خُطْبَةُ الجُمُعَةِ حَقُّ الطَّرِيقِ بَيْنَ رُقِيِّ الشَّرِيعَةِ وَعِمْرَانِ الأَوْطَانِ بقلم فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني

خُطْبَةُ الجُمُعَةِ بتاريخ ٢ صفر ١٤٤٨ هـ – ١٧ يوليو ٢٠٢٦ م
مَسَالِكُ النُّورِ وَآدَابُ السَّالِكِينَ.. حَقُّ الطَّرِيقِ بَيْنَ رُقِيِّ الشَّرِيعَةِ وَعِمْرَانِ الأَوْطَانِ
بقلم فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني

لتحميل الخطبة يرجى الضغط على الرابط التالى :
مَسَالِكُ-النُّورِ-وَآدَابُ-السَّالِكِينَ..-حَقُّ-الطَّرِيقِ-بَيْنَ-رُقِيِّ-الشَ

عناصر الخطبة:
فلسفة الإسلام في تنظيم السلوك العام وحق الطريق كعبادة وطاعة.
الهدي النبوي الشريف في بيان حقوق الطريق وتطبيقاتها المعاصرة.
خطورة الاعتداء على الطرق والمرافق العامة وجنايتها على أمن الوطن واستقراره.
مواقف وقصص حية من ورع الصحابة الكرام في صيانة المنافع العامة وتوقير السبل.
صناعة الأمل وبناء الأجيال.. واغتنام الإجازة الصيفية فيما ينفع (الخطبة الثانية).

الموضوع
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، البر الجواد، الذي جعل الإسلام منهاجاً شاملاً لتنظيم حياة العباد، ورغب في كل ما يجمع الكلمة ويدفع الأذى والفساد، القائل في محكم التنزيل وبليغ الذكر الحكيم واصفاً عباده الأبرار في سورة الفرقان: وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الخلق عز وجل، الذي أمر بالإصلاح وعمارة الأرض، ونهى عن الفساد والإفساد في سائر مناحي الحياة، وأشهد أن سيدنا ومولانا محمداً عبده ورسوله، الذي علمنا آداب المعاش وأخلاق المسالك، فكان خلقه القرآن، وسيرته النور الهادي للسالكين، فصلى اللهم وسلم وبارك عليه، وعلى آله، وأصحابه، الطيبين الطاهرين الأبرار، رضي الله عنهم أجمعين، الذين شادوا صروح الحق، ونشروا المحبة والسلام في البرية، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته…
أيها المسلمون الأبرار، ويا عباد الله المخلصين، اسمعوا بوجدانكم لنتأمل سوياً كيف جاءت شريعتنا الغراء لتنظم أدق تفاصيل الحياة الاجتماعية؛ فالإسلام لم يقصر العبادة على المحاريب والمساجد فحسب، بل جعل السلوك العام في الطرقات والشوارع والتعامل مع الممتلكات والمرافق العامة جزءاً لا يتجزأ من إيمان المسلم وعقيدته. ونقف اليوم مع خلق عظيم من آداب الإسلام الظاهرة، وهو حق الطريق، لنبين كيف يرتبط هذا الحق بأمن الأوطان وعمرانها، وكيف يتحول كف الأذى عن طرق الناس ومرافقهم إلى عبادة نتقرب بها إلى رب العزة عز وجل، فهل تدرون ما قيمة الطريق وحقه في ميزان الشريعة الغراء؟

العنصر الأول: فلسفة الإسلام في تنظيم السلوك العام وحق الطريق كعبادة وطاعة
يا عباد الله، هل تأملتم يوماً كيف جعل الإسلام إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان؟ إن هذا التوجيه الإلهي والنبوي العظيم يعلمنا أن نظافة الشارع، واحترام حق المار، وصيانة المرافق والمنافع العامة ليست مجرد سلوكيات حضارية معاصرة فحسب، بل هي عبادات جليلة وقربات يتقرب بها العبد لربه تبارك وتعالى. فالطريق هو ملك عام منفعة لكل الناس، والاعتداء عليه أو التضييق فيه هو اعتداء على المجتمع بأسره. والقرآن الكريم يرسخ مسؤولية عمارة الأرض بالخير وتجنب الإفساد في سورة الأعراف فيقول الحق تبارك وتعالى: ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفاً وطمعاً إن رحمت الله قريب من المحسنين. ويخبرنا جل وعلا في سورة الأحزاب بعاقبة إيذاء المؤمنين في طرقاتهم ومعايشهم فيقول: والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً.

