عناصر الخطبة: 1- ما هو الرفق؟ وكيف تزلزل هذه الكلمة البسيطة قلاع القسوة في القلوب؟
2- عجائب اللين النبوي في أسر النفوس وتغيير مسار التاريخ.
3- كيف يتحول المجتمع الرفيق إلى وطن قوي مستقر يصعب كسره؟
4- مواقف ومآثر مشرقة من حياة الصحابة الكرام في فقه الرحمة.
5- التحذير من القسوة في البيوت والتربية وجنايتها على الناشئة (الخطبة الثانية).
الموضوع: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، رفيق يحب الرفق في الأمر كله، كتب الرحمة على نفسه عز وجل وجعلها بلسماً لقلوب عباده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وسع كل شيء رحمة وعلماً، ووعد الرفقاء بالثواب الجزيل والصفح الجميل، وأشهد أن سيدنا ومولانا محمداً عبده ورسوله، الذي جاء بالدين الحنيف السهل السمح، فكان أرحم الناس بالناس، وألينهم مع الصغير والكبير، فصلى اللهم وسلم وبارك عليه، وعلى آله واصحابه، الذين طهر الله عز وجل بواطنهم فصاروا منبعاً للجود والرحمة، رضي الله عنهم أجمعين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته… أيها السادة الكرام: قفوا معي بقلوبكم اليوم واسمعوا بوجدانكم؛ إننا نعيش في زمن تلاطمت فيه أمواج الحياة، وضجت فيه الشوارع بالصخب، وكثرت فيه الخصومات، وما أحوجنا في هذا الوقت بالذات، وضمن مبادرة صحح مفاهيمك، أن نقف وقفة وعظية صادقة لنفتش عن سر إلهي عجيب، وخلق نبوي شريف، إذا دخل في بيت عمره، وإذا حل في قلب زانه، وإذا ساد في وطن قواه وحصنه؛ إنه خلق “الرفق” واللين، هذا المفهوم الذي يظنه البعض ضعفاً أو هواناً، بينما هو في حقيقته قمة القوة، وأساس بناء الإنسان، وعمران الأوطان، فهل تدرون ما هو الرفق في ميزان رب العالمين عز وجل؟
العنصر الأول: ما هو الرفق؟ وكيف تزلزل هذه الكلمة البسيطة قلاع القسوة في القلوب؟ يا عباد الله، هل سأل أحد منا نفسه يوماً: لماذا يضيع الخير من بعض البيوت؟ ولماذا تتسع الفجوة بين الآباء والأبناء؟ ولماذا نرى الغلظة في المعاملات؟ الإجابة ببساطة: هو غياب الرفق؛ فالرفق في لغة السيرة والشريعة هو سهولة الأخلاق، وتجنب العنف، والمعاملة بلطف وسماحة. الرفق ليس مجرد كلمة تقال، بل هو طاقة إيمانية تزلزل قلاع القسوة والأنانيّة في الصدور، وتبني نفساً سوية راضية مطمئنة. إن المنهج الوسطي الرشيد يعلمنا أن الله عز وجل يعطي على هذا اللين ما لا يعطيه على الصلاة والصيام من النوافل؛ استمعوا بقلوبكم إلى هذا الحديث العظيم الذي يرويه الإمام مسلم في صحيحه عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها، أن سيدنا رسول الله ﷺ قال بكلمات واضحة وسهلة تهز الوجدان: إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه.
تأملوا هذا الميزان الإلهي؛ “يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف”؛ فكل أب يريد إصلاح ابنه بالعنف يغلق قلبه، وكل مسؤول يريد إدارة عمله بالغلظة يفسد أكثر مما يصلح. الرفق هو مفتاح النفوس، وحين يُحرم الإنسان من الرفق فقد حُرم من كل بركة وخير؛ والحديث الثابت في صحيح مسلم يصرخ فينا محذراً حيث قال الحبيب المصطفى ﷺ: من يحرم الرفق يحرم الخير كله.
