6 أكتوبر في ميزان الشريعة: حين اجتمع الإيمان والتخطيط والنصر



بقلم الدكتور/ عبد الله الشقرة

حين نريدُ الحديث عن حرب أكتوبر المجيدة في ميزان الشريعة الإسلامية فإننا سنجدها نموذجاً عملياً و واقعياً لحرب الدفاع المشروعة التي جمعت بين صحة المبدأ وسلامة الغاية، وصدق النيّة وعظمة التوفيق الإلهي، إنها حربٌ قامت من أجل تحرير الأرض ودفع الظلم، وظهر فيها واضحاً حُسنُ الأخذ بالأسباب والتخطيط الجيّد، واستحضارُ الإيمان الراسخ بالنصر، والتوكل على الله، مما جعلها ملحمةً تتوفرُ فيها مقاصد الشريعة في حفظ الدين والنفس والأرض والعِرض والكرامة.

ولقد كانت ولا تزال حربُ أكتوبر 10 رمضان 1393هـ / 6 أكتوبر 1973م محطةً بارزةً في التاريخ العربي والإسلامي الحديث، حيث لم تكن مجرد معركة عسكرية لتحرير الأرض وكفى، بل تجسدت فيها أركانٌ وقيمٌ شرعية متكاملة من أدبيات وأحكام الجهاد والدفاع عن الأوطان في الشريعة الإسلامية.

فقد تجسدت في هذه الحرب الملحميةُ مبادئ عظيمة مثل شرعية المقاومة، ودفـع المعتدي، وردّ الحقوق، والإيمان بوعد الله بالنصر، حيث تقوم فلسفة الجهاد في الشريعة الإسلامية على دفع الظلم وحماية النفس والعِرض والمال والأرض، كما في قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾، فكانت حرب أكتوبر تطبيقاً شرعياً واضحاً لاسترداد أرضٍ مغصوبة ودفع معتدٍ غاشم، اغتصب الأرض، وقتل النفس، وانتهك العِرض، وأراد بناء كيانٍ مزعوم على أنقاض أصحاب الأرض والحق فلم يتحقق له ذلك بفضل الله تعالى.
​
ولقد كان القتال في هذه الحرب تحت رايةٍ وطنية شرعية، فقد كان قتالاً خاضه الجيش المصري والسوري تحت قيادة دولة واحدة وراية معلنة تُطالب بكرامة أمتها وتحرير أرضها وسلامة شعبها، وهو ما يتوافق مع ضوابط الجهاد الشرعي الذي ينظمه ولي الأمر والقيادة الرسمية للبلاد مع أصحاب الرأي والمشورة من المتخصصين والخبراء العسكريين.

​ومن أقوى أسباب النجاح في هذه الحرب، مبدأ الأخذ بأسباب القوة والنصر من التحضير الجيّد والتخطيط العسكري المُحكم والتمويه والذكاء والحكمة، فالشريعة الإسلامية توجهُ المسلمين دائماً إلى ألا يكتفوا فقط بالدعاء والإحساس بالمظلومية، بل يجب الأخذ بأسباب القوة والتخطيط المتقن، والإعداد الشامل للمعركة امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾.

وكذلك فإن البُعد الإيماني والديني والمعنوي كان حاضراً بقوة في الصيحة العظيمة الخالدة “الله أكبر” والتي كانت هي الشعار الإيماني والروحي الذي زلزل أرض المعركة احت أقدام العدو الغاصب، وبثّت تلك الكلمة العظيمة في نفوس الجنود معاني الجهاد والاستشهاد والتضحية من أجل الدين والوطن.

كما كان الارتباط بـشهر رمضان المبارك و خوض المعركة في شهر الصوم مثالاً للتضحية البدنية والجسدية مع التسامي الروحي والأخلاقي، فكان الصيام والجهاد يمثلان ذروة العبادة والصبر مع العزيمة والتصميم في وقتٍ واحد.

​كما لعب الأزهر الشريف باعتباره المؤسسة الدينية الأعظم في قلوب المسلمين دوراً مؤثراً في شحذ همم الجنود وتوضيح الأحكام الشرعية المتعلقة بالقتال، كفتاوى الإفطار في رمضان للمقاتلين للتقوّي على لقاء العدو، وتذكير الجنود بفضل الشهادة في سبيل الله والدفاع عن الأوطان، فانتشر علماء الأزهر في المعسكرات والكتائب يلقون الدروس والخطب التي ترغب في الجهاد والشهادة وتحذر من التقاعس والتخاذل والتراجع.

​وقد كان الالتزام بأخلاقيات الحرب في الإسلام حاضراً كاجتناب المظالم والفساد والدمار، فلم تكن الحرب لمجرد سفك الدماء أو التخريب، بل اقتصرت على ضرب القواعد والمواقع العسكرية للعدو لتحرير الأرض، والتزام القوات بالضوابط الأخلاقية في التعامل مع الأسرى والمستسلمين وفق المبادئ الإسلامية والقوانين الدولية.