وتأملوا بقلوبكم وعقولكم هذا الحديث العظيم والموثق الذي يرويه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، عن سيدنا رسول الله ﷺ قال بكلمات واضحة وسهلة تهز الوجدان: الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان.

انظروا إلى جلال هذا الربط؛ إن العقيدة التي تبدأ بكلمة التوحيد لا إله إلا الله تمتد وتنعكس في الشارع العملي ليكون أثرها إماطة الأذى عن الطريق! فالمسلم الصادق لا يكون مؤذياً، ولا يترك خلفه قذراً، ولا يضيق على المارة، بل يحمل قلباً رحيماً يبتغي السلامة للجميع. ولنستمع معاً بيقين وتشويق إلى هذه القصة النبوية الموثقة في صحيح مسلم عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه، أن سيدنا رسول الله ﷺ قال: بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره، فشكر الله له فغفر له.

يا له من كرم إلهي واسع! رجل لم يقدّم خطبة بليغة، ولم يقم بعمل ضخم، إنما رأى غصن شوك يؤذي المارة في الطريق، فدافعته رقة قلبه ورفقه بالناس إلى أن ينحيه جانباً، فشكر الله عز وجل صنيعه وأدخله الجنة بغفرانه! إن هذا الموقف الوعظي يعلمنا أن رعاية المنافع العامة وإماطة الأذى عن طرقات المسلمين هي صك غفران وطريق ممهد إلى الجنان، فما أحوجنا أن نصحح مفاهيمنا السلوكية، وأن نعمر طرقات وطننا بالرحمة والجمال والنظام بفضل ربه تبارك وتعالى. وفي هذا السمو الأخلاقي العظيم يقول الشاعر:
طَرِيقُ النَّاسِ أَمْنٌ وَاسْتِقَارٌ … وَكَفُّ الأَذَى عَنِ السُّبُلِ اعْتِبَارُ
فَصُنْ حَقَّ المَمَرِّ وَكُنْ رَفِيقاً … فَفِي كَفِّ الأَذَى لِلنَّاسِ دَارُ
هِيَ الإِيمَانُ أَنْوَارٌ تَجَلَّتْ … وَفِي إِمَاطَةِ الآفَاتِ فَخَارُ

العنصر الثاني: الهدي النبوي الشريف في بيان حقوق الطريق وتطبيقاتها المعاصرة
أيها المسلمون الأبرار، يا عباد الله المخلصين، قفوا معي بوجدانكم وتأملوا عظمة هذا الدين الذي لم يترك جانباً من جوانب الحياة إلا وهدى فيه للتي هي أقوم؛ إن الحبيب المصطفى ﷺ وضع لنا أبلغ القواعد والآداب لتنظيم الوجود الإنساني في الفضاء العام، ليكون المسلم مصدر سلام وطمأنينة لكل من حوله. والقرآن الكريم يذكرنا دائماً بضرورة الالتزام بالتواضع والأدب في سيرنا وحركتنا، فيقول الحق تبارك وتعالى في سورة الإسراء بلسان النصح الحكيم: ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً.

ولنستمع معاً بيقين وتشويق إلى هذا الحديث العظيم والموثق الذي يرويه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما عن سيدنا أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، أن سيدنا رسول الله ﷺ قال لأصحابه بلسان التحذير والتعليم: إياكم والجلوس في الطرقات! فقالوا: “يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بد، نتحدث فيها”. فلما رأى النبي ﷺ حاجتهم إلى ذلك، لم يضيق عليهم، بل وضع لهم شروطاً تضمن سلامة الناس وحفظ كرامتهم، فقال ﷺ: فإذا أبيتم إلا المجلس، فأعطوا الطريق حقه. قالوا: “وما حق الطريق يا رسول الله؟”. قال ﷺ بكلمات بليغة جامعة واضحة: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وفي رواية أخرى: وإرشاد السبيل، وتغيثوا الملهوف.