ولنستمع معاً إلى هذه القصة التاريخية العجيبة التي تبين كيف يغير الرفق القلوب القاسية في لحظة؛ يروي بعض أصحاب السير بإسناد صحيح أن أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، كان يسير في شوارع المدينة المنورة يتفقد أحوال الرعية، فرأى رجلاً كبيراً في السن من أهل الذمة يطلب الصدقة ويسأل الناس، وكان أعمى، فوقف الفاروق عمر أمامه، ولم يزجره ولم يغلظ عليه، بل وضع يده الشريفة على عاتق الشيخ بكل رفق ولين، وقال له بصوت حان يملؤه الوعظ والشفق: “من أي أهل الكتاب أنت يا شيخ؟”. فقال الرجل: “أنا رجل من اليهود، أسأل الجزية والحاجة والسن”. فبكى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأخذ بيد الشيخ برفق وتلطف حتى ذهب به إلى بيته، فأعطاه ما يكفيه من الطعام والمال، ثم أرسل إلى خازن بيت المال وقال له بلسان الوفاء والرحمة الإسلامية: “انظر هذا وضُرباءه، فوالله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم خذلناه عند الهرم! ارفعوا عنه وعن أمثاله الجزية”.
فانظروا يا عباد الله إلى هذا الرفق العجيب؛ رجل غير مسلم، في دولة الإسلام، يجد اللين والرحمة من الرجل الذي كانت تهابه ملوك الأرض! إن هذا الموقف يعلمنا أن الرفق يبني الإنسان أولاً، ويجعل القلوب تلتف حول الحق، وينشر السلم والأمان في أركان الوطن بفضل ربه تبارك وتعالى، فما أجمل أن نتخلق بهذا اللطافة، وأن نهجر الغلظة والفظاظة في كل شؤون حياتنا. وفي هذا المعنى الأخلاقي البليغ والسهل يقول الشاعر:
العنصر الثاني: عجائب اللين النبوي في أسر النفوس وتغيير مسار التاريخ أيها الأحبة الكرام :، تعالوا بنا لنطالع أعظم صفحات التاريخ وأكثرها تشويقاً وعبرة؛ لنتأمل كيف غير الرفق واللين مجرى البشرية، وكيف كان السلاح الأقوى في يد الأنبياء والمرسلين لكسر طغيان القلوب المتكبرة. إن القرآن الكريم يقص علينا قصة هي أروع مَثل في فقه الدعوة والوعظ؛ حين أرسل الله عز وجل كليمه سيدنا موسى وأخاه سيدنا هارون عليهما السلام إلى أعتى جبار عرفته الأرض، إلى فرعون الذي ادعى الألوهية وقال أنا ربكم الأعلى، فماذا كانت الوصية الإلهية لهما في سورة طه؟ قال الحق تبارك وتعالى: اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى. يا الله! قولا له قولاً ليناً! فرعون الذي ذبح الأطفال واستحيا النساء وطغى وتكبر، يوجب الله عز وجل مع أشد ألوان طغيانه أن يُخاطب باللين والرفق؛ فإذا كان هذا رفق الله عز وجل بمن قال أنا ربكم الأعلى، فكيف يجب أن يكون رفقنا بعباد الله الموحدين الساجدين؟
وتأملوا في السيرة النبوية المشرفة قصة وموقفاً صحيحاً يفيض تشويقاً وجلالاً، يرويه الإمام البخاري في صحيحه عن قصة إسلام سيد قوم اليمامة، وهو سيدنا ثمامة بن أثال رضي الله عنه وأرضاه؛ لَمَّا أسرته خيل المسلمين وجاؤوا به برجل مصفد بالحديد، فربطوه بسارية من سواري المسجد النبوي. فخرج إليه الحبيب المصطفى ﷺ، وبدلاً من أن يعنفه أو يغلظ عليه وهو الأسير المحارب، نظر إليه بعين الرفق والرحمة، وقال له بكل تلطف وبشاشة: ما عندك يا ثمامة؟ فقال ثمامة بصلابة وكبرياء: “عندي خير يا محمد؛ إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت!”. فتركه النبي ﷺ ولم يجبره على شيء، وأمر أصحابه أن يحسنوا إساره، وأن يأتوا إليه بأفضل الطعام والشراب، وبحلب ناقة النبي ﷺ الخاصة؛ فظل ثمامة في المسجد ثلاثة أيام، يرى رفق المسلمين، ويستمع إلى قراءة القرآن، ويرى لين النبي ﷺ مع الصغير والكبير، وفي اليوم الثالث قال النبي ﷺ لأصحابه: أطلقوا ثمامة! ففَكوا إساره، فانطلق ثمامة إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم رجع ودخل المسجد ورفع صوته بيقين الصادقين قائلاً: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله! يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي! والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين كله إلي!”.
