أهمية اللغة والتفكير فى الاسلام



بقلم: أ / احمد عوف

أهمية اللغة والتفكير: يأتي سؤال مهم: هل يمكن أن نفكر بلا لغة؟ وهل يمكن أن نخزن معلومات بدون لغة بصرية أو سمعية؟ وهل يمكن أن نتكلم بدون لغة؟

والإجابة واحدة: لا. لماذا؟ لأن اللغة هي السمة المميزة للإنسان عن غيره، ولعل تعريف الإنسان بالحيوان الناطق في كتب المنطق هو توضيح لذلك، لأن الناطقية هي أوضح دليل على التفكير والعقل. فالتعابير والمعاني تُستحضر في النفس ويُعبَّر عنها باللغة، فهي ليست وسيلة للتعبير فقط، بل تشكّل النفس والمعاني المكوِّنة لها. فكلما تحسنت لغة الإنسان من ناحية الإنشاء والتعبير والفهم، زادت قوة تفكيره المنطقية. واللغة تساعد على سرعة التواصل، وسرعة التواصل تساعد على وضوح الفهم، ويتبيّن أنه بدون لغة لا مجال للتواصل، وبدون كلمات يكون التواصل أبطأ، لكن الأصمّ والأبكم يحتاج إلى لغة، وهي ما نسمّيه لغة الإشارة. وفي نظرية النسبية اللغوية يرى (بنيامين لي، وورف، وسابير) أن اللغة التي نتحدث بها تشكّل طريقة تفكيرنا ورؤيتنا للعالم، وعند فيجوتسكي يرى أن اللغة كلما تطورت تطور معها التفكير.


ولعل اللغة العربية، بما تتميز به من عدد المفردات، حيث إن اللغة العربية تتمتع بحوالي 12,300,000 كلمة، وبالمرونة في اشتقاق كلمات كثيرة من جذر واحد مثل (ك ت ب): كتاب، كاتب، مكتوب، وبالدقة في المعاني مثل قعد وجلس، وبالبلاغة والتعبير البياني مثل “الوقت كالسيف”، وبالقدرة على التعبير بأكثر من عبارة عن معنى واحد، وبقوة البناء اللغوي؛ فهي لغة غنية دقيقة مرنة في التعبير والاشتقاق.


وهناك علاقة قوية بين اللغة والعمليات العقلية؛ فالعمليات العقلية تقوم على مسألتين: التصوّر والتصديق. ونقول: التصوّر يحتاج إلى فهم الألفاظ المكوِّنة للقضية؛ فمثلًا قولنا: «أحمد كاتب»، لا يمكن تصوّره إلا بفهم دلالة الاسم على المسمّى، ودلالة الوصف، وتصور نسبة المحمول (كاتب) إلى الموضوع (أحمد).


أمّا التصديق فهو الإذعان للحكم، أو ما نسمّيه النسبة الحكمية بين «أحمد» و«كاتب». وهذا هو العمل العقلي مع القضايا.


فمثلًا إذا قلت: «أحمد طائر»، فهي قضية كاذبة، ولا يمكن إدراك كذبها إلا لمن يعلم معنى «أحمد» ومعنى «طائر»، ويستطيع لغويًا أن يربط بين المبتدأ والخبر، أو ما نسمّيه الموضوع والمحمول.


والتجارب التي وقعت أظهرت أن اختلاف اللغة يؤثر في القدرة على تحليل البيانات المرئية وحل المشكلات.


ولعلنا نقول بصراحة: اللغة هي أداة حقيقية للتفكير بطريقة أقوى، لكن القوة العقلية موجودة حتى وإن فقد الشخص القدرة على الكلام أو اللغة لأي سبب.


ولعل الكلام القادم أكثر عمقًا: قوة الشخص العقلية فطرية لا علاقة لها باللغة أو غيرها، لكن اللغة تساعد على إظهار تلك القوة. نضرب مثالًا: لو كانت لدي كهرباء بقوة عالية، وقمت بتوصيل مصباح ضعيف الإضاءة، فإن هذا المصباح لا يُظهر القوة الحقيقية للكهرباء. والمقصود أن الكهرباء هي القوة العقلية الناطقة للإنسان، وأن المصباح هو اللغة؛ فكلما استخدم الإنسان لغة قوية متينة، ظهرت القوة الحقيقية لعقله.


وما أقوله إن الله أعطى العرب لغة لا يضاهيها لغة أخرى، وقد علمنا أن مفردات اللغة العربية تُقدَّر بنحو 12 مليون مفردة، بينما أقرب لغة لها لا تتجاوز 600 ألف مفردة، وهذا بونٌ شاسع لمن يعي.


ولعل ما يجرح القلوب أن نكون نحن أهل العربية، وفي ديار العربية، نجد مدارس تترك تلك اللغة العظيمة، ونتعلم لغات تُحدث اضطرابًا في التفكير بصورة كبيرة، ونهمل اللغة التي نستطيع بها قيادة الأمم. فالكل يرى أننا نتعلم الطب بلغة غير التي تربّينا عليها، وكذلك الهندسة والعلوم، ولا يظهر لي بوضوح ما العلاقة بين العلم واللغة، ولماذا نتعلم بلغة غير لغتنا الأم، وما أثر ذلك في إضعاف قدرتنا على إظهار القوة العقلية لهذا المجتمع العربي الذي يحق له أن يفخر بلغته وعروبته.


ولعل اختيار الله أن يختم كتبه ورسالته بهذه اللغة لم يكن عن فراغ أبدًا.

ولعل تعلم لغة ثانية، بشرط إتقان اللغة الأم، مهمٌّ جدًا، إذ يزيد من التواصل والاطلاع على خبرات الأمم الأخرى، ويساعد على تنمية التفكير وسرعة التواصل وزيادة الخبرات.
فليس هناك مشكلة في تعلّم لغة أو أكثر، وإنما المشكلة في إهمال اللغة الأم. والمشكلة الحقيقية هي تعلّم لغة ثانية قبل إتقان اللغة الأم.

لذلك ينبغي أن ننظر إلى تعلّم اللغة نظرةً مختلفة، بحيث يكون هناك اهتمام بالغ باللغة الأم في المراحل المبكرة من التعليم، مع التوسّع في تعلّم اللغات الأخرى بعد إتقانها.