فانظروا يا عباد الله إلى هذا الدستور النبوي الخالد؛ إن حقوق الطريق التي أرساها النبي ﷺ قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام هي قمة الرقي الحضاري والسلوكي. وحين نسقط هذه الحقوق على تطبيقاتنا المعاصرة في شوارعنا اليوم، نجد أن “كف الأذى” يقتضي ألا يوقف السائق سيارته في منتصف الطريق فيعطل حركة المرور ويقطع مصالح العباد، ويقتضي ألا يلقي الراكب القمامة من نافذة سيارته ليتأذى بها عمال النظافة أو المارة، ويقتضي ألا يتعدى صاحب المحل التجاري بجرأة على رصيف المشاة فيجبر الشيوخ والنساء على السير في نهر الشارع معرضين حياتهم للخطر بغير مبالاة.

ولنا في السيرة النبوية المشرفة أروع القصص الحية التي تجسد وعي الصحابة الكرام بهذه الحقوق وحرصهم على تطبيقها؛ فهذا الصحابي الجليل سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه، كان يسير ذات يوم في طريق من طرقات اليمن ومعه رجل من أصحابه، فرأى سيدنا معاذ حجراً صغيراً في وسط الطريق، فانحنى بكل تواضع ونحاه جانباً، فتعجب صاحبه وسأله عن صنيعه، فنظر إليه معاذ بلسان الواعظ الشفيق وقال له كلمات سمعها من فم النبي ﷺ تصدع باليقين والخير: “سمعت رسول الله ﷺ يقول: من رفع حجراً من الطريق كُتبت له حسنة، ومن كانت له حسنة دخل بها الجنة”.

فانظروا كيف كان الصحابة يرون في إماطة حجر صغير طريقاً موصلاً إلى الجنة بفضل ربه تبارك وتعالى! إن حق الطريق في إسلامنا ليس ترفاً ولا نافلة، بل هو مقياس لتدين العبد ورقي أخلاقه وسلوكه في مجتمعه. وفي هذا النبل البليغ والسهل يقول الشاعر واصفاً روعة الالتزام بحق السبل:
إِذَا سِرْتَ فِي دَرْبٍ فَكُنْ ذَا سَمَاحَةٍ … وَأَعْطِ طَرِيقَ النَّاسِ حَقّاً وَمَنْظَرَا
فَغَضٌّ لِأَبْصَارٍ وَكَفٌّ لِأَذِيَّةٍ … وَأَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ يَزِيدُكَ مَفْخَرَا
فَمَا سَادَتِ الأَوْطَانُ إِلَّا بِشِرْعَةٍ … تُقِيمُ نِظَامَ الخَلْقِ سَهْلاً مُطَهَّرَا

أيها المسلمون، إن التزامنا بحقوق الطريق وتطبيقاته المعاصرة هو شهادة عملية على إيماننا ووطنيتنا؛ فحين نحترم قوانين المرور، ونكف أذانا عن المارة، ونساعد الملهوف والجاهل بالطريق، نصنع مجتمعاً تسوده المحبة والنظام، ونقدم صورة تليق بوسطية إسلامنا وعظمة وطننا الغالي مصر برعاية رب العالمين الفسيحة في الأولى والآخرة.

العنصر الثالث: خطورة الاعتداء على الطرق والمرافق العامة وجنايتها على أمن الوطن واستقراره
أيها المسلمون الأبرار، يا عباد الله المخلصين، قفوا معي بوجدانكم وتدبروا في عواقب الأفعال؛ إن كان تنحية غصن الشوك عن الطريق يفتح للعبد أبواب الجنة وغفران ذنوبه، فما ظنكم بوعيد من يضع الأشواك والعقبات والنفايات في طرقات الناس ومرافقهم العامة؟ إن الشريعة الإسلامية الغراء، ضمن منهجها الوسطي الرشيد، تضع صيانة المرافق والمنافع العامة في منزلة الضروريات التي يأثم العبد بإهدارها أو الاعتداء عليها؛ فالمستشفيات، والمدارس، وشبكات المياه والكهرباء، والجسور، والطرقات، والحدائق العامة كلها ممتلكات للشعب بأسره، والعبث بها أو تخريبها هو اعتداء على حق ملايين البشر، وجريمة أخلاقية ووطنية كبرى تعرقل نهضة الوطن واستقراره. والقرآن الكريم يحذر من عاقبة الإفساد وإتلاف مقدرات الحياة في سورة البقرة فيقول الحق تبارك وتعالى: وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد.

