شمائل المصطفى ﷺ.. حين تجلّى الجمال البشري في أبهى صوره


بقلم : أ.د/ سعد عبد المعطي عبد العليم شعبان
أستاذ التفسير وعلوم القرآن بالجامعة الإسلامية ببروكسل بلچيكا

الجانب الخَلْقي للحبيب النبي ﷺ تنفسوا الصبح من فيض أنواره، وأصغوا بقلوبكم قبل آذانكم إلى حديث الجمال الباذخ، والحُسن الصافي الذي تجلى في ذات المصطفى ﷺ، فكان جمالًا لا تدانيه شمس الضحى، وبهاءً يخجل منه قمر التمام إذا اتسق. ولم يكن الحبيب محمد ﷺ مجرد نبي يُوحى إليه، بل كان آية صاغها الرحمن في قالب من الطهر والنقاء البشري، فجاءت خلقتُه الشريفة عنوانًا على كمال الخالق وعظمة الصانع سبحانه، حتى قال شاعر الرسول حسان بن ثابت رضي الله عنه معبرًا عن هذا الجمال والكمال البشري المطلق:

خلقت مبرأ من كل عيب      **. كأنك قد خلقت كما تشاء

وأجمل منك لم تر قط عيني ** وأكمل منك لم تلد النساء

إذا نظرت إلى وجهه الأغر، رأيت الفجر ينبثق من بين ثناياه، ورأيت نور الحق يسطع من جبينه الممتد كمرآة صقيلة تعكس جلال وجمال النبوة وهيبتها؛ وجهٌ كأن الشمس

تجري في محاسنه، أزهر اللون، مشربٌ بحمرة الورد، يتلألأ تلألؤ القمر في ليلة البدر، فلا يملك الناظر إليه إلا أن يخرَّ لله ساجدًا، خاضعًا لسر هذا الجمال النبوي والحُسن الفريد الذي يُبهر العيون ويأسر القلوب، أما عيناه.. فما عيناه إلا بحران من السحر الحلال، واسعتان كُحلاوان بلا كحل، يتمازج فيهما سواد الليل الدامس ببياض الثلج الناصع، تحدوهما أهداب طويلة ظليلة، إذا رمق بهما الوجود غمرته الطمأنينة، وإذا أشاح بهما هابتْه القلوب؛ وبين عينيه الشريفتين جبهة وضاءة، وحواجب كأقواس النور قد دُقَّت في غير اتصال، تفصل بينهما أسارير يتدفق منها الجلال، فإذا ضحك أوتكلم تبسم عن مثل حب الغمام، وخرج النور من بين ثناياه، وفي ذلك يقول أبو طالب عم النبي في معلقته الشهيرة مادحًا بياض وجهه واستسقاء الغمام به:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه*ثمال اليتامى عصمة للأرامل

وعلى منكبيه البعيدين المتباعدين كدليل القوة والمنعة، استقرت هيبة الرسالة ، ينسدل على عاتقيه شعرٌ رَجِلٌ مرسلٌ، ليس بالجعد المتلوي ولا بالسبط المسترسل، بل كأمواج بحرٍ هادئ في ليلة صيفية، يتخلله بياض شعرات معدودات زادتْه وقارًا على وقار، وهيبة على هيبته وجمالًا على جماله وتحت ذلك الطهر استقرت لحيته الكثيفة السوداء كليل الساهرين، تملأ صدره وتضفي على نطقِهِ جلال الملوك وسكينة الأنبياء، فكان إذا أقبل تسبقه الهيبة، وإذا جلس غشته السكينة، وهو الذي قال فيه كعب بن زهير في بردته المأثورة:

إن الرسول لسيف يستضاء به * مهند من سيوف الله مسلول

في عصبة من قريش قال قائلهم* ببطن مكة لما أسلموا زولوا

أيها العاشقون للحبيب محمد صلوا عليه .

أيها السائرون على دربه والمقتفون لأثره، انظروا إليه إذا مشى، تروْن الهمة في أسمى معانيها والجلال في أبهى تجلياته، يقبل جميعًا ويدبر جميعًا، يخطو في قوة وعزم كأنما ينحط من صبب، وكأن الأرض تُطوى له طيًّا، لا هو بالطويل البائن في السماء طولًا، ولا بالقصير المتردد الذي تنبو عنه العين، بل هو القصد والاعتدال، والوسط الذي تطلبه النفوس وتشتاق إليه العيون، صياغة إلهية محكمة تفردت بحُسنها ومكانتها.ويا طيب ريحه الذي استعارت منه الورود عطرها وشذاها! كان ﷺ إذا مر في طريق، عرف الناس أنه قد مرَّ من هنا لطيب رائحته التي تفوق المسك وعنبر الليل، وعرقه الشريف كحبات اللؤلؤ تتسابق الطاهرات لجمعه تطيبًا وتبركًا؛ كان كفُّه الشريف ألين من الحرير، وأبرد من الثلج، يضع يده على رأس الصبي فيُعرف الصبي بين أقرانه بريح طيبة دامت في رأسه من مسة الحبيب محمد، فما أعظمه من جسد طهرته السماء، وما أكرمها من صورة حارت في وصفها العقول والبلقاء!

هذا هو الحبيب محمد ﷺ في خَلْقِهِ الباهر وجسده الطاهر، وصورته البهية التي اكتملت ملامحها لتليق بروح حَمَلت أعظم الرسالة، فما بالك بأخلاقه وشريعته التي زكاها رب العزة والجلال فقال وهو أصدق من قال: “وإنك لعلى خلق عظيم”.

فلو كان جمال الخَلْق يأخذ بالألباب، فإن كمال الخُلُق قد ملك القلوب والرقاب. فصلوات ربي وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار، وما ترنم شادٍ بمدحه، وما اشتاقت النفوس الظامئة لرؤية وجهه الأنور الشريف في جنات النعيم.

اللهم صل وسلم وزد وبارك على سيدنا محمد طب القلوب ودوائها وعافية الأبدان وشفائها ونور الابصار وضيائها صلى عليك الله يا خير الوري وسلم تسليما كثيراً.