حل الإشكالية الكبرى في سن زواج السيدة عائشة من النبي صلى الله عليه وسلم

بقلم ا.د : حمدى سلام

أخرج الإمام البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب تزويج الأب ابنته، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وَبَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ» قَالَ هِشَامٌ: وَأُنْبِئْتُ «أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَهُ تِسْعَ سِنِينَ».

وقد استهجن كثير من خصوم السنة هذا الحديث، وقالوا: كيف يدخل النبي صلى الله عليه وسلم بالسيدة عائشة ولها تسع سنين؛ واتخذوا من هذا الحديث رأس الحربة التي يهاجمون بها صحيح الإمام البخاري، إذ شنعوا على الرواية، متهمين الإمام البخاري أنه يروي أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج بطفلة، واعتبرت هذه الشبهة أقوى شبهات الطعن في “صحيح البخاري”.

وناهيك أن سن البنات وقت التزويج يرجع إلى ثقافات البيئات، ويرجع في المقام الأول إلى نضج الفتاة العقلي والنفسي قبل العُمْري، فكم من أميرة وملكة من أميرات أوروبا في العصور الوسطى والحديثة تزوجن في سن التاسعة؟!

فالرواية من حيث المتن لا نكارة فيها، بيد أنه ثمة أدلة أخرى من صحيح الإمام البخاري وغيره تجعلنا لا نحمل السن الذي ذكرته السيدة عائشة رضي الله عنه على المحمل الحرفي، وأنها قطعًا كانت أكبر من هذا العمر بسنوات، أستعرض الأدلة، ثم نقوم بالتوفيق بينها وبين روايتنا هذه:

الدليل الأول:
أخرج الإمام البخاري في الصحيح، كتاب التفسير، بَابُ قَوْلِهِ: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 46]، من طريق يُوسُف بْنِ مَاهَكٍ، قَالَ: إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: ” لَقَدْ أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ، {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 46] “.
وسورة القمر نزلت سنة خمس للبعثة باتفاق المفسرين، وسن الجارية التي تلعب وتعي نزول القرآن لا يقل في قول العقلاء عن خمس سنوات، أو أربع سنوات على أقل تقدير، ودون ذلك لا يُعقل، حتى إن المحدثين ضبطوا سن السماع الذي يُقبل من الغلام الحديث عنده بخمس سنوات إذا كان الغلام نابهًا.
وعلي ذلك يكون عمرها – رضي الله عنها – عند الهجرة ثلاثة عشر عامًا أو أربعة عشر عامًا، وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الثانية، يعني ولها أربعة عشر أو خمسة عشر عامًا، على أقل التقديرات.

الدليل الثاني:
أخرج الإمام البخاري في مواضع من الصحيح، منها: في كتاب الحوالة والكفالة، باب جِوَارِ أَبِي بَكْرٍ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَقْدِهِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَرَفَيِ النَّهَارِ، بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا ابْتُلِيَ المُسْلِمُونَ، خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا قِبَلَ الحَبَشَةِ،… الحديث.
فظاهر المعنى أنها كانت تعقل هجرة أبيها أبي بكر – رضي الله عنه – إلى الحبشة (الهجرة الثانية) والتي كانت في سنة خمس أو سبع – خلاف بين العلماء – فعلى أبعد التقديرين تكون سنة سبع للبعثة لها ما لا يقل عن خمس سنوات؛ لكي تعقل ما حولها، فيكون لها وقت زواجه (في السنة الثانية للهجرة) ثنتي عشرة سنة.

الدليل الثالث:
أخرج الإمام أحمد في المسند بسند حسن، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، وَيَحْيَى، قَالَا: لَمَّا هَلَكَتْ خَدِيجَةُ، جَاءَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا تَزَوَّجُ؟ قَالَ: ” مَنْ؟ ” قَالَتْ: إِنْ شِئْتَ بِكْرًا، وَإِنْ شِئْتَ ثَيِّبًا؟ قَالَ: ” فَمَنِ الْبِكْرُ؟ ” قَالَتْ: ابْنَةُ أَحَبِّ خَلْقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْكَ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: ” وَمَنِ الثَّيِّبُ؟ ” قَالَتْ: سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، آَمَنَتْ بِكَ، وَاتَّبَعَتْكَ عَلَى مَا تَقُولُ “، قَالَ: ” فَاذْهَبِي فَاذْكُرِيهِمَا عَلَيَّ “… الحديث.
فظاهر من الحديث أنه عند وفاة السيدة خديجة – عليها السلام – أي في السنة العاشرة للبعثة، كانت السيدة عائشة – رضي الله عنها – في سن الزواج، وإلا فلا يُعقل أن تقترح السيدة خولة – رضي الله عنها – على النبي صلى الله عليه وسلم عقب وفاة زوجه أن يتزوج من بنت لها وقتئذ أربع سنوات وفق الرواية، ثم عليه صلى الله عليه وسلم الانتظاهر بالدخول بها إلى أن تبلغ بعد سنوات، بينما ظاهر الرواية أنها تعرض عليه الزواج الآن.

أدلة تاريخية يُستأنس بها:

الدليل الأول:
سَرَدَ ابن إسحاق في السيرة – كما روى ابن هشام عنه (1/254) – أسماء من أسلموا في المرحلة السرية – وهي ثلاث سنوات قبل الجهر بالدعوة – فذكر منهم السيدة عائشة، فإذا كان عمرها وقتئذ ثلاثة أعوام مثلًا على أقل تقدير، بل لا يتصور أن يكون لها ثلاثة أعوام، لكن على سبيل التنزل في المجادلة تكون قد وُلدت في السنة الأولى للبعثة، ويكون عمرها وقت زواج النبي صلى الله عليه وسلم منها أربعة عشر عامًا.