وتأملوا بقلوبكم وعقولكم في شدة التحذير النبوي الشريف من ترويع الآمنين وإيذاء السالكين وتلويث منافعهم العامة؛ فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، أن سيدنا رسول الله ﷺ قال بكلمات حاسمة وسهلة ترتعد لها القلوب: اتقوا اللعانين. قالوا: “وما اللعانان يا رسول الله؟”. قال ﷺ بيقين واضح: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم.

فانظروا يا عباد الله كيف سمى النبي ﷺ الأفعال التي تلوث طرقات الناس وأماكن راحتهم “باللعانين”، لأن فاعلها يستجلب لعنة ودعاء الناس عليه بغضبهم ونفورهم من فعله القبيح! وإذا كان هذا الوعيد الشديد في حق من يلوث طريقاً أو ظلاً، فما هو شأن من يتعدى على خطوط السير بالبناء العشوائي، أو يتلف أعمدة الإنارة في الشوارع، أو يسرق مقدرات شبكات المياه والكهرباء، أو يخرب مرافق النقل والمواصلات العامة؟ إن هذه الاعتداءات ليست شطارة ولا كسباً، بل هي مال سحت، وجناية كبرى بحق الوطن وبحق أفراده جميعاً بغير استثناء.
ولنستمع معاً بيقين وتشويق إلى هذه القصة التاريخية الموثقة التي تظهر وعي سلف الأمة بخطورة حماية المنافع العامة؛ يروي أصحاب السير والتواريخ أن الصحابي الجليل فاتح مصر سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه، لَمَّا بنى مدينة الفسطاط وشق طرقها وسككها، تناهى إلى سمعه أن بعض التجار والمارة يتوسعون في أسواقهم ومحلاتهم بوضع بضائعهم في وسط السكك والطرقات التي يسلكها الناس بغير إذن، مما يسبب الزحام والمشقة وقطع السبل. فخرج سيدنا عمرو بن العاص بنفسه إلى السوق، ونظر إليهم بلسان الواعظ الحازم الشفيق، وقال بكلمات واضحة تفيض غيرة على حقوق المسلمين: “يا أهل مصر، صونوا سكككم وطرقاتكم، فإنما جعلت هذه المسالك لتمشي فيها الدواب والمارة، ولتتسع لضعفائكم وأطفالكم، فمن ضيق على مسلم في طريقه فكأنما قطع سبيله وسرق حقه، ولست أترك أحداً منكم يضع حجراً أو متاعاً في طريق الناس إلا أخذت على يده وعاقبته!”. فاستجاب الناس لوعظه وأزالوا التعديات فوراً، وبقيت الأسواق والطرقات آمنة ببركة هذا الفقه والوعي والالتزام بالنظام العام بفضل ربه تبارك وتعالى. وفي هذا الشأن الجليل والوعظ السهل يقول الشاعر:
وَمَنْ يَعْتَدِي يَوْماً عَلَى طُرُقِ النَّاسِ … فَقَدْ جَاءَ بِالأَوْزَارِ فِي أَعْظَمِ البَاسِ
فَلَا تُتْلِفِ المِرْفَقَ العَامَّ جَهَالَةً … فِيهِ لِكُلِّ النَّاسِ نَفْعٌ وَإِيقَاسِ
فَصَوْنُ حِمَى الأَوْطَانِ دِينٌ وَقُرْبَةٌ … بِهِ يَسْلَمُ السَّارِي وَيَعْلُو بِنَا السَّاسِ

أيها المسلمون، إن حماية مقدرات وطننا مصر وصيانة مرافقه العامة هي أمانة في عنق كل واحد منا؛ فحين نحافظ على جمال شوارعنا ونظافتها، وحين نلتزم بالقوانين واللوائح المنظمة للمنافع العامة، نكون قد حمينا جبهتنا الداخلية وهيأنا لبلدنا أسباب الرخاء والتقدم، لنعيش جميعاً في أمان واستقرار تحت رعاية وعفو رب العالمين الفسيحة بوسطيته وسماحته الرشيدة.