انظروا يا عباد الله، وتأملوا هذا التحول العجيب؛ ما الذي أسر قلب هذا الزعيم القوي وغير مسار حياته من الكفر إلى الإيمان؟ لم تكن السلاسل ولا السيوف، بل كان الرفق النبوي الشريف واللين المحمدي الأصيل الذي تغلغل في أعماق نفسه فكسب قلبه وصنع منه إنساناً سوياً وبطلاً من أبطال الإسلام. وحين نتأمل قصص القرآن والسنة، نعلم يقيناً أن الغلظة لا تثمر إلا النفرة والضياع؛ فما أحوجنا أن نتأسى بهذا المنهاج النبوي الشريف في بيوتنا وشوارعنا ومجتمعاتنا ليعم الأمان والسلام بفضل ربه عز وجل.
العنصر الثالث: كيف يتحول المجتمع الرفيق إلى وطن قوي مستقر يصعب كسره؟ أيها السادة الكرام : اسمعوا بوعيكم وقلوبكم إلى هذا السر العجيب من أسرار الشريعة والواقع؛ إن الأوطان لا تُبنى بالقوانين الجافة والزواجر الصارمة وحدها، بل تُبنى أولاً بالقلوب المتآلفة والنفوس الرفيقة. حين يشيع الرفق بين أبناء الوطن الواحد، يتلاشى العنف، وينتهي التنازع، ويحل التراحم والتعاون مكان الغلظة والشقاق، فيتحول المجتمع بأكمله إلى بنيان مرصوص يشد بعضه بعضاً. إن المنهج الوسطي الرشيد يعلمنا أن قوة الأوطان تنبع من تماسك جبهتها الداخلية، والقرآن الكريم يضرب لنا أروع مَثَل في التاريخ على أن اللين والرفق هما اللذان جمعا صف الأمة الأولى ووّحدا كلمتها؛ يقول الحق تبارك وتعالى في سورة آل عمران مبيناً هذه المنة العظيمة على نبيه ﷺ: فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك. فتأملوا يا عباد الله؛ لو كان الحبيب المصطفى ﷺ فظاً أو غليظاً لانفض الناس من حوله وتفرقت الكلمة وضاعت الدولة، ولكن ببركة الرفق واللين ثبتت ركائز الأمة وشُيدت أقوى دولة في التاريخ.
ولنستمع معاً بقلوب مشتاقة وعقول واعية إلى هذه القصة القرآنية العظيمة التي تفيض وعظاً وتشويقاً؛ يقص الله عز وجل علينا في سورة يوسف كيف استطاع سيدنا يوسف عليه السلام بالرفق السمح واللين الحكيم أن يحمي أمن مصر واستقرارها، وأن يعيد بناء مجتمعها وأسرتها بعد سنوات طويلة من الجفاف والمحن. لَمَّا مكن الله عز وجل لسيدنا يوسف في الأرض وجعله على خزائن مصر، وجاءه إخوته الذين ظلموه، وطردوه، وأرادوا قتله في صغره، وقفو بين يديه ضعفاء محتاجين، فماذا فعل معهم؟ هل انتقم؟ هل غلظ عليهم؟ كلا، بل عاملهم بأعلى درجات الرفق واللين، ولم يذكّرهم بذنبهم، بل جمع شمل الأسرة وطمأن قلوبهم وقال بلسان العفو الشفيق: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. ثم تكتمل الروعة والتشويق حين يأتيه والده وأهله، فيستقبلهم بقلب يفيض رفقاً وأماناً، ويقول الكلمة الخالدة التي سجلها القرآن الكريم: وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين. فبرفق يوسف وعفوه ولينه، نالت مصر الخير والبركة، وتحول المجتمع من الشتات والنزاع إلى الاستقرار والعمران بفضل رب العزة عز وجل.
