دواعي المحن وما حدث من الفتن بعد مقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان


سلسلة مقالات “الفتنة الكبرى وأثرها في الوعي الجمعي الإسلامي الجزء الخامس “

 بقلم / د. بدر الفيومي

دكتوراه فى الفلسفة والفكر العربى والاسلامى المعاصر

وقفنا فيما سبق على أثر الانحراف عن منهج الوسطية في ظهور الفرق الإسلامية، ورأينا كيف أسهم الحاقدون والمنافقون في إحداث الشروخ الأولى في بنية الأمة، ثم تتبعنا أحداث السقيفة والشورى والبيعة بين حقائق التاريخ وافتراءات المشككين، وكيف استطاع الصديق والفاروق رضي الله عنهما أن يجهضا محاولات التمرد والتجديف على جماعة المسلمين، يقودنا نسق الأحداث التاريخية إلى الوقوف عند مرحلة تعد من أخطر المراحل التي مرت بها الأمة الإسلامية في تاريخها المبكر، ألا وهي مرحلة الفتن التي أعقبت أواخر خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه.

ولعل المتأمل في هاتيك المرحلة يدرك أن الفتن الكبرى لا تنشأ فجأة، ولا تتولد من فراغ، وإنما تسبقها إرهاصات فكرية واجتماعية وسياسية تتراكم في الوعي الجمعي للأمم حتى تبلغ حد الانفجار.

ومن هنا فإن الاقتصار بالنظر إلى حادثة مقتل عثمان رضي الله عنه باعتبارها واقعة منفردة يفضي إلى قراءة مجتزأة للأحداث، الأمر الذي يحجب عن الباحث كثيرًا من الحقائق الكامنة خلف المشهد التاريخي، ويقوده أحيانًا إلى تبني أحكام المتأولين أو روايات المجدفين والمشككين.

وإذا ما حاولنا أن نقرأ تلك المرحلة قراءة علمية متجردة من الأهواء والأغيار، بعيدًا عن نهوج التهويل أو التهوين، وجدنا أنفسنا أمام شبكة معقدة من العوامل المتداخلة التي أسهمت في تهيئة المناخ العام للفتنة. حيث كانت الدولة الإسلامية في عهد عثمان رضي الله عنه قد بلغت من القوة والاتساع ما لم تبلغه من قبل، الأمر الذي جعلها قبلة أنظار الأمم ومطمع الحاقدين والمتربصين، ناهيك عن أولئك الذين لم تستقر حقائق الإيمان في قلوبهم، فكانوا أقرب إلى التأثر بالشائعات والاستجابة لدعوات التمرد والتشكيك.

ولم يكن أعداء الأمة في ذلك الوقت المعيش غافلين عن التحولات الكبرى التي شهدتها الدولة الإسلامية؛ إذ أدركوا أن المواجهة العسكرية المباشرة لم تعد مجدية بعد أن انكسرت شوكة الفرس والروم، فانتقلوا إلى أسلوب آخر أكثر خطورة، يقوم على اختراق الصف الداخلي وإثارة الشبهات وزرع الفرقة بين أبناء الأمة.

وهنا نجد أن المعركة لم تعد معركة سيوف ورماح، وإنما غدت معركة أفكار وشائعات ورسائل مزورة، استهدفت الوعي الجمعي للمسلمين وقادة الرأي في الأمصار المختلفة.

أولًا: الأسباب العامة الداعية إلى الفتنة:

إذا ما انتقلنا إلى الأسباب العامة التي مهدت لظهور الفتنة، نجد أن اتساع الدولة الإسلامية يأتي في مقدمتها؛ فقد دخلت شعوب كثيرة في الإسلام خلال فترة زمنية وجيزة، ولم يحظ كثير من الداخلين الجدد بالتربية الإيمانية والعلمية التي تشرف بها جيل الصحابة رضي الله عنهم. الأمر الذي جعل بعضهم أكثر قابلية لتلقي الأخبار دون تمحيص، وأكثر استعدادًا للانخداع بدعايات المجدفين والمجترئين على مقام الصحابة والخلفاء.

كما أن الرخاء الواسع الذي عم بلاد المسلمين آنذاك كان من العوامل المؤثرة في تشكيل المشهد العام. حيث انتقلت الأمة من مرحلة الشدة والبذل والتضحية إلى مرحلة السعة وكثرة الأموال والغنائم، الأمر الذي أوجد لدى بعض النفوس نوازع التطلع إلى الدنيا والتنافس عليها. وقد نبه الحسن البصري إلى شيء من هذا المعنى حين وصف ما أفاء الله به على المسلمين من خيرات، غير أن بعض الناس لم يحسنوا التعامل مع تلك النعم، فتحولت عندهم إلى باب من أبواب التذمر والاعتراض.

