ومضات عطرة من كتابات الشيخ فراج يعقوب رحمه الله : سرُّ العطاء في الصلاة على سيدنا النبي ﷺ

بقلم الشيخ : حسن حفني باحث وكاتب
في علم التصوف الإسلامي وقضايا الإنسان

 المقال الثالث:

بعد أن وقف سيدي الشيخ فراج يعقوب رضي الله عنه في الصفحتين السابقتين عند معنى الصلاة على سيدنا رسول الله ﷺ، وما يتصل بها من اختلاف المقامات باختلاف من صدرت عنه الصلاة، ينتقل في الصفحتين الثامنة والتاسعة إلى باب آخر:

فضل الصلاة على سيدنا النبي ﷺ.

ومن هنا يتغير السؤال؛ فلم يعد الكلام عن معنى الصلاة فحسب، وإنما عن أثرها وما يفيض على العبد بسببها.

واللافت أن الشيخ يبدأ هذا الباب بمنهج واضح؛ فيقول إن الأحاديث الواردة في فضل الصلاة على النبي ﷺ كثيرة، وفيها الصحيح والضعيف والموضوع، ثم يصرح بأنه يريد أن يقتصر في هذا الموضع على ما صح من الحديث مؤيدًا بالقرآن.

وهذه العبارة ليست عابرة في بناء الكتاب؛ لأنها تكشف أن الشيخ نفسه كان يميز بين مراتب الروايات، ويريد أن يجعل أصل هذا الباب قائمًا على ما يراه ثابتًا.

ثم يضع أمام القارئ الحديث الذي يكاد يلخص معنى الباب كله:

«مَن صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا».

وهنا تتوقف النفس قليلًا أمام هذا التفاوت العجيب بين فعل العبد وجزاء الله له؛ فالعبد يصلي مرة، والله سبحانه يصلي عليه بها عشرًا.

وليست دلالة الحديث في العدد وحده، وإنما في الجهة التي صدر منها العطاء؛ فالعبد هو الذي بدأ بالصلاة، لكنه لا يملك ثمرتها لنفسه، وإنما يتفضل الله عليه من فضله.

وكأن العبادة في ظاهرها حركة من العبد، وفي باطن أثرها عطاء من الرب.

ولهذا يستوقف الشيخ معنى صلاة الله على عبده المؤمن، ثم يستشهد بقول الله تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 43]

ثم يقرأ الشيخ ثمرة هذه الصلاة في حياة المؤمن قراءة واسعة؛ فيذكر الخروج من الظلمات إلى النور، والتولي بالرحمة، والفرج والفرح والسرور في الدنيا، ثم السلام والأجر الكريم في الآخرة.

وهنا يظهر سر لطيف في بناء المعنى:

الصلاة على النبي ﷺ لا تُذكر عند الشيخ باعتبارها زيادة في الألفاظ، وإنما باعتبارها بابًا من أبواب التحول في الإنسان.

فالذكر الذي يبدأ على اللسان يمكن أن ينتهي أثره في القلب، ثم يظهر أثره في حياة صاحبه؛ يخرج من ظلمة إلى نور، ومن ضيق إلى سعة، ومن اضطراب إلى سكينة.

وهذا هو الفارق بين من يتعامل مع الصلاة على النبي ﷺ باعتبارها عددًا يكرره، ومن يدخل إليها باعتبارها أدبًا ومحبة وافتقارًا.

ثم ينتقل الشيخ إلى معنى آخر شديد الرقة، فيورد حديث السلام على النبي ﷺ:

«ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي فأرد عليه السلام».

ثم يقف عند عظمة هذه المنة، فيتحدث عن سلام الحبيب المصطفى ﷺ على من يسلم عليه، وما يراه الشيخ في ذلك من سلامة وفضل ورفعة للعبد.

وهنا ينبغي أن نبقي المسافة واضحة بين النص النبوي وبين القراءة الوجدانية التي يضيفها الشيخ إليه؛ فالحديث شيء، وما يستنبطه الشيخ من آثار ومعانٍ شيء آخر. وهذه المسافة لا تُضعف المعنى، بل تحفظ له جماله وأمانته.

فالسلام على سيدنا رسول الله ﷺ ليس مجرد لفظ يؤديه اللسان ثم ينتهي أثره بانتهاء الصوت؛ إنه إعلان محبة، وتجديد عهد بالأدب، واستحضار لمقام النبوة في قلب المؤمن.

ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا تتكرر الصلاة والسلام على النبي ﷺ في حياة أهل المحبة؛ لأن القلب إذا صدق في محبته لم يحتج دائمًا إلى مناسبة خارجية حتى يذكر محبوبه، وإنما يصبح الذكر نفسه من علامات حضور المحبة.

ثم يبلغ الشيخ في الصفحة التاسعة معنى آخر، حين يورد حديث أُبي بن كعب رضي الله عنه في الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ، وفيه قول النبي ﷺ في شأن جعل الصلاة عليه بدلًا من جزء من دعاء الرجل لنفسه:

«إذن تكفى همك ويغفر ذنبك».

وهنا يلتقي ظاهر العبادة بباطن التربية.

فالإنسان يدخل هذا الباب وهو يحمل همومه وحاجاته، ثم يتعلم أن يجعل من صلاته على النبي ﷺ نصيبًا ثابتًا من وقته وذكره.

والشيخ لا يترك المعنى عند حدود الرواية، بل يعقبه بأبيات شعرية منسوبة إلى أحد الحفاظ، ثم يقرر في ختام هذا الموضع أن من جعل الصلاة على النبي ﷺ وردًا وزادًا في أوقاته كفاه الله ما أهمه وقضى حاجاته.

وهذا التقرير الأخير يُقرأ بوصفه كلام الشيخ وقراءته للمعنى، لا بوصفه حديثًا نبويًا مستقلًا.

وهنا أرى أن سر العطاء لا يكمن في أن العبد يطلب بالصلاة على النبي ﷺ أن يحصل على ما يريد فقط؛ لأن هذا قد يحول العبادة إلى مجرد وسيلة لقضاء الحاجات.

أما المعنى الأعمق فهو أن الصلاة على سيدنا رسول الله ﷺ تعيد ترتيب قلب العبد نفسه؛ فتعلّمه أن يخرج من ضيق النظر إلى نفسه إلى سعة التعلق بالله، وأن يجعل محبته للنبي ﷺ بابًا إلى الأدب والاقتداء والافتقار.

فالعبد لا يصلي على سيدنا رسول الله ﷺ لأن النبي ﷺ محتاج إلى صلاته، حاشاه؛ وإنما يصلي عليه لأن العبد هو المحتاج إلى فضل الله، وإلى نور الهداية، وإلى رحمة تحيط بقلبه، وإلى أدب يزكي طريقه.

وهنا يصبح الحديث عن العطاء حديثًا عن الإنسان قبل أن يكون حديثًا عن كثرة الذكر.

كم من لسان يردد، ولا يتغير صاحبه!

وكم من قلب صدق في المحبة، فصار الذكر عنده انتقالًا من حال إلى حال!

ولذلك فإن القيمة ليست في أن يزداد عدد الصلوات على النبي ﷺ فقط، وإنما أن تزداد معها حرمة النبي ﷺ في القلب، وصدق المحبة، وحسن الاتباع، وافتقار العبد إلى مولاه.

ومن أجمل ما يكشفه هذا الموضع من «الفيض السني» أن الشيخ فراج رضي الله عنه لا يقف طويلًا عند كثرة النصوص، وإنما ينتقي منها ما يريد أن يجعل له أثرًا في وجدان القارئ؛ حديث يفتح باب الفضل، وآية تكشف أثر صلاة الله على المؤمن، وحديث يفتح باب السلام، ثم حديث يجعل الصلاة على النبي ﷺ بابًا لكفاية الهم ومغفرة الذنب.

إنها حركة مقصودة من النص إلى المعنى، ومن المعنى إلى القلب، ومن القلب إلى حياة الإنسان.

وهكذا ينتهي هذا الباب وقد ترك لنا الشيخ سؤالًا طبيعيًا لا يمكن تجاوزه:

إذا كانت الصلاة على سيدنا رسول الله ﷺ بهذا الفضل، فمتى يصلي عليه المؤمن؟

وأين تكون هذه الصلاة في يومه وصلاته ودعائه وحياته؟

وهنا تفتح صفحات «الفيض السني» بابًا جديدًا، حين ينتقل الشيخ من فضل الصلاة على النبي ﷺ إلى مواطن الصلاة عليه ﷺ؛ أي من بيان فضل العبادة إلى تتبع المواطن التي ينبغي أن يحضر فيها هذا الذكر في حياة المؤمن.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

أنوارُ العلمِ وأسرارُ المحبة

سلسلة قراءة وتحقيق في كتاب «إِنَّ الفَيْضَ السَّنِيَّ فِي الصَّلَاةِ عَلَى سَيِّدِنَا النَّبِيِّ

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ»

لسيدي الشيخ فراج يعقوب رضي الله عنه