هل تلقين الميت بعد دفنه بدعة؟ قراءة فقهية في أقوال أئمة المذاهب الأربعة
1 أكتوبر، 2026
قضايا وأحكام

بقلم : د. مصطفى القليوبي
بسم الله، وبعد :
فإن تلقين الميت بعد دفنه أمر جائز شرعًا، بل مستحب، وهو رأي الجمهور،
ولا دليل لمحرميه إلا ادعاءاتهم بأنه بدعة لم تكن فى زمن النبي صلى الله عليه وسلم، والحقيقة أن التلقين بعد الدفن له الكثير من الأدلة التى تدعمه، منها :
ما رواه الطبرانى فى الكبير مرفوعًا عن أبى إمامة بلفظ ( إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل يا فلان بن فلانة فإنه يسمعه ولا يجيب ثم يقول يا فلان بن فلانة فإنه يقول أرشدنا يرحمك الله ولكن لا تشعرون، فليقل أذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمدًا صلى الله عليه وسلم نبيا، وبالقرآن إماما، فإن منكر ونكير يأخذ كل منهما بيد صاحبه ويقول : انطلق بنا ما يقعدنا عند من لُقن حُجته.
فقال رجل : يا رسول الله فإن لم يعرف أمه ؟ قال : فلينسبه إلى أمه حواء يا فلان بن حواء ) ([1])
ومن الأدلة أيضا : عموم قوله تعالى : ” وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ” ([2])،
وأحوج ما يكون العبد للتذكرة فى ذلك الحين فالمعلوم بأن الموتى يسمعون الأحياء عند زيارتهم لهم كما ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( إنه ليسمع قرع نعالهم ) وقال : ( وما أنتم أسمع لما أقول منهم ) ([3])
وقد قال البعض بأن التلقين قبل الموت فقط وذكروا قوله صلى الله عليه وسلم ” لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ” أى فى حضرة الموت لا من مات ، فمما لا شك فيه أن هذا التأويل خاطئ فلا أحد يعرف إمارة الموت بادية على وجه من حضره الموت فالحكمة تقول:
وكم من صحيح مات من غير علة وكم عليل عاش حينًا من الدهر
فكيف نلقن موتانا من ماتوا بغير علة هؤلاء الذين يموتون فجأة ، فاللفظ صريح ( موتاكم ) فلم يقل النبى صلى الله عليه وسلم: ” لقنوا موتاكم إذا حضرهم الموت ” فإن مثل هذه الفتاوى المخالفة اكتوى بنارها الكثير من المسلمين ، فكم حرم أهل من تلقين ميتهم ، وكم حرم ميت من إفادته بتلقينه كلمة التوحيد فالعلم يؤخذ من العلماء لا من الجهلاء وأخيرًا أذكر لكم مجموعة من الآراء والأقوال للعلماء المعتبرين من أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم .
والحديث الوارد في تلقين الميت حديث ضعيف، لكنه عمل به السلف ..
وهذا ما استدل به الشافعية ( الحديث الضعيف + عمل السلف به ) .
فهو مَأْثُورٌ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ؛ كَأَبِي أُمَامَةَ، وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، وغيرهم من التابعين ..
فقد قال الشافعية وغيرهم بأن الحديث الضعيف إذا تلقاه العلماء بالقبول واستمر العمل به كان حجة ..
قال ابن القيم في كتاب الروح : ” ويدل على هذا أيضا ما جرى عليه عمل الناس قديما وإلى الآن من تلقين الميت في قبره، ولولا أنه يسمع ذلك وينتفع به لم يكن فيه فائدة وكان عبثا، وقد سئل عنه الإمام أحمد رحمه الله فاستحسنه واحتج عليه بالعمل” . انتهى
ونقل الإمام ابن تيمية فيه الخلاف، وعزاه عن بعض الصحابة .
أما نصوص الأئمة الدالة على الجواز فهي كالتالي :
المذهب المالكى :
الإمام القرطبى : ذكر أن العمل جرى فى قرطبة على تلقين الميت واستشهد بنصيحة شيخه أبى العباس القرطبى فى جواز التلقين([4]) .
المذهب الحنفى :
قال الشيخ عبد الغنى الغنيمى الدمشقى ” وأما تلقينه ( أى الميت ) فى القبر فمشروع عند أهل السنة لأن الله تعالى يحييه فى قبره ” ([5]) .
المذهب الشافعى :
قال الإمام النووى : قالت جماعات من أصحابنا يستحب تلقين الميت عقب دفنه ” .. ثم قال : ” فممن نص على استحبابه : القاضى حسين ، والمتولى ، والشيخ نصر المقدسى ” ..
وقال : ” وسئل الشيخ أبو عمر بن الصلاح رحمه الله عنه فقال : التلقين هو الذى نختاره ونعمل به ” ..
ثم قال : ” ولم يزل أهل الشام على العمل بهذا فى زمن من يقتدى به وإلى الآن ” . ([6]).
قال الإمام أبو القاسم الرافعى الشابى : (ويستحب أن يلقن الميت بعد الدفن فيقال : يا عبد الله ابن أمة الله …. ” ([7]) .
المذهب الحنبلى :
يستحب تلقين الميت بعد دفنه عند أكثر الأصحاب ([8]) .
وقد ثبت استحبابه فقالوا : ويستحب تلقين بالغ عاقل أو مجنون سبق له تكلف وزاد فى التحفة لفظ ولو شهيدًا كما اقتضاه إطلاقهم بعد تمام الدفن لخير فيه([9]) .
فإذا نظرت لأقوال أهل السنة لوجدت أنه من قال بأن التلقين سنة ، ومنهم من قال بأنه مستحب ، وهناك من قال مندوب ، فلا أحد يقول ببدعته أو حرمته بل هو من المستحسنات التى لا ينبغى أن نتركها .
هل للتلقين صورة محددة لا يحصل التلقين إلا بها ؟
الجواب :
ليس له صورة محددة، بل يكفي أن يجلس المسلم عند قبر أخيه المسلم بعد دفنه ويخاطبه مذكراً إياه بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وببعض قواعد العقيدة الإسلامية، من أن الموت حق، والجنة حق، والنار حق، وأن الله يبعث مَن في القبور، ويدعو له بالتثبيت عند سؤال الملكين. وليس للتلقين صيغة معيّنة، بل كل ما يؤدّي هذا المعنى يُسمَّى تلقيناً.
……….
([1]) أورده السيوطى فى الدر المنثور وابن حجر فى تخليص الحبير
([2])
([3]) رواه البخارى
([4]) الإمام القرطبى صاحب التفسير المشهور قد أفرد للتلقين بابًا من كتابه ( التذكرة بأحوال الموتى والآخرة ص 138 ، 139 ، باب : ما جاء فى تلقين الميت بعد موته شهادة الإخلاص فى لحده )
([5]) اللباب شرح الكتاب ج 1 / 125
([6]) المجموع ج 5 / 303 ، 304
([7]) فتح العزيز بشرح الوجيز ) المطبوع فى أسفل ( المجموع ج 5 / 242 )
([8]) الإمام منصور بن يوسف البهوتى الحنبلى فى كتابه ( الروض المربع ص 104 ) ، الإمام المرادى الحنبلى فى كتابه ( الإنصاف فى معرفة الأرجح من الخلاف ج 2 / 548 ـ 549 )
([9]) ( أسنى المطالب ) وفتح الوهاب والعلامة ابن حجر فى ( فتح الجواد ) والعلامة الرملى فى ( النهاية )، والعلامة الخطيب فى ( المغنى )