ولنا في مواقف الصحابة الكرام وسلف الأمة رضي الله عنهم مواقف مشهورة تبين فقههم في أن الرفق هو بساط الاستقرار وعماد بناء الدول؛ يروي أصحاب السير والتواريخ بإسناد صحيح، أن أمير المؤمنين سيدي ومولاي سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، كتب رسالة جامعة إلى ولاته وعماله في البلاد، يضع لهم فيها دستور الحكم وعمران الأوطان، فكان مما كتبه: “أما بعد، فإن الله عز وجل قد استخلفكم على العباد لتقضوا حاجتهم، وتحفظوا أمنهم، وتصلحوا شؤونهم، فإياكم والغِلظة عليهم، وإياكم والفظاظة في معاملتهم؛ فإن رفق الوالي برعيته يورث المحبة، والمحبة تورث الطاعة، وطاعة الرعية بالمعروف هي حصن الدولة وقوتها، وما تفرقت أمة ولا ضعفت دولة إلا بحمل الناس على العنف والعسر”. فكان هؤلاء الولاة يمتثلون نصح الفاروق، فصارت الأسواق آمنة، والشوارع مستقرة، وهابتهم الأمم لا لظلم أو قسوة، بل لرفق وعدل شمل البلاد والعباد بفضل ربه تبارك وتعالى تيمناً بسماحة الإسلام ووسطيته الراسية. وفي هذا الشموخ الاجتماعي والوعظ السهل يقول الشاعر واصفاً قوة المجتمع الرفيق:
أيها المسلمون الأبرار، إن عمران الأوطان يبدأ من سلوكنا اليومي في الشارع، والأسواق، ومؤسسات العمل؛ فحين يرفق الموظف بجمهور المواطنين ويقضي حاجتهم بيسر، وحين يرفق التاجر بالناس فلا يغالي في الأسعار ولا يحتكر الأقوات، وحين يرفق السائق في طريقه ويحترم النظام، يتولد الأمان، وتتلاشى الخصومات، ونقضي تماماً على بذور الشقاق بروح العزيمة الصادقة والإخلاص لوطننا الغالي مصر بروح السماحة والوسطية المستقرة الراسية.
العنصر الرابع: مواقف ومآثر مشرقة من حياة الصحابة الكرام في فقه الرحمة أيها السادة الكرام : تعالوا بنا لنقترب أكثر من مجتمع الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، لنرى بعيون قلوبنا كيف تحول الرفق واللين في حياتهم إلى واقع ملموس، وكيف كانت تصرفاتهم تفيض رحمة وشفقة بالناس في سائر أحوالهم. إنهم الرجال الذين تخرجوا في المدرسة النبوية الشريفة، ففقهوا أن الدين ليس قسوة ولا تنفيراً، بل هو تقريب وتيسير وبث للطمأنينة في النفوس. والقرآن الكريم يثني على عظيم رحمتهم وتآلفهم في سورة الفتح فيقول الحق تبارك وتعالى: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم. فتأملوا يا عباد الله؛ “رحماء بينهم”، فالرحمة والرفق هي السمة البارزة والصفة الثابتة التي صبغت مجتمعهم الطاهر بفضل ربه عز وجل.
ولنستمع معاً بيقين وتشويق إلى هذا الموقف العجيب والثابت في الصحيح، والذي يرويه الإمام البخاري في كتاب الأدب عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي أف قط، ولا قال لشيء صنعته لم صنعته، ولا لشيء تركته لم تركته، وكان من أرفق الناس بالناس. فانظروا يا عباد الله، وتأملوا هذا الرفق النبوي العظيم بصبي يخدمه عشر سنين، فلم ينهره، ولم يوبخه، ولم يسمعه كلمة تضيق “أف”. ومن هذا المنبع الصافي شرب الصحابة الكرام وتأثروا، فصاروا ألين الناس عريكة وأقربهم إلى قلوب العباد.
ولنقف مع هذه القصة البليغة والموقعة التي تفيض وعظاً وسهولة، وهي قصة الصحابي الجليل سيدنا معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه وأرضاه، لَمَّا دخل في الصلاة مع رسول الله ﷺ لأول مرة، فعطس رجل من القوم، فقال معاوية بلسان العفوية داخل الصلاة: “يرحمك الله!”. فرمقني القوم بأبصارهم وزجروني، فقلت: “واثكل أمياه، ما شأنكم تنظرون إلي؟”، فجعلوا يضربون بأيديهم على فخاذهم ليصمتوني، فلما رأيتهم يصمتونني سكت. فلما صلى رسول الله ﷺ، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه؛ فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، بل أقبل علي بوجه يفيض بشاشة ورفقاً، وقال لي بكل لين وسهولة: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن.
