العنف الأسري.. داء يهدد الأسرة والمجتمع

بقلم : .د/ طلعت عبد الله أبو حلوة
وكيل كلية الدراسات الإسلامية والعربية جامعة الأزهر

لقد خلق الله -عز وجل- الإنسان في أحسن تقويم، وفضله على سائر مخلوقاته، وكَرَّمَه بالعقل والبيان، وحمله في البر والبحر، ونهى عن إيذائه والاعتداء عليه، وحثنا الرسول -ﷺ- على التحلي باللين والرفق واللطف، وحذرنا من العنف والظلم والتقبيح، ومن المقاصد الكلية والمصالح المرعية في هذا الدين الحنيف وذلك الشرع الشريف حفظ النفس، وما جاءت الشرائع، ولا أرسلت الرسل، إلا لإسعاد البشر في دنياهم وأخراهم.

والإسلام بوسطيته وسماحته يرفض العنف والأذى والظلم، ويشجع على اللين والرأفة الرحمة، ويحث على التوادّ والتراحم والتعاطف والتسامح، وشعاره: قوله -تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، وقوله -ﷺ-: «إنَّ الرِّفقَ لا يَكونُ في شَيءٍ إلَّا زانَه، ولا يُنزَعُ مِن شَيءٍ إلَّا شانَه»، و«ارحَموا مَن في الأرضِ يرحَمْكم مَن في السَّماءِ»، و«المُسلِمُ مَن سَلِمَ المُسلِمونَ مِن لسانِه ويَدِه».

والأسرة هي نواة المجتمع، ولبنة بنائه، والمكون الأساسي له، والأصل فيها أن تقوم على المودة والرحمة والوئام والمعاشرة بالمعروف، وأن تعيش في ظلال الإسلام الوارفة تنعم بدفء السعادة والوداعة والسكن النفسي، وتهنأ بالتواد والتراحم بين أفرادها، لكن قد تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فيتسلل إليها العنف الذي يعيق تقدمها، ويُنَغِّص عيشها، ويعكر صفوها، ويكدر صحوها.

ويعد العنف الأسري سلوكًا غير سَوِيّ، وهو محرم شرعًا، ومجرم قانونًا، وهو أيضًا ظاهرة قديمة حديثة، فهو موجود منذ أن خلق الله وَلَدَيْ آدم عليه السلام، حيث قتل قابيل أخاه هابيل، وأخذ يظهر بعد ذلك في كل عصر ومصر بشكل قد يختلف عن الآخر في صوره ومظاهره، وذلك بحسب ما تفرزه الأسباب والملابسات، والظروف والأحوال المحيطة بكل زمان ومكان، فقد يكون العنف بالقتل أو الضرب أو السباب أو الابتزاز، وقد يكون بين الزوجين، أو بين الأولاد، أو من الأبوين تجاه الأولاد، أو العكس، وقد يكون إلكترونيًّا أو تقليديًّا.

والسؤال الذي يطرح نفسه، و يجول بعقل وفكر كل واحد منا هو: ما الأسباب التي تدفع الإنسان إلى العنف؟

والإجابة على ذلك تكمن في الآت

1- ضعف الوازع الديني: فالدين يعمل على تربية الضمير وتزكية النفس، لكن حينما يهمش دوره، ويسيطر الجهل، فإن النفوس تنقاد لشهوة العنف والاعتداء؛ ولذا فلا بد من الاهتمام بالتربية الدينية والخلقية التي تحث الإنسان على فعل الخير وترك الشر.

2- التشدد في التربية، والتفكك الأسري: فسلوك الوالدين مسلك التشدد والتسلط في تربية الأولاد يجعل الأولاد نظرًا لعجزهم عن مواجهة هذا الأسلوب الخاطئ في التربية يلجأون إلى التطرف والعنف والانحراف، وكذلك فالمشاكل الأسرية، والخلافات والصراعات بين الزوجين، وتمزيق أفراد الأسرة، ينعكس سلبًا على الأولاد، فيصيبهم ببعض الأمراض العقلية والنفسية كالشرود الذهني، والاكتئاب، والإحباط، والكراهية، والانفصام، والذُّهان، وغير ذلك مما يؤدي إلى اختلال في القوى العقلية، الأمر الذي يجعل الأولاد متطرفين في أفكارهم وآرائهم، ويجعلنا نستطيع القول بوجود ارتباط وثيق بين العنف الأسري والتطرف.

3- التقليد والوراثة: فالطفل حينما ينشأ في جو من المعارك والمشاحنات والعنف لا شك أنه قد يرث هذا السلوك غير السَّوِيّ، ويمارسه في حياته تقليدًا للصورة الذهنية التي انطبعت في نفسه، وكثيرًا ما يلجأ الإنسان للعنف والانتقام نظرًا لما سبق أن مورس عليه قبل ذلك من عنف وإيذاء.

4- الفقر والحرمان: فالعامل الاقتصادي قوي التأثير في نفس الإنسان، وضعفه يولد ضغوطًا نفسية واجتماعية تؤدي إلى الانحراف، ولا ريب أن الفقر والحرمان يرتبطان بالعنف ارتباطًا وثيقًا، ويدفعان صاحبهما -ولا سيما إذا اقترنا بالجهل- إلى التطرف وانتهاك الحرمات.

وأخيرًا أوصي ببعض الأمور لعلها تكون ترياقًا شافيًا، ودواء ناجعًا، وعلاجًا ناجحًا لهذا الداء الدَّوِيّ، وذلك المرض العُضال، وهي:

1- اضطلاع المؤسسات التعليمية -وخصوصًا الأزهر الشريف- بمسئوليتها التوعوية والإرشادية، وتعزيز قيم الرحمة والحب والتسامح ونشرها بين الناس.

2- اضطلاع المؤسسة الإعلامية بدورها، وذلك بتوعية الناس بمخاطر هذه الظاهرة، وكيفية الوقاية منها، وتعزيز المواثيق الأخلاقية.

3- اضطلاع المؤسسة التشريعية بدورها، وذلك بسن واستصدار قوانين وتشريعات زاجرة ورادعة لمن تسول له نفسه العنف والبغي.

4- أن تقوم السلطة التنفيذية بالضرب بيد من حديد على يد كل من يمارسون العنف أو يشجعون عليه.

5- قيام المؤسسات الدولية والمنظمات الحقوقية بتعزيز حقوق الإنسان، ومحاربة العنف، ونبذ الكراهية، ونشر الحب والسلام.