المقال الثاني أنوارُ العلمِ وأسرارُ المحبة
10 أكتوبر، 2026
بستان الصالحين

سلسلة قراءة وتحقيق في كتاب «إِنَّ الفَيْضَ السَّنِيَّ فِي الصَّلَاةِ عَلَى سَيِّدِنَا النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ»
لسيدي الشيخ فراج يعقوب رضي الله عنه
بقلم: حسن حفني
باحث وكاتب في علم التصوف الإسلامي وقضايا الإنسان
ليست الصلاة على سيدنا رسول الله ﷺ عند أهل المحبة لفظًا يمر على اللسان ثم ينتهي أثره، وإنما هي باب من أبواب الأدب، وكلما اقترب العبد من معنى هذا الباب ازداد شعوره بفقره، وعرف أن المقام المحمدي أجل من أن تحيط به عبارة، وأن العبد مهما أكثر من الصلاة عليه ﷺ لا يستغني لحظة عن فضل الله وتوفيقه.
ومن هنا تأتي قيمة الصفحتين السادسة والسابعة من كتاب «إِنَّ الفَيْضَ السَّنِيَّ» لسيدي الشيخ فراج يعقوب رضي الله عنه؛ فقد اختار الشيخ أن يبدأ هذا التأمل من آية عظيمة جعلت الصلاة على النبي ﷺ متصلة بذكر الله وملائكته وإيمان المؤمنين، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
والوقوف مع هذه الآية يحتاج إلى أدب قبل أن يحتاج إلى كثرة الكلام؛ لأن الحديث هنا عن سيدنا رسول الله ﷺ، وعن صلاة أضافها الله سبحانه إلى نفسه، وإلى ملائكته، ثم وجّه بها المؤمنين إلى نبيه ﷺ.
ولهذا لا يمر الشيخ فراج رضي الله عنه على الآية مرورًا سريعًا، بل يقف عند ألفاظها، ويتأمل اختلاف الإضافة، ويسأل عن معنى الصلاة حين تكون من الله تعالى، وحين تكون من الملائكة، وحين تكون من المؤمنين.
ويبدأ من وصفه ﷺ في الآية بـ النبي، ويتساءل عن سر هذا التعبير دون الرسول، ويذكر في هذا السياق ما أورده من الحديث: «كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد»، ثم ينتقل إلى الأمر الذي وجّه الله به المؤمنين: أن يصلوا عليه ويسلموا تسليمًا.
ثم يفتح الشيخ السؤال الذي يمثل قلب هذا الموضع: ما معنى صلاة الله على نبيه ﷺ؟
ينقل القول المشهور بأنها الرحمة، لكنه لا يقف عند هذا التفسير، بل يرى أن حقيقة صلاة الله تعالى على نبيه ﷺ أمر توقيفي لا يعلم حقيقته إلا الله. ثم يعرض ما ذكره من تفسير الصلاة بأنها رحمة مقرونة بالتعظيم، أو ثناء الله على النبي ﷺ وتعظيمه وتمجيده، وينتهي إلى أن الحقيقة الكاملة لهذه الصلاة لا يعلمها إلا الله.
وهنا تظهر دقة المسألة؛ فالشيخ لا يتعامل مع الصلاة الإلهية كلفظ يمكن اختزاله في معنى واحد ثم يُغلق به باب التأمل، بل يترك للحقيقة الإلهية جلالها، ويقف عند الحد الذي نقله عن أهل العلم والذوق.
ثم ينتقل إلى صلاة الملائكة، فيذكر قول من قال إنها استغفار الملائكة للنبي ﷺ، ثم يناقش هذا القول من جهة أن الملائكة تستغفر لأهل الأرض وللمؤمنين أيضًا، فلا يرى أن الاستغفار وحده يستوعب معنى صلاة الملائكة على سيدنا رسول الله ﷺ.
ثم ينقل عن أهل الحقيقة معنى آخر، وهو أن صلاة الملائكة على النبي ﷺ دعاؤهم الله تعالى أن يوصلهم برسول الله ﷺ، حتى يدوم رقيهم إلى الله تعالى في خلال أنوار رسول الله ﷺ.
وهنا ينتقل النص من مجرد السؤال عن معنى الصلاة إلى معنى أعمق في صلة الخلق بالمقام المحمدي، بحسب ما نقله الشيخ؛ فالصلاة في هذا القول ليست مجرد لفظ، وإنما دعاء بالوصلة والترقي في أنوار رسول الله ﷺ.