ومن الأسباب التي لا ينبغي إغفالها كذلك بقايا العصبيات القبلية التي ظلت كامنة في نفوس بعض الأعراب، وإن أعلنت الإسلام ظاهرا. فقد كان بعضهم يجد في استمرار الخلافة في قريش ما يثير الحسد والضيق، الأمر الذي استغله أصحاب الأهواء أبشع استغلال. ولذلك أشار غير واحد من المؤرخين إلى أن بعض تلك النزعات ظلت تعمل في الخفاء حتى وجدت الفرصة المناسبة للظهور في صورة اعتراضات سياسية وشعارات إصلاحية ظاهرها الرحمة وباطنها الفتنة.

ويضاف إلى ذلك عامل آخر بالغ الأهمية، وهو البعد الجغرافي بين الأمصار ومركز الخلافة في المدينة المنورة. فكلما ابتعدت الأمصار عن منبع العلم ومجالس كبار الصحابة، سهل على أصحاب الأهواء أن يبثوا الشائعات بين الناس، وأن يقدموا الروايات المجتزأة على أنها حقائق ثابتة. ومن هنا بدأت تتشكل حالة من الاضطراب الفكري عند بعض العامة وشبيبة الأمصار الذين لم يمتلكوا من أدوات التفقه والعلم ما يمكنهم من التمييز بين الصحيح والسقيم.

 ثانيًا: عبد الله بن سبأ ودوره في تأجيج الفتنة:

وفي خضم تلك الظروف ظهر عبد الله بن سبأ، وهي شخصية ارتبط اسمها بأحداث الفتنة ارتباطًا وثيقًا في كتب التاريخ والملل والنحل. وعلى الرغم من محاولات بعض المشككين والمتأولين في العصر الحديث إنكار وجوده أو التقليل من أثره، فإن جمهور المؤرخين المتقدمين أثبتوا شخصيته، وعدوه من أبرز المحرضين الذين أسهموا في تأجيج الفتنة وإشعال نارها.

وكان ابن سبأ يهوديًا من أهل اليمن، أظهر الإسلام وأبطن غيره، واتخذ من الانتساب إلى الدين وسيلة للوصول إلى أهدافه. ولم يكن نهجه قائمًا على المواجهة المباشرة، بل على التدرج في بث الشبهات وإثارة التساؤلات وتشكيك الناس في رموزهم وقادتهم. وهي طريقة لا تزال تتكرر بأشكال مختلفة في حاضرنا المعيش، حين يبدأ بعض المجدفين بالتشكيك في الجزئيات لينتهوا إلى الطعن في الكليات والثوابت.

وقد أدرك ابن سبأ أن إسقاط الدولة لا يبدأ بإسقاط سلطانها السياسي فحسب، بل يبدأ بإضعاف الثقة بين الراعي والرعية، وبين العلماء والعامة، وبين قادة الرأي والجمهور. ولذلك أخذ ابن سبأ يروج الأكاذيب حول عثمان رضي الله عنه، وينشر بين الناس دعاوى لا أصل لها، مستغلا قلة العلم عند بعضهم، ورغبة آخرين في تصديق كل ما يوافق أهواءهم. ثم تجاوز ذلك إلى نشر جملة من الأفكار والعقائد التي لم تكن معروفة عند المسلمين من قبل، كالقول بالوصية والرجعة والغلو في آل البيت، وهي الأفكار التي وجدت من يتلقفها ويروج لها بين الناس.  

ولم يكن يعمل وحده، بل كوّن شبكة من الأتباع والدعاة في الأمصار المختلفة، يتراسلون ويتعاونون على نشر الشائعات وتأليب الناس على الخليفة الراشد.

وبذلك نعلم أن الفتنة الكبرى لم تكن نتاج عامل واحد، كما أنها لم تكن وليدة يوم أو شهر، وإنما كانت نتيجة تراكمات متعددة اجتمعت في نسقية معقدة من العوامل السياسية والاجتماعية والفكرية، الأمر الذي هيأ الأرضية المناسبة لتحركات أهل الأهواء والمجدفين والمجترئين على مقام الصحابة الكرام.

وإذا كانت تلك المرحلة قد بدأت بالشبهات والرسائل والدعايات، فإنها سرعان ما انتقلت إلى مرحلة أكثر خطورة، تمثلت في تنظيم الحركات المعارضة داخل الأمصار، وتزوير الكتب على ألسنة كبار الصحابة، وهي الأحداث التي مهدت للحصار ثم المأساة الكبرى التي هزت الوعي الجمعي للأمة الإسلامية، وهو ما سنقف عليه تفصيلًا في مقالنا التالي.