كيف تحولت الحرية الرقمية إلى تبعية مطلقة
14 يوليو، 2026
الماسونية والجمعيات الصهيونية

المقال الخامس عشر من سلسلة ( ماسونيات ـ جيوش الظل )
للكاتب / محمد نجيب نبهان
كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي
المواطن الأسير:
حين ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي لأول مرة، بدت كأنها تحقيق لحلم طالما راود البشرية: حرية بلا حدود، قدرة على إيصال الصوت إلى أقصى الأرض من دون رقابة أو وسيط، مساحة تعبير مفتوحة لكل من لم يجد منبرًا في الصحافة أو التلفاز أو المنابر التقليدية. دخل الناس هذه المنصات مبهورين بما ظنوه جمهورية رقمية ديمقراطية، فيها يتساوى الفقير مع الغني، والضعيف مع القوي، والمغمور مع النجم. لكن مع مرور السنوات، تبيّن أن هذه الحرية لم تكن سوى طُعم براق يخفي وراءه أسرًا ناعمًا، وأن المواطن الذي ظن نفسه محررًا صار في الحقيقة أسيرًا داخل قفص ذهبي، تحكمه خوارزميات، وتراقبه شركات، وتحدد مساره قوى لا يراها.
لقد تحولت الحرية الرقمية إلى تبعية مطلقة لأن المنصات لم تكن فضاءات عامة يملكها الناس، بل كانت شركات خاصة عابرة للحدود، مقرها في الغرب، خاضعة لقوانينه ومصالحه. وهذا يعني أن كل ما يكتبه أو ينشره المواطن العربي أو المسلم أو أي إنسان آخر، إنما يخضع لمعايير تُرسم في مكاتب بعيدة، لا تعترف بثقافته ولا بقيمه. حرية التعبير هنا ليست مطلقة، بل مقيدة بما تسمح به تلك الشركات. كلمة واحدة قد تُصنف كـ”خطاب كراهية”، صورة واحدة قد تُحجب بدعوى “انتهاك المعايير”، بينما يُسمح لأفكار أخرى أن تنتشر بلا قيد لأنها تخدم توجهات هذه المنصات.
وما يجعل المواطن أسيرًا أكثر هو أنه صار يعتمد على هذه المنصات في كل تفاصيل حياته: للتواصل مع أهله، لمتابعة الأخبار، للعمل، للتسويق، للتعليم، وحتى لممارسة طقوسه الدينية أو الاجتماعية. لقد أصبحت المنصة جزءًا من نَفَس الإنسان اليومي، بحيث لا يستطيع الانفكاك عنها من دون أن يشعر بالعزلة أو العجز. ومع هذا الاعتماد الكلي، صار المواطن فاقدًا للسيادة على نفسه: هو يظن أنه يختار بحرية، لكنه في الحقيقة يتحرك ضمن مسارات مرسومة سلفًا.
ثم جاءت قضية البيانات الشخصية لتكشف حجم التبعية. فكل نقرة وكل إعجاب وكل صورة يرفعها المواطن تُسجل وتُحلل وتُباع لشركات أخرى أو تُسلم لحكومات. وهكذا لم يعد الفرد مجرد مستخدم، بل صار مادة خام في سوق البيانات العالمي. حياته كلها تحولت إلى ملف ضخم في خوادم بعيدة، يمكن استخدامه للتأثير عليه في الانتخابات، أو توجيه استهلاكه، أو حتى ابتزازه سياسيًا وأمنيًا. لقد صار المواطن أسيرًا مرتين: أسير الخوارزميات التي تحدد ما يراه، وأسير قواعد البيانات التي تحصي كل أنفاسه.
إن أخطر ما في هذا الأسر أنه غير مرئي. المواطن لا يرى السجان، بل يظن أنه حر لأنه يكتب ما يشاء ويعلق كيف يشاء. لكنه لا يدرك أن ما يكتبه قد يُحذف، وما ينشره قد يُخفى، وما يراه قد اختير له بعناية. هو يعيش في وهم الحرية بينما هو في الحقيقة داخل زنزانة واسعة الأبواب، جدرانها شفافة، لكنه لا يستطيع الخروج منها. وهذا ما يجعل الاحتلال الرقمي أشد فتكًا من الاحتلال العسكري: لأن الأسير فيه لا يدرك أنه أسير أصلًا.
ولعل المأساة الكبرى أن هذا الأسر أدى إلى تفكك المجتمعات من الداخل. فقد صار المواطن يقضي ساعات طويلة في فضاء افتراضي، يظن أنه يتواصل فيه مع الآخرين، لكنه في الحقيقة يعيش عزلة مضاعفة. علاقاته الأسرية تضعف، انتماؤه لمجتمعه يتراجع، هويته تتفتت. لقد صار الولاء الأكبر للمنصة نفسها، فهي مصدر الأخبار، وهي ساحة النقاش، وهي معيار القيمة. من لا يملك حضورًا قويًا فيها يُعتبر خارج الزمن، ومن يُحذف حسابه كأنه أُقصي من الوجود.
وهكذا يتضح أن الحرية الرقمية لم تكن حرية حقيقية، بل كانت أداة لتكريس تبعية مطلقة. المواطن الذي دخل هذه المنصات ليعبّر عن نفسه، صار أسيرًا لها، يُعاد تشكيل وعيه وفق خوارزمياتها، ويُباع ملفه الشخصي في سوق البيانات، وتُستخدم كلماته ضده إن خرج عن المسموح. لقد صار المواطن في عصر الاحتلال الرقمي مجرد رقم في شبكة عالمية، تتحكم فيه قوى خفية، وتمنحه وهم الحرية كي يقبل بأسره راضيًا.
إن هذا التحول هو ذروة خطورة جيوش الظل الإعلامية: أن تجعل من الإنسان سجينًا طائعًا، يظن أنه يعيش الحرية بينما هو في الحقيقة مجرد أسير رقمي، يساق مع القطيع حيثما شاءت الخوارزميات، ويُحاصر داخل عالم افتراضي صنعه غيره، وتُسلب منه أبسط حقوقه من دون أن يطلق صرخة. إنها عبودية جديدة، أكثر قسوة لأنها تختبئ خلف ستار الحرية.