول له الحجام: اسكت ساعة..
فيقول: اعمل أنت عملك.
كم قد زللت فلم أذكرك في زلل وأنت يا سيدي في الغيب تذكرني
لأبكين بدمع العين من أسـف لأبكين بكاء الآســـف الحزن
اللهم أعنا علي ذكرك وشكرك وحسن عبادتك واجعلنا من الذاكرين الشاكرين الصابرين وجميع المسلمين والمسلمات .
مجلة روح الاسلام فيض المعارف