العنصر الرابع: مواقف وقصص حية من ورع الصحابة الكرام في صيانة المنافع العامة وتوقير السبل
أيها المسلمون الأبرار، يا عباد الله المخلصين، تعالوا بنا لنقترب أكثر من ظلال الورع والتقوى في مدرسة الجيل الأول، مجتمع الصحابة الأبرار رضي الله عنهم وأرضاهم، لنرى كيف انطبع تعظيم حقوق الطريق في نفوسهم حتى صار جزءاً من ورعهم اليومي وعبادتهم الخفية. إنهم الرجال الذين فقهوا أن التقوى ليست سجوداً وركوعاً في المحاريب فحسب، بل هي كف للأذى عن السبل، وصيانة لمنافع المسلمين، وحرص شديد على ألا يتأذى أحد بسبب غفلتهم أو تهاونهم. والقرآن الكريم يمتدح المسارعة في الخيرات ودفع الأذى في سورة آل عمران فيقول الحق تبارك وتعالى: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. فكان الصحابة يسارعون لنيل هذه المغفرة بإصلاح الطرق وتسهيل حياة المارة بفضل رب العالمين عز وجل.

ولنستمع معاً بيقين وتشويق إلى هذا الموقف العظيم والموثق الذي يرويه الإمام البخاري في الأدب المفرد بإسناد صحيح عن سيدنا أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه وأرضاه قال: قلت: يا رسول الله، دلني على عمل يدخلني الجنة ويقربني إليها. فنظر إليه الحبيب المصطفى ﷺ بلسان المعلم الشفيق البصير وقال بكلمات سهلة واضحة: اعزل الأذى عن طريق الناس. فانظروا يا عباد الله؛ عمل واحد ينجي العبد ويدخله الجنة، وهو عزل الأذى وتنحية السوء عن سبل الناس! فما كان من سيدنا أبي برزة إلا أن جعل هذا الحديث منهج حياته، فكان يسير في شوارع المدينة، فإذا رأى حجراً، أو شوكاً، أو عذرة، أو عظمًا، انحنى بكل ورع وتواضع وأزاله وهو يرجو القبول والثواب من ربه تبارك وتعالى.

ولنقف بوجداننا مع هذه القصة البليغة التي تفيض وعظاً وعبرة، وهي قصة وموقف سيدي ومولاي أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، لَمَّا خرج ليتفقد أحوال الناس في شوارع المدينة المنورة ومعه مولاه أسلم؛ فبينما هو يسير في الليل، إذ تعثرت قدمه بحجر صغير بارز في الطريق كاد أن يؤذيه، فوقف الفاروق عمر، ونظر إلى الحجر بقلب يرتجف خشية وورعاً، ثم انحنى ونحاه بيديه، والتفت إلى مولاه أسلم وقال بلسان الواعظ الشفيق الوجل: “يا أسلم، والله لو تعثرت بغلة في العراق لخشيت أن يسألني الله عز وجل عنها: لِمَ لَمْ تمهد لها الطريق يا عمر؟ فكيف بعباد الله المسلمين يمرون في طرقات المدينة ويتأذون بهذا الحجر؟ والله إن صيانة السبل وتمهيدها للناس لهي أمانة نسأل عنها بين يدي رب العزة عز وجل يوم القيامة!”.

فانظروا يا عباد الله وتأملوا؛ إن ورع الفاروق لم يقف عند حدود رعاية الأيتام والأرامل وقسمة بيت المال، بل امتد ليرى في تعثر الدابة أو المار في الطريق مسؤولية كبرى يقف من أجلها وجلاً خائفاً من ربه تبارك وتعالى! فهذا هو الفهم الوسطي الرشيد الذي يربط بين صلاح العبد في طاعته وصلاحه في سلوكه العام وتوقيره لمنافع العباد. وفي هذا المعنى الجليل والوعظ السهل يقول الشاعر:
وَرَعُ الصَّحَابَةِ مَنْهَجٌ لِسُلُوكِنَا … يَبْنِي الحَيَاةَ عَلَى صَفَاءٍ زَاهِرِ
صَانُوا الطَّرِيقَ تَعَبُّداً وَمَحَبَّةً … كَيْمَا يَفُوزُوا بِالثَّوَابِ الوَافِرِ
فَسَلِ السَّبِيلَ عَنِ الفَارُوقِ وَهِمَّةٍ … مَهَدَتْ دُرُوباً لِلصَّغِيرِ السَّائِرِ
فَاقْتَدِ بِهِمْ تَلْقَ النَّجَاحَ مُؤَيَّداً … وَتَنَلْ رِضَا المَوْلَى العَلِيِّ القَادِرِ

