تبرير المعصية
12 أكتوبر، 2026
منبر الدعاة

بقلم / الدكتور : ابوبكر الجندى
امام بوزارة الاوقاف
تختلف معصية آدم عليه السلام عن معصية إبليس اختلافًا جوهريًا، فآدم اعترف بذنبه وقال هو وزجه: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}[الأعراف: 23]، وأقر بخطئه وتاب، فتاب الله عليه.
أما إبليس فعصى وتكبر وبرر عصيانه وقال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}[ص: 76]، فما زاده التبرير إلا بعداً وطرداً من رحمة الله تعالى: {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ}[ص: 77 – 78]، وعلى النهج الإبليسي سار المبررون من بني البشر ومن ذلك ما يلي:
ـ تبرير الذنب بالقدر، كما قال المشركون: {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ}[الزخرف: 20]، فكذبهم الله تعالى في ادعائهم، وهو كقول بعض الناس اليوم: “لو ربنا أراد أن أصلي سأصلي”، وهل يقبل أحدهم أن يقول بالنفس المنطق: (لو أراد الله أن أشبع لشبعت)، وإنما هو التملص من الأخذ بالأسباب ونفي الإرادة التي سيحاسبون عليها، وهذا كقول بعضهم في عدم إتقان عمله والاهتمام بوظيفته: (بنعمل علي قد فلوسهم).
ـ تبرير الذنب بتقليد الآباء: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}[الأعراف: 28]، وهو قولهم اليوم: (الناس كلها كدة)، وقد جاء النهى النبوي عن هذه الخُطة الشيطانية فقال: صلى الله عليه و سلم: “لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا”.
ـ تبرير الذنب بتوبةٍ في المستقبل، كما قال أخوة يوسف: {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ}[يوسف: 9].
ومن التبريرات الإبليسية التي تلغي العقل وتعمي القلب تبرير أهل الجاهلية في قتل أبنائهم ووأد بناتهم، وقد وصف القرآن الكريم هؤلاء المجانين بقوله: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}[النحل: 58، 59].
كذلك مما يطيش له العقل طوافهم بالكعبة عراة، ويسوغون ذلك بأن ثيابهم قد عصوا الله فيها؛ فنزلت هذه الآية: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ}[الأعراف: 31].
وقد رأينا داعش وتبريرها القتل والإرهاب والتدمير والتخريب، والسرقة ونهب أموال الناس، وشرب المخدرات والممنوعات وقولهم فيها: (لو حرام بنحرقوه ولو حلال بنشربوه).
ومن أعظم الذنوب أن يتملص المجرم من جُرمه ثم يتهم به بريئًا، قال تعالى: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}[النساء: 112].
ولذا كان الواجب الأخذ على يد السفهاء وعدم الاعتداد بتبريراتهم غير العقلية ولا مجاراتهم في مسوغاتهم الشيطانية، وقال النبي صلى الله عليه وسلم “مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا”.
والواجب كذلك على من فعل منكرًا أن يسارع بالتوبة وأن يقر بذنبه ويعترف بخطئه، قبل أن يموت أو تقوم الساعة حيث يغلق باب التوبة والاعتذار حينها كما قال الله تعالى عن اعتذار الظالمين يوم القيامة: {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (35) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 35 – 37].