الرفق بالمغتربين


بقلم / الدكتور  : ابوبكر الجندى

امام بوزارة الاوقاف

امتنَّ الله تعالى على الوليد بن المغيرة بقوله تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا } [المدثر: 11 – 13]، لا يغيبون عنه كما يغيب الذين يطلبون العيش، فكان من الغنى واليسار ما لا يحتاج معه إلى سفر أبنائه للعمل أو الاغتراب لكسب المال.

ولكن كثير الناس ما يغتربون بسبب الفقر والحاجة طلبًا للمال والرزق كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}[الملك: 15]، أو يسافر لطلب العلم، أو يسافر للعلاج وطلب الشفاء، أو يسافر لأداء المناسك أو صلة الرحم.


وفي السفر صعوبة على القلب، وفي الاغتراب عن الأهل والأحباب مشقة على النفس، حيث لخص العوام طعم الغُربة والسفر في قولهم: (الغربة مُرَّة)، وعن معاناة السفر يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “السفر قطعة من العذاب”.


ورحمةً بالمغتربين ورفقًا بالمسافرين، أعطاهم الله عز وجل لهم بعض الامتيازات الشرعية والرخص الدينية، والتي من أهمها:


ـ جعل الشرع لهم حظًا من الزكاة إذا ما افتقروا في غربتهم أو سفرهم، كما قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}[التوبة: 60]، وابن السبيل: المغترب الفقير.

ـ يمكنهم في حال السفر جمع الصلوات وقصر الصلاة الرباعية.

ـ كتب لهم أعمالهم التي قطعها السفر، كما في الحديث: “إذا مرض العبد أو سافر كتب الله تعالى له من الأجر مثل ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا”.


ـ جعل الشرع دعوة المسافر مستجابة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ثلاث دعوات مستجابات: دعوة المظلوم، ‌ودعوة ‌المسافر، ودعوة الوالد لولده”.


ـ جعل الله تعالى الغربة سببا من أسباب سعة الرزق فقال تعالى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً}[النساء: 100].

ـ يضاعف الله تعالى له الأجر إن مات المغترب بعيدًا عن بلده، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الرجل إذا مات بغير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة”، أي يفسح له في قبره مقدار ما بين قبره وبين مولده، وفي الجنة كذلك.

والواجب علينا أن نقتدي بالشرع الحنيف في إكرام المغترب، وتخفيف المعاناة عن المسافر ومعاملتهم برفق ولين، ومصاحبتهم بالمعروف، ومحاولة تعويضهم بمشاعر الأنس التي فقدوها من أهليهم وذويهم، ودفع الظلم عنهم، وتيسير أمورهم مع خدمه أهل المغترب وقضاء حوائجهم والسؤال عنهم، فان ذلك يسعدهم ويسعد ابنهم المسافر؛ حتى ننال منهم ومن أهليهم دعوة صالحة؛ فدعوتهم مستجابة.


وعلى العكس تمامًا يحرم علينا أن نقهر غريبًا أو نذلَّ مسافرًا أو أن نهضم حقه، أو نستغل غربته ونسيء إلى أسرته، وقد جعل ربه خليفته في أهله فان ذلك ولا شك يسبب له ألما على ألم الفراق ووجعا على وجع الغربة؛ مما يجلب بغضهم وعداوتهم ودعاءهم على من ظلمهم فيستجيب الله دعاءهم لان دعاءهم يكونوا من نفوس مكسورة وقلوب مكلومة؛ فيجبر الله خاطرها بإجابة دعوتهم؛ فاتقوا دعوة المظلوم.