أيها المسلمون، إن ورعنا الحقيقي في مطلع هذا العام الجديد يتطلب منا أن نحيي أخلاق الصحابة الكرام في طرقاتنا ومرافقنا؛ فحين يكف المرء أذاه عن جيرانه في الشارع، وحين يرشد التائه ويغيث الملهوف، نكون قد تشبهنا بأخلاق هؤلاء الأبرار، ورسخنا السلم والأمان، وساهمنا في رفعة ونهضة بلدنا الغالي مصر بروح السماحة والوسطية المستقرة الراسية بفضل ربه تبارك وتعالى.
ادعوا الله عز وجل وأنتم موقنون بالإجابة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.

الخطبة الثانية
اغتنام الإجازة الصيفية
الحمد لله رب العالمين، والحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا عز وجل ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عالم السر والنجوى، وأشهد أن سيدنا ومولانا محمداً عبده ورسوله، الهادي البشير، والسراج المنير، والناصح الأمين الذي بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، ورحمة للعالمين، فصلى اللهم وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأهل بيته الأطهار وصحابته الأخيار أجمعين.

أما بعد: …
أيها المسلمون الأبرار، يا عباد الله المخلصين، ركزت الخطبة الأولى على أدب الطريق وحقوق السالكين وكيف أن صيانة المرافق العامة من صميم الإيمان وعمران الأوطان. ولأن بناء الأوطان لا يكتمل إلا ببناء عقول الشباب وصيانة عقول الناشئة، وجب علينا في هذه الخطبة الثانية أن نقف وقفة وعظية حازمة وشفيقة مع بدء عطلة الصيف، لنلفت الأنظار إلى واجب الأسرة في اغتنام الإجازة الصيفية وبناء الأجيال.

إن المنهج الوسطي القويم يعلمنا أن الوقت هو أنفاس لا تعود، وأن العمر هو رأس مال المسلم الذي يسأل عنه بين يدي الله عز وجل؛ فالإجازة الصيفية ليست فرصة للكسل، والضياع، والسهر أمام الشاشات والهواتف ليل نهار بغير فائدة، بل هي منحة عظيمة وموسم ذهبي للتربية، والتعلم، وبناء المهارات، وحفظ كتاب الله عز وجل، وتقويم السلوك. والقرآن الكريم ينبهنا في سورة العصر إلى قيمة الزمن وعاقبة إهداره فيقول الحق تبارك وتعالى: والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر. ويقول جل وعلا مبيناً عظم نعمة الوقت في سورة الفرقان: وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً.

وتأملوا بقلوبكم وعقولكم في الهدي النبوي الشريف الذي يربينا على استغلال الفرص والأنفاس قبل فوات الأوان؛ فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وأرضاهما قال: قال رسول الله ﷺ بكلمات جامعة سهلة توقظ القلوب من غفلتها: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ. وأخرج الإمام الحاكم بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ لرجل وهو يعظه: اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك.

ولنستمع معاً بيقين وتأثر إلى هذه القصة التاريخية العظيمة الموثقة التي تظهر كيف كان حرص سلف الأمة على استغلال أوقات الشباب لبناء علماء وقادة غيروا مجرى التاريخ؛ يروي أصحاب السير أن أمير المؤمنين سيدي ومولاي سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، كان يمشي في سكك المدينة، فرأى غلماناً وصبياناً يلعبون في وقت فراغهم، فنظر إليهم بعين الأب الشفيق والمسؤول الحريص، ونادى في آبائهم قائلاً بكلمات تفيض حكمة وعمراناً: “يا معشر الآباء، علموا أولادكم السباحة، والرمي، وركوب الخيل، ورووهم ما جَمُل من الشعر، واشغلوهم بما ينفعهم في دينهم ودنياهم؛ فوالله ما رأيت مفسدة للشباب أسرع من الفراغ والجدة -أي كثرة المال-، وإن فراغ الصيف إن لم تشغلوه بالحق والعمل الصالح، شغلكم أولادكم بالباطل والندم!”.

