لماذا حرَّم بعض الفقهاء إيداعَ الأموال في البنوك مع أخذ عائدٍ أو فائدة؟

بقلم : د. مصطفى القليوبي

الجواب:

لأنهم كيَّفوا العلاقة بين البنك والمودِع على أنها قرضٌ، ثم بنوا على هذا التكييف أن العائد المشروط على القرض من قبيل «القرض الذي جرَّ نفعًا»، ومن ثَمَّ قالوا: هو من الربا.

لكن: هل يصح أصلًا تكييف الإيداع البنكي على أنه قرضٌ بالمعنى الفقهي؟

هذه هي المسألة التي ينبغي أن تُبحث أولًا؛ إذ إن الحكم على المعاملة فرعٌ عن تصوّر حقيقتها وتكييفها تكييفًا صحيحًا.

وفي هذا المقال أناقش هذا التكييف في ضوء القواعد والأصول الحاكمة للمعاملات، فأقول، وبالله التوفيق:

أولًا: هل الإيداع البنكي هو القرض الفقهي؟

ذهب بعض الفقهاء إلى اعتبار العلاقة بين البنك والمودِع قرضًا؛ لأن المال المودَع ينتقل إلى ملك البنك، ويكون مضمونًا عليه، ثم يردُّ البنك للمودع مثلَه عند طلبه.

غير أن هذا التكييف تَرِد عليه إشكالات جوهرية؛ إذ إن صورة التعامل المصرفي المعاصر لا تنسجم تمامًا مع حقيقة القرض في اصطلاح الفقهاء.

فالأموال التي يودعها العملاء تدخل في الذمة المالية للبنك، وتتداخل مع سائر أمواله، ويتصرف فيها البنك ضمن نشاطه المصرفي والاستثماري، ثم يلتزم للمودع بردِّ ما يستحقه وفق طبيعة الحساب والعقد المبرم بينهما.

وهذه الصورة المركبة تختلف في حقيقتها عن القرض الفقهي الذي عرّفه الفقهاء وبنوا أحكامه على معنى الإرفاق والإحسان.

ثانيًا: اضطراب تنزيل أحكام القرض على العمليات المصرفية :

إذا سحب المودع جزءًا من رصيده، فهل يُقال: إنه استردَّ جزءًا من القرض؟

وإذا أودع مبلغًا جديدًا، فهل نحن أمام قرض جديد؟

وإذا حُوِّل إلى حسابه مبلغٌ من شخص آخر، فهل يُعد ذلك قرضًا من المحوِّل للبنك؟ أم قرضًا من البنك لصاحب الحساب؟ أم عقدًا آخر مستقلًا؟

ثم إن حركة الأموال في الحسابات المصرفية لا تنفك عن عمليات متتابعة من الإيداع والسحب والتحويل والمقاصة والتسوية، بحيث تتداخل الأموال وتتغير أوصافها وآثارها باستمرار.

وهذا كله يدل على أن محاولة إدخال الصورة المصرفية الحديثة بأكملها تحت نموذج القرض الفقهي المجرد تحتاج إلى مزيد من النظر والتحقيق، ولا يصح أن يكون مجرد استعمال لفظ «القرض» حاسمًا في التكييف.

ثالثًا: العبرة بحقيقة العقد لا بمجرد اسمه:

من القواعد المقررة في أبواب المعاملات أن العبرة في العقود بحقائقها ومعانيها ومقاصدها، لا بمجرد ألفاظها وأسمائها.

فليس كل ما أُطلق عليه لفظ «قرض» في الاصطلاح القانوني أو المصرفي يلزم أن يكون قرضًا بالمعنى الفقهي الذي تترتب عليه أحكام القرض.

ولهذا ينبغي أن ننظر إلى حقيقة العلاقة بين الطرفين، وإلى طبيعة الالتزامات المتبادلة، وإلى المقابل الذي يحصل عليه كل طرف، وإلى الأعراف المصرفية المستقرة، ثم بعد ذلك نبحث عن التكييف الفقهي الأقرب إلى حقيقة العقد.

رابعًا: هل النشاط المصرفي قائم على معنى القرض التبرعي؟

القرض في الفقه الإسلامي من عقود الإرفاق، وقد قرر الفقهاء أن المقصود الأصلي منه إعانة المقترض والإحسان إليه، لا اتخاذ القرض وسيلة للاتجار وتحقيق العوض.

أما النشاط المصرفي المعاصر فله طبيعة مختلفة؛ إذ يقوم في أصله على توظيف الأموال وإدارتها واستثمارها وتقديم الخدمات المالية في إطار نشاط مؤسسي تجاري منظم.

ومن هنا فإن تنزيل أحكام القرض التبرعي على كل علاقة تنشأ بين البنك وعميله يحتاج إلى تحرير دقيق لحقيقة العقد؛ لأن اختلاف المقصد والوظيفة الاقتصادية للعقد قد يؤثر في تكييفه الفقهي.

وقد نبه عدد من الفقهاء والأصوليين إلى الفرق بين القرض الذي مقصوده الإرفاق وبين المعاملات التي تقوم على المعاوضة والاتجار، ومن ذلك ما قرره ابن رشد، وزكريا الأنصاري، وأبو زهرة في مباحثهم المتعلقة بحقيقة القرض وأحكامه.

خامسًا: ومن هنا يأتي محل البحث :

إذا ثبت أن الحساب البنكي ليس قرضًا فقهيًا بالمعنى الذي تترتب عليه قاعدة:

«كل قرض جرَّ نفعًا فهو ربا»

فلا يصح أن نجعل هذه القاعدة وحدها أساسًا لتحريم العائد البنكي؛ لأن القاعدة إنما تعمل بعد ثبوت محلها وتحقق وصف القرض الذي تتعلق به.

وهنا يظهر أن الخلاف الحقيقي ليس في القاعدة نفسها، وإنما في تكييف المعاملة ابتداءً:

هل هي قرض؟

أم وديعة؟

أم وكالة بالاستثمار؟

أم عقد معاوضة مستحدث؟

أم عقد مركب ذو طبيعة خاصة؟

وهذا هو موضع البحث الأصولي والفقهي الحقيقي.

وبناءً على ذلك

فإن القول بجواز الإيداع في البنك مع أخذ العائد يمكن أن يُبنى على عدم تكييف هذه المعاملة على أنها قرض فقهي ربوي، وإنما على تكييفها تكييفًا آخر يتفق مع حقيقتها المصرفية المعاصرة.

وليس هذا هو الدليل الوحيد الذي يمكن أن يُستدل به على الجواز؛ بل ثمَّة أدلة وتخريجات أخرى، تتعلق بتوصيف العلاقة بين البنك والمودع، وحقيقة العائد، وطبيعة النشاط المصرفي، والعقود المستحدثة، والعرف المصرفي، وغير ذلك، وسأفرد لكل جانب منها بحثًا مستقلًا ـ إن شاء الله ـ حتى لا تختلط المسائل، ولا يُبنى الحكم على مقدمة لم تُحرَّر بعد.

والله تعالى أعلم.