مقالات في الفقه الإسلامي المعاصر ” جدلية الفلسفة والمقاصد في ضوء رهانات التطور “

بقلم / د :مهدي صالحي الحاصل على الدكتورا

في العلوم الإسلامية بالمعهد العالي لأصول الدين -جامعة الزيتونة

إن الفكر التشريعي يتطلب إبانة معرفية وفقا لراهنية التطور الذي بات من أوْكد الحتميات لصياغة المبادئ الأصولية الفقهية تؤلّف بين ماهو تراثي وماهو حداثي تطوري حتى لاتظل المنظومة التشريعية المتأصّلة بالنص التأسيسي غير قابلة للاستمرارية ممّا يُحدث انفصالا بين النص ورهانات العصر المتطور وماشهده من طفرة علمية تكنولوجية،الأمر الذي يستدعي لزوم إيجاد علاقة توليدية بين الفلسفة وفقه المقاصد وهو ما أثار جدلية بينهما. فإذا كانت الفلسفة هي الوعاء الفكري الذي يستهدف تفكيرا موضوعيا متحررا من كل ماهو إيديولوجي يبحث عن الحقيقة العلمية فإنها نشاطا عقلانيا حرّا يحاكي المعارف الإنسانية بما فيها الفكر الإسلامي لتطويرها وتمحيصها قصد إضافة الجديد لها.

غير أن الفلسفة تطرح التصورات النظرية ذات المنحى التأصيلي التقني القائم على أسس منهجية ينطلق منها فقه المقاصد المقيّد بضوابط النصّ لقراءة المتغيرات الطارئة وللكشف عن فلسفة تشريعية تضمّ تلك المبادئ الكلّية والجزئية ثم تنزيلها بما يراعي رهانات الحداثة والتطور ،ولذلك يستلهم العقل المقاصدي الأنموذج الفقهي الحضاري لحلحلة الجدلية الابستمولوجية المستمرة بين الموروث الفقهي الكلاسيكي وبين أسئلة العصر؛ذلك لأن التفكير الفلسفي هو نتاج لتساؤلات واقعية لإقراره بنسبية الفكر الإنساني مع اعتباره مقاربة معرفية قابلة للتخطئة والتصويب وقد نشأت هذه المقاربة في ضوء سياقات سوسيوثقافية تلامس تحدّيات حيّة لكنها ظرفية،حيث أن هذا التصور الابستمولوجي الذي يؤكد على نسبية الجهود الفكرية ويدعو إلى ضرورة مراعاة السياق الزماني والمكاني والعرفي يلتقي مع القاعدة المقصدية”لاينكر تغير الأحكام بتغير الزمان” وهو جوهر الجهد العقلي المقاصدي الذي لايتنافى مع الطرح الفلسفي فكلاهما يرمي إلى الوعي براهنية التطور وقانون التغيير وكأن الفلسفة هي رؤية منهجية تحتكم إلى المساءلة والنقد بين ماهو مقدّس وماهو متجدد.

أما المقاصد فهي فنّ تقني فقهي منفتح على المستجدات الابستمولوجية باحثا عن بدائل إجرائية للمعادلة التي تثيرها الفلسفة فهي تمثل ذلك البناء النظري التجريدي الذي يزوّد العقل المقاصدي بالأدوات المنهجية قصد تحويلها إلى بنية اجتهادية تمزج بين ماهو تشريعي نصّي وماهو مصلحي يستجيب لمطالب الإنسان وسنن التطور ويحقق المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية تجاوزا لتداعيات الركود الفقهي والحضاري الذي يتعارض مع مقاصد الشريعة والذي يعمّق القطيعة بين الثابت والمتغيّر .