انظروا يا عباد الله إلى هذا الرفق العجيب بالجاهل بالحكم في وسط الصلاة؛ لم يطرده النبي ﷺ، ولم يعنفه الصحابة بعد توجيه النبي، بل خرج معاوية بن الحكم وهو يقول: “ما رأيت معلماً أحسن تعليماً منه”. هذا هو الرفق الذي أسر قلوب الصحابة، فجعلهم يعاملون الناس بذات اللين والرحمة؛ فهذا سيدي ومولاي سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، لَمَّا تولى الخلافة، كان يذهب بنفسه في جوف الليل بكل رفق وتواضع إلى بيوت العجائز والأرامل بالمدينة، فيكنس بيوتهن، ويحلب شياههن، ويقضي حاجاتهن بكل لطف ودون أن يعلم أحد، فكان رفيقاً بالضعيف، حانياً على المسكين، يبتغي برفق الخلائق مرضاة رب العالمين عز وجل وجلاله الفسيح. وفي هذا النقاء التربوي الأصيل والوعظ السهل يقول الشاعر واصفاً رفق الصحابة:
أيها المسلمون، إن تتبع منهج الصحابة الكرام في الرفق بالناس هو السبيل الأوحد لجمع القلوب وبناء الإنسان السوي الصالح؛ فحين يرفق القوي بالضعيف، والغني بالفقير، والعالم بالجاهل، تسود المحبة، وتتلاشى البغضاء، ويصبح مجتمعنا كالبنيان المرصوص يقف يداً واحدة لبناء مستقبل ورفعة وطننا الغالي مصر بروح السماحة والوسطية المستقرة الراسية بفضل ربه تبارك وتعالى.
ادعوا الله عز وجل وأنتم موقنون بالإجابة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
الخطبة الثانية
القسوة ليست وسيلة للتربية ضمن مبادرة صحح مفاهيمك
الحمد لله رب العالمين، والحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا عز وجل ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عالم السر والنجوى، وأشهد أن سيدنا ومولانا محمداً عبده ورسوله، الهادي البشير، والسراج المنير، والناصح الأمين الذي بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، ورحمة للعالمين، فصلى اللهم وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأهل بيته الأطهار وصحابته الأخيار أجمعين.
أما بعد: أيها السادة الكرام : ركزت الخطبة الأولى على أن الرفق بناء للإنسان وعمران للأوطان، وكيف يزلزل هذا الخلق قلاع القسوة في القلوب. وضمن مبادرة صحح مفاهيمك، التي نهدف من خلالها إلى بناء إنسان سوي، وحماية قيم الأسرة والمجتمع، وجب علينا أن نقف وقفة وعظية حازمة وشفيقة لنحذر من آفة تربوية وسلوكية مدمرة داخل بيوتنا، ألا وهي اتخاذ القسوة، والشدة، والعنف، والضرب، والتوبيخ وسيلة لتربية الأبناء والبنات.
إن المنهج الوسطي القويم يعلمنا أن البيوت تُبنى على المودة والرحمة، وأن القسوة ليست وسيلة للتربية قط، بل هي معول هدم ينشئ جيلاً مشوهاً نفسياً، فاقداً للثقة، مليئاً بالعقد والأحقاد. وبعض الآباء والأمهات يظنون خطأً أن الغلظة والشدة تصنع رجالاً أو تقوّم سلوكاً، وهذا مفهوم مغلوط تماماً؛ فالقرآن الكريم يخبرنا عن جلال نبي الله يعقوب عليه السلام في سورة يوسف وهو يتعامل مع أولاده بالرغم من عظيم جرمهم وصنعهم بأخيهم يوسف، فلم يقسُ عليهم، ولم يضربهم، بل قال بلسان الأمل واللين الصابر: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون. ثم لَمَّا تابوا واستغفروا، قال بلسان الأب الحاني الرفيق: سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم.
وتأملوا بقلوبكم وعقولكم في الهدي النبوي الشريف العجيب، وكيف كان النبي ﷺ يحذر من نزع الرحمة من بيوت المسلمين؛ فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قبل رسول الله ﷺ السبط الجليل سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهما، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالساً، فقال الأقرع بكبر وجفاء: “إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً!”. فنظر إليه رسول الله ﷺ بعين الشفقة والوعظ، ثم قال بكلمات حاسمة وسهلة ترتعد لها القلوب القاسية: من لا يَرحم لا يُرحم. وفي رواية أخرى عند مسلم قال ﷺ: أوأملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟.