الدليل الثاني:
ذكر الحافظ ابن حجر في الإصابة (8/14)، وغيره من العلماء، وليس لهم مخالف أن السيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قد رأت ابنها عبد الله بن الزبير، وهو مقتول، قد قتله الحجاج بن يوسف، وصلَبَه، وكان لها مائة سنة، وذلك سنة ثلاث وسبعين للهجرة، وقال أبو نعيم الأصبهانيّ: ولدت قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة، وهي أكبر من السيدة عائشة بعشر سنين، نقله الحافظ الذهبي عن ابن أبي الزناد في سير أعلام النبلاء (3/380)، فإذا كانت وقت الهجرة بنت سبع وعشرين سنة، تكون السيدة عائشة رضي الله عنها وقت الهجرة بنت سبع عشرة سنة.

الدليل الثالث:
قال ابن سعد في الطبقات (8/63): وَكَانَتْ عَائِشَةُ وُلِدَتِ السَّنَةَ الرَّابِعَةَ مِنَ النُّبُوَّةِ فِي أَوَّلِهَا وَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ فِي شَوَّالٍ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ وَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ سَوْدَةَ بِشَهْرٍ.
فعلى هذا يكون عمرها – رضي الله عنه – في السنة الثانية للبعثة أحد عشر أو اثنا عشر عامًا.

وبعد، فهذه الأدلة تقطع بكون السيدة عائشة لم تكن في سن التاسعة وقت الزواج، وإنما كانت لا تقل عن اثنتي عشرة سنة، وقبل أن يفرح الطاعنون ويقولون بأنا نضعف الرواية الأولى، ونقدح في حديث البخاري، نقول إن الحديث صحيح، والسيدة عائشة قالت هذا الكلام، بيد أنه سن تقديري، والتشنيع على موضوع الرواية هذه من الإفلاس والتحرش العلمي بالصحيح، ولبيان هذه الحقيقة، وأن الخلاف في عمر السيدة عائشة وقت زواجها كان مستساغًا جدًا في هذا العصر، ولا داعي لتخطئة رواية صحيحة، اقرأ قول أحد أعظم مفكري العصر، الأستاذ العقاد في كتابه “الصديقة بنت الصديق”، وهو يتحدث عن يُسْر الخلاف في تقدير عمرها، حيث قال:
“وﻫﻮ اﺧﺘﻼف ﻻ ﻏﺮاﺑﺔ ﻓﻴﻪ ﺑين ﻗﻮم ﻟﻢ ﻳﺘﻌﻮدوا ﺗﺴﺠﻴﻞ المواليد؛ إذ ﻗﻠﻤﺎ ﻳﺴﻤﻊ ﺑﺈﻧﺴﺎن — رﺟﻼً كان أو اﻣﺮأة — في ذﻟﻚ اﻟﻌصر إﻻ ذﻛﺮ ﻟﻪ ﺗﺎرﻳﺨﺎن أو ﺛﻼﺛﺔ لميلاده، أو زواﺟﻪ أو وﻓﺎﺗﻪ، وﻗﺪ ﻳﺒﻠﻎ اﻻﺧﺘﻼف ﺑين ﺗﺎرﻳﺦ وﺗﺎرﻳﺦ في ﺗﺮاﺟﻢ المشهورين ﻓﻀﻼً ﻋﻦ اﻟﺨﺎﻣﻠين ﻋشر ﺳﻨين.

ثم قال: وﻟﻬﺬا ﻧﺮﺟﺢ أﻧﻬﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺑين اﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻋشرة واﻟﺨﺎﻣﺴﺔ ﻋشرة ﻳﻮم زﻓﺖ إﻟﻴﻪ، وأﻧﻬﺎ ﻫﻲ — رضي ﷲ ﻋﻨﻬﺎ — ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺴﻤﻊ ﺗﻘﺪﻳﺮات ﺳﻨﻬﺎ ﻣﻤﻦ ﻛﺎن ﺣﻮﻟﻬﺎ؛ ﻷﻧﻬﺎ ﻟﻢ ﺗﻘﺮأﻫﺎ ﺑﺪاﻫﺔ في وﺛﻴﻘﺔ ﻣﻜﺘﻮﺑﺔ، ﻓﻜﺎن ﻳﻌﺠﺒﻬﺎ — ﻋلى ﺳُﻨﱠﺔ اﻷﻧﻮﺛﺔ اﻟﺨﺎﻟﺪة — أن ﺗﺄﺧﺬ ﺑﺄﺻﻐﺮﻫﺎ، وﻛﺎﻧﺖ ﻫﻲ ﻛﺜيرًا ﻣﺎ ﺗﺪل ﺑﺎﻟﺼﻐﺮ ﺑين أﺗﺮاﺑﻬﺎ، ﻓﻼ ﺗﻨسى إذا اﻗﺘضى اﻟﺤﺪﻳﺚ ذﻟﻚ أن ﺗﻘﻮل: وﻛﻨﺖ ﻳﻮﻣﺌﺬ ﺟﺎرﻳﺔ ﺣﺪﻳﺜﺔ اﻟﺴﻦ، أو ﻛﻨﺖ ﻳﻮﻣﺌﺬ ﺻﻐيرة ﻻ أﺣﻔﻆ ﺷﻴﺌًﺎ ﻣﻦ اﻟﻘﺮآن، إلى أﺷﺒﺎه ذﻟﻚ ﻣﻦ أﺣﺎدﻳﺜﻬﺎ في ﻫﺬا المعنى”.