ثم يصل الشيخ إلى صلاة الذين آمنوا، وهنا يبرز معنى الافتقار بوضوح.
فالمؤمن مأمور بالصلاة والسلام على النبي ﷺ، لكنه حين يعرف قدر المقام النبوي ويستشعر عظمة ما أمر به، يرى نفسه عاجزًا عن القيام بما يليق بحق سيد الخلق ﷺ، فيرجع من حوله إلى مولاه، لا متكئًا على عمله، وإنما مستمدًا من فضل الله.
ويصور الشيخ هذا المعنى في حال المؤمن حتى يبلغ به إلى قوله: «فتول يا مولانا بذاتك الصلاة على سيد مخلوقاتك فاللهم صل وسلم عليه.»
وهذه من أعمق عبارات هذا الموضع؛ لأنها تكشف عن سر من أسرار الأدب: أن كثرة الصلاة على النبي ﷺ لا ينبغي أن تورث العبد رؤية عمله، وإنما تورثه مزيدًا من الفقر إلى الله.
فالعبد يصلي، لكنه يعلم أن توفيقه للصلاة فضل من الله، وأن معرفته بقدر النبي ﷺ فضل من الله، وأن محبته للنبي ﷺ فضل من الله، وأن كل خير يبلغه إنما هو من محض فضل الله وعميم بره، كما عبّر الشيخ في هذا الموضع.
وهنا تلتقي العبادة بالمحبة، ويلتقي الذكر بالأدب، ويلتقي الأدب بالافتقار.
وهذا هو الموضع الذي أرى أنه يستحق أن نتأنى عنده؛ لأن الصلاة على سيدنا رسول الله ﷺ لا تُقاس بكثرة الألفاظ وحدها، وإنما بما تتركه في القلب من معرفة وأدب وافتقار. ومن خلال الصفحتين تتشكل أمامنا ثلاثة مقامات في التعبير عن الصلاة:
صلاة الله على النبي ﷺ،
وصلاة الملائكة عليه ﷺ،
وصلاة المؤمنين عليه ﷺ،
والشيخ فراج رضي الله عنه يعرض لكل مقام ما نقله من معانٍ وأقوال، دون أن يجعلها في مرتبة واحدة من جهة الحقيقة والدلالة.
ثم يختم الشيخ هذا الموضع بكلمة تكشف عن وعيه بحدود ما أراد أن يذكره: «هذا وفي الآية مباحث عديدة يطول المجال بذكرها.» وهذه ليست خاتمة عابرة؛ فهي تترك للقارئ بابًا مفتوحًا، وتدل على أن الشيخ لم يقصد استقصاء جميع مباحث الآية، وإنما اختار منها ما يخدم سياق كتابه ومقصده.
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا كان مدخل الشيخ إلى الصلاة على النبي ﷺ قائمًا على هذه الآية؛ لأنه لم يبدأ بكثرة الصيغ، ولم يبدأ بجمع الألفاظ، وإنما بدأ من المقام.
بدأ من القرآن، ثم من مقام النبي ﷺ، ثم من اختلاف الإضافة، ثم من عجز العبد، حتى انتهى إلى الدعاء ؛ وهذه حركة لها معناها في التربية: من المعرفة إلى الأدب، ومن الأدب إلى الافتقار، ومن الافتقار إلى الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ﷺ.
ولعل أجمل ما يبقى من هذا الموضع أن العبد كلما ظن أنه أكثر من الصلاة على النبي ﷺ، احتاج إلى أن يسأل نفسه: هل زادتني هذه الصلاة معرفةً بقدره ﷺ؟ وهل أورثتني أدبًا معه؟ وهل ردّت قلبي إلى الله الذي أمرني بها؟
فالصلاة على سيدنا رسول الله ﷺ ليست مقامًا يرى فيه العبد كثرة عمله، وإنما مقام يرى فيه فضل مولاه، وجلال نبيه ﷺ، وفقر نفسه.
ولهذا يختم الشيخ فراج رضي الله عنه هذا المعنى بالدعاء:«فاللهم صل وسلم عليه.»
وكأن القلب، بعد كل ما قيل، لا يجد أليق من الصلاة والسلام على من جعله الله رحمةً للعالمين، ولا أصدق من أن يعود في نهاية الكلام إلى الأدب.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.