(شُيُوخ السبوبة بين الفتوى والترند)

بقلم : أ د. نعيم شرف العميد السابق لكلية الدراسات الإسلامية جامعة الأزهر الشريف

يُعَرّف الإفتاء بأنه : إخبار المفتي بحكم الله تعالى عن دليل شرعي، دون إلزام للمستفتي.

ومعلوم أن الإفتاء من أهم الأعمال منزلة، وأعظمها مكانة؛ وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم المُفْتين بقوله: “أنتم شهداء الله فى الأرض”.

ومن ثم وضع العلماء للإفتاء شروطا عديدة، وآدابا، وسمات شخصية لا بُدَّ من تحققها لكل من يتصدر لأمر الفتوى، ومن أهمها:

  • أن يكون مسلما عاقلا بالغا عالما، بكتاب الله تعالى، عارفا بالناسخ والمنسوخ، وبالمحكم والمتشابه، والمكي والمدني، وأسباب النزول، وكل ما يتعلق بعلوم كتاب الله تعالى، والسنة.

  • وأن يكون بصيرا متأملا فاهما لحديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ومقاصد الشريعة .

  •  وأن يكون دارسا دراسة مستقيضة متخصصة في علوم الفقه العام والفقه المقارن وأصول الفقه.

  • وأن يكون بصيرًا بعلوم اللغة، نحوا وصرفا ودلالة وأدبا وشعرا ونثرا وبلاغة.. إلى غير ذلك من العلوم اللغوية .

  • ثم يكون بعد كل ذلك مجيدا لاستنباط الحكم الشرعى من القرآنِ الكريم، والسنة النبوية والإجماعِ والقياسِ .

  • وأن يكون قادرا على التعامل مع الأدلة الشرعية، وتنزيل الحكم الشرعى منها على الواقعة محل التساؤل المعروضة عليه .

  • وأن يكون على معرفة تامة بواقع الناس، ملما بمشاكلهم، وسلوكياتهم، مراعيا لأحوالهم، متفهما لواقع المجتمع الذي يعيش فيه .

ثم بعد هذا كله يجب أن يكون المفتي متصفًا بحسن الخلق، ومعروفا بين الناس بالعدالة والأمانة والورع والتعفف والتقوى والوقار والاستقامة والمروءة والحلم والتؤدة والسكينة وعدم الرياء أو طلب الثناء.. إلى غير ذلك من الصفات الحسنة الحميدة.

 لكننا للأسف الأسيف نرى في زمننا هذا شيوخا ممن يطلق عليهم: (نجوم الفضائيات) يتسارعون ويتصارعون على إثارة الجدل، وجذب الانتباه، وركوب الموجة، وتصدر المشهد الإعلامي، وسرعة الانتشار؛ فيفتون فى الحلال والحرام؛ لكسب (الترند) وتحصيل الأموال الطائلة دون وجه حق؛ فنراهم يطلقون الفتاوى الخبيثة التي تنحاز إلى فكر ما يُسَمَّوْنَ بـ(التنويرين) ويحاولون بكل استعراض أن ينتصروا لهم عن طريق الآراء الغريبة، والأدلة الضعيفة، والفتاوى الشاذة، والفكر المنحرف، فمرة يقول س. المُقَوَّس إن المسجد الأقصى ملك للمسيحيين، ولم يكن ملكا للمسلمين!، وأخرى يقول بعدم فرضية الحجاب، ويرى أنه “اختيار اجتماعي”!، وثالثة يقول بجواز أن يعقد المُحَلِّل الزواج على المرأة فقط، دون أن يدخل بها!، ورابعة يؤيد التشريع التونسي بالمساواة في الميراث بين الرجل والمرأة، ويرى أنه صحيح فقهيًا!، وخامسة يفتينا بجواز أن تُذْبَح الدجاجة، كأضحية في عيد الأضحى المبارك! وسادسة يفتي بتحليل أجر عامل الخمر الذي يقدمه بالفنادق، والكباريهات الليلية!، وسابعة يعتبر الراقصة شهيدة، إذا ماتت وهي في طريقها للرقص!، ويقرر حديثا أن الموت نعمة وليس نقمة!.. إلى غير ذلك من تدليس يخالف إجماع علماء  المسلمين،ومن شَذَّ عن إجماع الأمة، شُذَّ في النار!.

وهاكم الدكتورة المسرورة التي لم تكن نشأتها في الأزهر الشريف تفتي بخلاف ما عليه جمهور الفقهاء بأن من حق الخاطب أن يقتصر على رؤية وجه خطيبته وكفيها، وأفتت بأن من حقه رؤية شَعْر خطيبته وذراعيها وساقيها! وتفتي أيضا بأن الجنة ليست للمسلمين فقط، وأن عدالة السماء تجعل أحد المسيحيين في الجنة مع القديسين والشهداء والصالحين، وأنه إذا دخل النار “يبقى ربنا ظلمه”!.

ونأتي لزبدة الدكاترة وكريمتهم فنراه يفتي بإلزام الزوج أن يأتي بخادمة لزوجه؛ معللا ذلك بأن الإسلام لا يلزمها بخدمته!.

وفي فتوى أخرى يُقِرّ زبدة الكريمة- وقوله حق- بأن الزلازل والبراكين والفيضانات، وما يشابهها سنن كونية لله تعالى تحدث في أزمنة وأمكنة يقدرها سبحانه، وإلى هنا لا نختلف معه، ثم أضاف بأنه لا علاقة لها إطلاقا بإيمان أو كفر أو توحيد وشرك أو طاعة ومعصية، وهو بذلك ينكر أنها قد تقع من الله جل في عُلاه للعظة والاعتبار أو كعذاب أو ابتلاء، والآيات الدالة على ذلك كثيرة في محكم التنزيل.

وثمة خرباوي جاهل يخلط بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ومرشد الإخوان فأفتى بما لم يأت به الجاهلون ويدَّعي أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كذبة اخترعها المفسرين!.

وهاكم جاهل جهول منافق مقدم برامج يدعو بكل وقاحة وتبجح وصفاقة لتعطيل أحكام القرآن الكريم في المواريث لأنها لا تتناسب مع الزمن الحالي!.

ويرى أحد الشيوخ المتزمّتين، المتعسفين، المتعصبين أن الزوجة ليست ملزمة بخدمة زوجها ولا حتى بعمل كوب له من الشاي!.

إن الفتاوى المتطرفة والآراء المضللة التي تثير الجدل، وتخالف النصوص القطعية، ولا تتفق مع إجماع العلماء أو اصول الاستدلال الصحيح، تُعَدُّ آفة كبرى، وشر هدام، وفتاك، كما تعد ترياقا مُهْلِكا لزعزعة استقرار المجتمعات؛ وتفكك ترابطها، وتشتت الجهود التي يبذلها الأزهر الشريف، ومراكز فتواه، كما أنها تُوَلِّد المهاترات، والجدال العقيم؛ فويل لمن يعبثون بالفتوى؛ فيحرمون الحلال، أو يحللون الحرام، اتقوا الله ودعوا الفتوى لمن توفرت فيه الشروط كاملة، دعوها إلى علمائها المخلصين الذين يكيفون الفتوى بمراعاة واقع أحوال شعوبهم، ومجتمعاتهم، ومعيشتهم، و﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ صدق الله العظيم.