أَيُّهَا السَّادَةُ: الرِّفْقُ فِي التَّرْبِيَةِ مَنْهَجٌ رَبَّانِيٌّ وَنَهْجٌ نَبَوِيٌّ، بِهِ تُبْنَى النُّفُوسُ عَلَى الْإِيمَانِ وَالْأَدَبِ، وَتُغْرَسُ فِيهَا مَعَانِي الْحُبِّ وَالِاحْتِرَامِ، وَيَنْشَأُ الْأَبْنَاءُ عَلَى الثِّقَةِ وَالْإِيجَابِيَّةِ، وَيَصِيرُ التَّوْجِيهُ أَبْلَغَ وَأَثَرُهُ أَبْقَى. وَالْقَسْوَةُ وَالْعُنْفُ تَهْدِمَانِ مَا تَبْنِيهِ التَّرْبِيَةُ، وَتُفْسِدَانِ مَا تُصْلِحُهُ، وَتُوَلِّدَانِ فِي النُّفُوسِ الْخَوْفَ وَالنُّفُورَ، وَتُضْعِفَانِ رَابِطَ الثِّقَةِ بَيْنَ الْمُرَبِّي وَالْمُتَرَبِّي، فَلَا تَحْصُلُ بِهِمَا تَرْبِيَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ وَلَا تَنْشِئَةٌ سَلِيمَةٌ. فَالتَّرْبِيَةُ لِينٌ مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ، وَشِدَّةٌ مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ، وَحِكْمَةٌ فِي التَّوْجِيهِ، وَحُسْنُ تَدْبِيرٍ فِي التَّعَامُلِ، تَجْمَعُ بَيْنَ الرَّحْمَةِ وَالْحَزْمِ، وَتُقِيمُ الشَّخْصِيَّةَ عَلَى الِاعْتِدَالِ وَالْإِصْلَاحِ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَامَلُ مَعَ الْأَطْفَالِ بِالرَّحْمَةِ وَاللِّينِ، فَيُقَبِّلُهُمْ وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ وَيَمْسَحُ رُؤُوسَهُمْ وَيَحْمِلُهُمْ؛ فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ؟ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ».وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزُورُ الْأَنْصَارَ فَيُسَلِّمُ عَلَى صِبْيَانِهِمْ وَيَمْسَحُ بِرُؤُوسِهِمْ وَيَدْعُو لَهُمْ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ تُلُقِّيَ بِصِبْيَانِ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَإِنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَسَبَقَ بِي إِلَيْهِ فَحَمَلَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ جِيءَ بِأَحَدِ ابْنَيْ فَاطِمَةَ فَأَرْدَفَهُ خَلْفَهُ، فَأَدْخَلَنَا الْمَدِينَةَ ثَلَاثَةً عَلَى دَابَّةٍ. وَقَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَالتَّرْبِيَةُ مَسْؤُولِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، وَأَمَانَةٌ كَبِيرَةٌ سَيُسْأَلُ عَنْهَا الْأَبَوَانِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:«مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَخَاصَّةً نَحْنُ فِي زَمَنٍ انْتَشَرَتْ فِيهِ وَسَائِلُ الْفَسَادِ، وَعَمَّتْ وَطَمَّتْ، وَتَكَالَبَ فِيهِ أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ عَلَى أَهْلِهِ، وَكَشَّرَ الشَّرُّ عَنْ أَنْيَابِهِ، فَكَانَ لِزَامًا عَلَيْنَا أَنْ نَهْتَمَّ بِتَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ، وَنَقُومَ بِهَذِهِ الْمَسْؤُولِيَّةِ الْعُظْمَى. وَاللَّهُ تَعَالَى أَمَرَنَا بِتَأْدِيبِهِمْ وَتَرْبِيَتِهِمْ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التَّحْرِيمِ: 6]. وَمِنْ مَسْؤُولِيَّةِ الْوَالِدِ تِجَاهَ وَلَدِهِ: غَرْسُ الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ، وَغَرْسُ الْإِيمَانِ فِي قَلْبِهِ، وَأَنْ يَتَعَاهَدَ ذَلِكَ بِالسَّقْيِ وَالرِّعَايَةِ، وَيُعَلِّمَهُمُ الصَّلَاةَ، وَيُرَغِّبَهُمْ فِيهَا، وَيُشَجِّعَهُمْ عَلَيْهَا، وَيُتَابِعَهُمْ فِي شَأْنِ الصَّلَاةِ كَمَا يُتَابِعُهُمْ فِي الدِّرَاسَةِ، بَلْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. فَقَدْ أَرْشَدَنَا النَّبِيُّ ﷺ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ» حَسَنٌ – رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَأَسْلَافُنَا الصَّالِحُونَ هُمُ الْأُسْوَةُ الْحَسَنَةُ، وَالْقُدْوَةُ فِي تَرْبِيَتِهِمْ لِأَوْلَادِهِمْ، وَتَنْشِئَتِهِمُ النَّشْأَةَ الصَّالِحَةَ؛ بِتَرْسِيخِ الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ فِي نُفُوسِهِمْ، وَتَعْلِيمِ أُمُورِ الدِّينِ، وَتَصْحِيحِ الْعِبَادَاتِ عِنْدَهُمْ. وَخَيْرُ مِثَالٍ لِذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ…» صَحِيحٌ – رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. فَمَنْ مِنَ الْآبَاءِ يَرْسِخُ فِي نَفْسِ ابْنِهِ أَمْثَالَ تِلْكَ الْمَعَانِي الْعَظِيمَةِ؟ أيُّها الآباءُ الكِرامُ.. إنَّ أولادَكُم الصَّالحينَ هُم الثَّروةُ الباقيةُ؛ فإنَّ اللهَ تعالى يرفعُ الآباءَ والأُمَّهاتِ – بعدَ موتِهم – في درجاتِ النَّعيمِ بدَعَواتِ أولادِهم؛ ذُكورًا كانوا أو إناثًا، فقد قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، وَعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». صحيحٌ – رواهُ الترمذيُّ.
أيُّها الآباءُ الكِرامُ.. تَعَرَّفُوا على أَصْدِقاءِ أَوْلادِهِم، فَإِنَّ الطُّيُورَ عَلَى أَشْكالِها تَقَعُ. وَخَيْرٌ مِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ». حَسَنٌ – رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. فَمَنْ صَاحَبَ الأَخْيَارَ كَانَ مِنْهُمْ، وَمَنْ صَاحَبَ الأَشْرَارَ صَارَ مِنْهُمْ. فَعَلَيْنَا أَنْ نُشَجِّعَ أَوْلادَنَا عَلَى مُصَاحَبَةِ الأَخْيَارِ، وَنُحَذِّرَهُمْ مِنْ رِفْقَةِ السُّوءِ، فَالْجَلِيسُ الصَّالِحُ خَيْرُ مُعِينٍ لَكَ عَلَى تَرْبِيَةِ ابْنِكَ؛ لأَنَّهُ لا يَأْمُرُهُ إِلَّا بِمَا فِيهِ خَيْرٌ، وَلا يَنْهَاهُ إِلَّا عَنْ شَرٍّ.