فبكى الآباء وأدركوا عظم مسؤوليتهم، وبادروا فوراً إلى توجيه طاقات أبنائهم نحو معاهد العلم وميادين الفروسية والقرآن؛ فخرج من هؤلاء الصغار جيل قاد الدنيا بالرحمة والعدل. فما أحوجنا اليوم يا عباد الله أن نتأسى بهذا الفهم الراشد! يجب على كل أب وأم أن يضعوا لأولادهم برنامجاً نافعاً في هذه الإجازة؛ يشمل حفظ آيات من القرآن الكريم، والمواظبة على الصلوات في المساجد، وتعلم لغة أو مهارة عملية تفيدهم في مستقبلهم، وممارسة الرياضة البدنية النافعة، ومساعدتكم في أعمال البيوت، ليعودوا إلى دراستهم وهم أكثر وعياً وقوة وصلاحاً. وفي هذا الوعظ السهل والبناء القوي يقول الشاعر:
إِنَّ الشَّبَابَ وَالفَرَاغَ وَالجِدَةْ … مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أَيُّ مَفْسَدَةْ
فَاشْغَلْ بَنِيكَ بِالعُلُومِ وَالهُدَى … تَبْنِي رِجَالاً لِلْعُلَا مُمَهَّدَةْ
لَا تَتْرُكِ الصَّيْفَ يَضِيعُ غَفْلَةً … فَالرِّبْحُ فِيهِ لِلْقُلُوبِ المُرْشِدَةْ
فَكُنْ حَرِيصاً مُشْفِقاً وَمُوَجِّهاً … تَلْقَ النَّجَاحَ لِلأُمُورِ الأَسْعَدَةْ

أيها المسلمون الأبرار، إن بناء الإنسان السوي وصنع الوطن القوي يبدأ من حسن استثمار أوقات أولادنا وبناتنا؛ فلنتعاون جميعاً على اغتنام هذه الإجازة فيما يبني العقول، ويطهر القلوب، ويقوي الأبدان، لتبقى بلدنا مصر الكنانة منبعاً للعلماء والمخلصين بروح الوسطية والسماحة برعاية رب العالمين الفسيحة في الأولى والآخرة.
الدعاء: اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وأصحاب سيدنا محمد، صلاة تنحل بها العقد، وتنفرج بها الكرب، وتُقضى بها الحوائج، وتُنال بها الرغائب وحسن الخواتيم. اللهم يا رب العالمين ويا مجيب السائلين، نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تحفظ مصرنا الغالية، كنانتك في أرضك، واحة للأمن والأمان، والسلم والسلام، والرخاء والاستقرار، واصرف عنها الفتن والمحن، ودسائس المفسدين والمتربصين ما ظهر منها وما بطن. اللهم وفق رئيس الجمهورية لما تحبه وترضاه من خيري الدنيا والآخرة، وخذ بنواصيهم إلى البر والتقوى، وهيئ لهم البطانة الصالحة الناصحة التي تعينهم على البناء والتنمية والتقدم والرفعة لبلادنا العزيزة. اللهم احفظ جيش مصر الباسل، وشرطتها الساهرة، وصن حدودنا، وارحم شهداءنا الأبرار، واجزهم عنا وعن الوطن خير الجزاء. اللهم بارك في أوقاتنا وأعمارنا وأولادنا، واجعلهم قرة عين لنا، ووفقهم لاغتنام أوقاتهم فيما يرضيك عنهم، واحمهم من رفقاء السوء وأفكار الضلال. اللهم اشف مرضانا، وعاف مبتلانا، وارحم موتانا، واقض الدين عن مدينينا، وبارك في أرزاقنا وأولادنا وبيوتنا يا أكرم الأكرمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار، يا عزيز يا غفار.

عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وأقم الصلاة.
والله تعالى أعلم، وبالله تعالى التوفيق والسداد –

كتبه فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني.
القاهرة في ٢ صفر ١٤٤٨ هـ – ١٧ يوليو ٢٠٢٦ م