ولنستمع بتشويق ويقين إلى هذه القصة الصحيحة والموثقة التي تظهر جناية القسوة ورفض الإسلام لها؛ يروي أصحاب السير بإسناد صحيح أن رجلاً جاء إلى سيدي ومولاي أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يشكو عقوق ابنه له، فطلب عمر إحضار الابن وعنفه على عقوقه لأبيه وضياع حقه، فنظر الابن إلى الفاروق عمر بلسان المستغيث وقال: “يا أمير المؤمنين، أليس للولد حق على أبيه؟”. قال عمر: “بلى”. قال: “فما حقه؟”. قال عمر: “أن ينتقي أمه، ويحسن اسمه، ويعلمه الكتاب -أي القرآن-“. فبكى الغلام وقال: “يا أمير المؤمنين، إن أبي لم يفعل من ذلك شيئاً! أما أمي فزنجية كانت لمجوسي، وقد سماني جُعلاً -أي خنفساء-، ولم يعلمني من كتاب الله حرفاً واحداً، وكان يضربني ويهينني ويسخر مني!”. فالتفت سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الأب ونظر إليه بغضب شديد وقال بكلماته التربوية الخالدة: “جئت تشكو عقوق ابنك، وقد عققته قبل أن يعقك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك! إن قسوتك وجفاءك هما اللذان أفسدا قلبه ونزعا الرحمة من صدره!”.
انظروا يا عباد الله وتأملوا؛ إن القسوة في التربية لا تثمر إلا العقوق والتمرد والضياع؛ فالطفل الذي ينشأ في بيت يملؤه الصراخ والضرب والتحقير والسب، لن يكون عضواً نافعاً في بناء وطنه، بل سيكون معول هدم في المجتمع. إن التربية السوية تحتاج إلى حضن دافئ، وكلمة طيبة، وحوار هادئ، رفقاً بالصغار كما كان يفعل الحبيب المصطفى ﷺ مع نبت الأمة الأبرار. وفي هذا الوعظ السهل والتربية الرفيعة يقول الشاعر واصفاً واجب الرفق بالناشئة:
أيها المسلمون الأبرار، إن بناء الوطن القوي المستقر يبدأ من بناء الإنسان السوي داخل الأسرة؛ فلنطهر بيوتنا من العنف والقسوة، ولنستبدلها بالرفق واللين والحنان، تيمناً بمنهج سيدي ومولاي سيدنا رسول الله ﷺ، لنخرج للأمة جيلاً نافعاً، باراً بوالديه، مخلصاً لوطنه الغالي مصر الكنانة بروح السماحة والوسطية المستقرة الراسية.
الدعاء: اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وأصحاب سيدنا محمد، صلاة تنحل بها العقد، وتنفرج بها الكرب، وتُقضى بها الحوائج، وتُنال بها الرغائب وحسن الخواتيم. اللهم يا رب العالمين ويا مجيب السائلين، نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تحفظ مصرنا الغالية من كل سوء ومكروه، وأن تنشر عليها ظلال أمنك وأمانك، وسلْمك وسلامك، ورخائك واستقرارها، واصرف عنها الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن. اللهم وفق رئيس الجمهورية لما تحبه وترضاه من خيري الدنيا والآخرة، وخذ بيده لما فيه صلاح البلاد وعمارة العباد، وارزقه البطانة الصالحة الناصحة. اللهم احفظ جيش مصر الباسل، وشرطتها الساهرة، وصن حدودنا، وارحم شهداءنا الأبرار، واجزهم عنا وعن الوطن خير الجزاء. اللهم اجعل بيوتنا واحة للرفق والرحمة والطمأنينة، واصرف عن نفوسنا وبيوتنا القسوة والغلظة والعنف والجفاء، واجعلنا رفقاء بأولادنا وأهلينا يا أكرم الأكرمين. اللهم أصلح لنا أولادنا وبناتنا، ونبتهم نباتاً حسناً، واجعلهم قرة عين لنا وللمجتمع، وهداة مهتدين. اللهم اشف مرضانا، وعاف مبتلانا، وارحم موتانا، واقض الدين عن مدينينا. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار، يا عزيز يا غفار.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وأقم الصلاة، وكل عام وأنتم بخير وسعادة وأمان.
والله تعالى أعلم، وبالله تعالى التوفيق والسداد – كتبه فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني.