#حق_الجوار .. #حق_المواطنة .. #حق_الإنسانية

 بقلم الشيخ/ صالح علي محمد الفقي 

موجه عام بالأزهر الشريف


أَمرُّ أحيانا بالشوارع؛ فأجد محلا يُرفع فيه صوت القرآن والخطب الدينية – بقدر مبالغ فيه- وإلى جواره محل أو بيت (لغير مسلم).

وأحيانا في سيارة النقل الجماعية يقوم السائق أو أحد الركاب بنفس الشيء عندما يركب (شخصا غير مسلم). فهل هذا من هدي الإسلام ؟

   أقول وبالله التوفيق: ليس من تمام التدين أن يعرف الإنسان حقوق الله عليه، ثم يغفل عن حقوق عباده، وليس من حسن الخلق أن يحرص المرء على إظهار شعائر الدين، ثم يؤذي بها من حوله.

 ومن أعظم ما ينبغي أن ننتبه إليه في حياتنا: حق الجوار، وحق المواطنة، وحق الإنسانية. فالجيرة ليست بين المسلمين وحدهم، والمواطنة لا تفرق بين مسلم ومسيحي، والإنسانية أوسع من كل اختلاف في الدين أو العرق أو اللون.

 ومن المؤسف أن ترى بعض الناس، وفي جواره مواطن مسيحي، يرفع صوت القرآن الكريم أو الدروس الدينية في بيته أو محله، حتى يبلغ الصوت منازل الجيران، وربما كان بينهم مريض يتألم، أو شيخ كبير يحتاج إلى السكون، أو طفل نائم، أو إنسان يريد أن يأخذ قسطا من الراحة، مسلما كان أو غير مسلم.

    صديقي: القرآن الكريم لم ينزل ليكون مصدرا لإيذاء أحد، وإنما جاء هدى ورحمة وطمأنينة. وقد قال الله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا).

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا ضرر ولا ضرار.

فإذا تحول سماع القرآن من سكينة إلى إزعاج، ومن رحمة إلى مشقة، ومن عبادة إلى أذى، فقد أخطأنا فهم المقصد، وإن كان ما نشغله كلام الله.

ثم لنسأل أنفسنا بصدق: ما الأثر الذي نريد أن نحققه من رفع الصوت بالقرآن في الأماكن العامة؟ هل هو دعوة غير المسلم إلى الإسلام؟ وهل تكون الدعوة إلى الله بإزعاجه؟ أم نريد أن يكثر زبائن المحل؟ وهل البركة في التجارة تقاس بارتفاع صوت مكبرات الصوت؟ وهل تتحقق البركة بإيذاء الجيران؟

 إن الدعوة إلى الإسلام لا تكون بالصوت المرتفع، وإنما بالأخلاق الرفيعة، والرحمة، والصدق، والأمانة، وحسن المعاملة. وربما كان حسن خلق مسلم مع جاره غير المسلم أبلغ في الدعوة إلى الإسلام من مئات الخطب والدروس.

 والأشد إيلاما أن تجد بعض من يرفعون أصواتهم بالقرآن والدروس لا يحافظون على الصلاة، ولا يراقبون الله في معاملاتهم، ولا يتورعون عن أذية جيرانهم. وكأن التدين عند بعض الناس قد تحول من سلوك يراه الناس إلى صوت يسمعونه!

 أيها المسلم: لا تجعل القرآن الذي أنزل ليهدي الناس سببا في ضيقهم، ولا تجعل شعيرة عظيمة سببا في أذية مريض أو إزعاج نائم أو مضايقة جار. إن كنت تريد أن يعرف الناس جمال الإسلام، فكن أنت صورة جميلة منه.

  فالقرآن الذي نرفعه بأصواتنا ينبغي أن نرفعه في أخلاقنا قبل أصواتنا، والصلاة التي نقيمها ينبغي أن تنهانا عن الأذى، والدين الذي نفتخر بالانتماء إليه ينبغي أن يظهر أثره في رحمتنا بالناس.

  فحق الجوار ليس مجاملة، وحق المواطنة ليس شعارا، وحق الإنسانية ليس ترفا. وكلها أخلاق دعا إليها الإسلام قبل أن تكون عبارات نتداولها.

 فهل من التدين أن يسمع الناس صوت القرآن ولا يرون أثره في أخلاقنا؟

 الإسلام لا يحتاج إلى أصوات عالية بقدر ما يحتاج إلى قلوب واعية، وأخلاق راقية، ونفوس تعرف أن من أحب الله، أحب خلقه، وكف أذاه عنهم .