بُرْهَانُ الهُدَى فِي جَوَازِ الاحْتِفَاءِ بِسَيِّدِ الوَرَى ﷺ
26 أغسطس، 2026
قضايا وأحكام

بقلم فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني
الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الَّذِي شَرَّفَ الوُجُودَ بِمَوْلِدِ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ وَسَيِّدِ المُرْسَلِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أنَّ سَيِّدَنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، حَبِيبُ الحَقِّ وَشَفِيعُ الخَلْقِ أَجْمَعِينَ. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الأَتَمَّانِ الأَكْمَلَانِ عَلَى سَيِّدِ المَحْبُوبِينَ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ وَصَحَابَتِهِ الغُرِّ المَيَامِينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَبَعْدُ:
أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ، وَأَهْلُ البَصِيرَةِ وَالوِفَاءِ..
حين تُطل علينا نفحات المولد النبوي الشريف، وتتفتح قلوب المحبين شوقاً واحتفاءً بميلاد خير البرية سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ ﷺ، تطلع علينا بين الحين والآخر أصوات تنكر هذا الاحتفاء، وترميه بما ليس فيه، متغافلة عن قواعد الفقه الركين وأصول الشريعة الغراء. وإن الحق أحق أن يُتبع، والمنهج العلمي الوسطي يقتضي منا أن نرد على هذه الشبهات بعلم متين وفهم دقيق، لنجلي الغمام ونظهر وجه الحق الأبيض الناصع.
أولاً: التأصيل الشرعي للاحتفال والابتهاج بالنبي ﷺ
إن المنكرين للاحتفال يحتجون بأنه “بدعة لم تفعل في عهد النبي ﷺ”، وهو استدلال ينم عن قصور في فهم مراتب الأحكام والأصول العامة للشريعة. فالتأصيل الشرعي يقرر أن كل فعل لم يرد نهي صريح عنه في الكتاب أو السنة، ودخل تحت أصل عام من أصول الشريعة، فهو جائز مستحب، بل ومطلوب إذا كان فيه تعظيم لشعائر الله.
أما عن الاحتفاء بميلاد الحبيب المصطفى ﷺ، فليس عزلًا عن الدين، بل هو شكر لنعمة الكبرى التي منَّ الله بها على العباد. يقول الحق تبارك وتعالى في محكم التنزيل: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [سورة يونس: 58]. وأعظم ننعمة وأجل رحمة أرسلها الله للبشرية جمعاء هي سيدنا ومولانا محمد ﷺ، كما قال عز وجل: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [سورة الأنبياء: 107]. أفلا نَفرح برحمة الله التي أُهديت إلينا؟!
ثانياً: شواهد السنة النبوية في الاحتفاء بالزمان والمكان
حين ننظر في هدي سيدنا رسول الله ﷺ، نجده بنفسه قد احتفى بأيام النعم وأوقات الفضل؛ فقد صح عنه ﷺ أنه كان يصوم يوم الإثنين، وسُئل عن ذلك فقال: “ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ – أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ –” [أخرجه مسلم (رقم: 1162)]. أفلا يجوز لنا نحن أن نُحيي ذكرى هذا اليوم المبارك بالصلاة والسلام عليه، وإطعام الطعام، وذكر سيرته العطرة، ومدارسة أخلاقه؟!
ولسيدنا الإمام البوصيري وقفات إيمانية تفيض عشقاً وتعظيماً لجناب الحبيب المصطفى ﷺ، حيث يقول في بردته الشريفة مبينة سمو قدره وعظيم منزلته:
فَاقَ الّْنَبِيينَ فِي خَلْقٍ وَفِي خُلُقٍ وَلَمْ يُدَانُوهُ فِي عِلْمٍ وَلَا كَرَمِ
وَكُلُّهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ مُلْتَمِسٌ غَرْفًا مِنَ الْبَحْرِ أَوْ رَشْفًا مِنَ الدِّيَمِ
فَهُوَ الَّذِي تَمَّ مَعْنَاهُ وَصُورَتُهُ ثُمَّ اصْطَفَاهُ حَبِيبًا بَارِئُ النَّسَمِ
ثالثاً: قصص ومواقف من الفقه والتاريخ في إحياء ذكرى الأنبياء
إن الاحتفاء بمواضع النعم ليس بدعة مذمومة، بل هو من تعظيم شعائر الله؛ ولهذا نظائر كثيرة في الشريعة.
* موقف نبي الله موسى عليه السلام: حين ذكر قومه بأيام الله ونعمِه عليهم، قال تعالى: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ} [سورة إبراهيم: 5]. ويوم ميلاد الني ﷺ هو أعظم أيام الله وأجلها نفعاً للبشرية.
* الاحتفاءعند السلف: لقد جرى العرف الإسلامي عبر القرون المفضلة على إحياء مجالس العلم والسيرة في هذه الأيام المباركة، تلتقي القلوب على حب الله ورسوله، وتتألف النفوس على الرفق واللين والبعد عن الفرقة والتشدد.
ولسيدنا الإمام البوصيري نفحات أخرى في التغني بحبه ﷺ والشوق إلى لقياه، يقول فيها:
مَوْلايَ صَلِّ وَسَلِّمْ دَائِمًا أَبَدًا عَلَى حَبِيبِكَ خَيْرِ الْخَلْقِ كُلُّهُمِ
مُحَمَّدٌ سَيِّدُ الْكَوْنَيْنِ وَالثَّقَلَيْنِ وَالْفَرِيقَيْنِ مِنْ عَرَبٍ وَمِنْ عَجَمِ
هُوَ الْحَبِيبُ الَّذِي تُرْجَى شَفَاعَتُهُ لِكُلِّ هَوْلٍ مِنَ الْأَهْوَالِ مُقْتَحِمِ
رابعاً: الرد على شبهات المنكرين
* شبهة البدعة: يقال للمنكر إن البدعة المذمومة هي ما استحدث وخالف الشرع الشريف، أما ما وافق أصول الشريعة ودخل تحت عموماتها من إظهار الفرح بالنبي ﷺ ومدارسة سيرته، فهو من “الامور الحسنة” التي أقرها أئمة الأعلام كالحافظ ابن حجر والإمام السيوطي وغيرهما.
* شبهة تخصيص الزمان: إن التخصيص للذكرى ليس تقييداً للشرع، بل هو تنظيم للبشر واجتماع للقلوب على طاعة الله ومحبة رسوله ﷺ، تماماً كاجتماع الناس في مجالس العلم والذكر والمواسم الفاضلة.
ويا ما أصدق وأعذب ما رددناه في صيغتنا الفشنية المحمدية تبركاً واشتياقاً:
” اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا ومولانا محمد، حبًّا فيه، واتباعًا له، شوقًا إليه ﷺ”
ختاماً : إن محبة سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ ﷺ واحتفاءنا بمولده الشريف هما عنوان الإيمان وبرهان الصدق. فلا يلتفتن عاقل إلى أصوات التنشيف والتنفير التي تحرم القلوب من لذة الشوق والارتباط بالجناب المحمدي الشريف، بل لنبقَ واحة للمحبة والرفق والرحمة.
كتبه فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني _ القاهره في ١٢ ربيع الأول ١٤٤٨ هجريه